|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
زمن الشام -1- الشهادة!! عندما استشهدت كان وجهي نحو الشام، جهة دمشق. القتال عنيف شديد، والراية ترتفع خفاقة عالية. العدو كثير، وحامل اللواء يتقدم غير عابئ بالجراح تملأ جسمه. يسقط فلا تهوي الراية، أتقدم فأتناولها بيسراي، تعلو مرفرفة في سماء المعركة، اضرب بيمناي دونهاسيل جنود الأعداء، ورفاقي من حولي وقود موقعة طاحنة، رخصت فيها الأرواح والمهج. أصيبت يدي التي ترفع اللواء نزف دمها غزيراً، يدي الأخرى ترفع الراية، زادتها علواً وارتفاعاً، أصيبت الذراع الباقية، لم أنحن أو أتراجع، بل احتضنت اللواء بما بقي في الذراعين من نبض الحياة، وضممته إلى الصدر، فظل شامخاً. ولما سقطت شهيداً، رأيت الراية ترتفع بيد واحد من رفاقي، مضى يجالد العدو ويصارعه، فكست ابتسامة راضية وجهي، وفارقت الحياة، لأحلّق مع الملائكة في السماء. تقمصت روحي أجساداً عديدة، في جيش الغافقي، يوم بلاط الشهداء كنتُ، وإلى فيالق سيف الدولة انضممت، في حرب صلاح الدين، في الزلاقة وعين جالوت شاركت، وألتحق اليوم زمن الشهادة، بالمناضلين من قومي، فالأعداء يشحذون أسلحتهم، يوحدون صفوفهم، يعقدون العزم على العودة إلى أرضنا، والتناسل فوقها من جديد. 2 اللقاء!! في أطراف أرض زراعية أقمت خيمتي، الخضرة تغطي الأشجار والحقول، خلفي تشمخ جبال الأرز والسمان، رائحة البحر تملأ المكان، المدن... القرى. المزارع.. عامرة بالناس، نابضة بحركة الحياة. لم أكد أجلس لأستريح حتى دخل عليّ رجل لاهثاً، منتصب القامة، مغبر الملابس، مشعث الشعر، متصبب العرق، وجهه بلون القمح. وقف الرجل أمامي فبدت عيناه سوداوين واسعتين، تختزنان أسى عميقاً، تراءتا لي صفحتي كتاب قديم عريق. -مرحباً بك. "ما يزال منتصباً في مدخل الخيمة متردداً، يحدق إلى وجهي متفحصاً مدققاً" -ادخل يا أخا العرب. "لم يبد عليه أنه يسمعني، وظلت عيناه مشدودتين إلى عينيّ" -تقدم واجلس "تحركت عضلات الوجه الأسمر، ولمحت الحاجبين الكثيفين ينفرجان عن فسحة بينهما، ترتجف الشفتان المطبقتان، صوت الرجل خشن، واضح النبرات" -أنا خائف. -خائف!!؟ -التمس جاراً يحميني. -هيا تقدم. "ظل واقفاً وكلامه يتدفق بصوتٍ منفعل" -لم أجد الأمان عند أحد. -اطمئن، اطمئن. -الأرض من تحت قدمي مجبولة بالذعر، الهواء الذي استنشق مبلل برائحة الخطر والشر المرتقب. -حسبك يا رجل، ما أظنك إلا واهماً، تطاردك خيالات غريبةٌ. -الخوف يلاحقني، ورثت القلق عن أبي، رضعته مع لبن أمي. -ممن الذعر والخوف؟ -من المصائب المفاجئة، من الأعداء يغزوننا في كل حين. "الوجه أليف، ارتاحت نفسي للصوت المتدفق الحار، وصل بريق العينين السوداوين إلى قلبي". كررّت الترحيب به: -ادخل أنت ضيفي. "ما تزال قدماه جامدتين في مكانهما، وكلامه هادر متفجر" -لجأت إلى الأقارب والأصدقاء، سرت معهم، عشت بينهم آملاً إدخالي في منطقة الأمن حيث يحيون، فكانت الخيبة والخذلان حظي. ردني الأهل أسوأ رد وأقبحه، أما الأيدي التي امتدت نحوي لتصافحني فكانت دائماً مبتورة عن أجساد أصحابها، متهدلة ميتة. -هلم يا رجل، اجلس إلى جانبي. -إنني مستجير بك. انتفضت غاضباً، وقلت مؤكداً: -أنت جاري منذ اللحظة، أنت ضيفي. -تؤمنني وتحميني؟ -أجل ما قدرت على ذلك 3 المكاشفة!! دبت قدما الرجل، دخل بطيئاً متعثراً، وجلس وقد هدأ وجهه، وسكنت جوارحه أحضرتُ له طعاماً وشراباً، أكل صامتاً وأنا أطيل النظر إلى عينيه اللامعتين، ووجهه المحترق بأشعة الشمس. - ممّ تشكو؟ لم هذا القلق؟ - أأنت مظلوم؟ - أنا خائف - ممن؟ - حملتُ على عاتقي تركة ثقيلة من العسف، والآن أخشى الناس جميعاً، فهل تقدر على توفير الأمن والطمأنينة لي؟ - حدثني، حدثني عن نفسك. - أحسّ أنني مطارد، مطارد إذا سرتُ أو جلستُ، مطارد إذا تحدثتُ أو صمتُ، شعوري هذا يأخذ بخناقي. - من أنت؟ ما اسمك؟ من أبوك؟ من قومك؟ - صورة والدي تنتصب أمام ناظري، كان محني الظهر دائماً من طول العمل في فلاحة الأرض. - أتعود إلى ما بدأته من حديث؟ أخبرني من أنت؟ من أين أتيت؟ قهقه الرجل، جلجلت أصوات ضحكه، اتّسعت حدقتاه، فازداد بريقهما، وامتلأت وجنتاه دماء قانية، ثم نهض واقفاً، ودار دورة بهلوانية، مشيراً بيديه، ملوحاً بكفيه وكأنه ممثل على خشبة مسرح. توقف أمامي، نظر إلى وجهي، الألم يعتصر قسماته وهو يتابع حديثه: - من كل البلاد جئتُ، من المغرب، من المشرق، من الشمال، من الجنوب أهلي في كل البقاع، على شواطئ الأنهار العظيمة، والبحار البيض والزرق والحمر، في السهول الخصيبة، والجبال المنيعة، وأبي عامل.. فلاح.. جندي.. هؤلاء أهلي، في الماضي والحاضر لم يتغير اسمي، لم يتبدل نسبي، ولم يرتفع السوط عن جسدي. "راعني منظر الرجل وقد احمرت عيناه، وتطاير رذاذ لعابه من فمه، وانقلبت صفحة وجهه جمرة تتلظى بالانفعال". قلت كمن يحسم الأمر وينهي الحديث: - إنك لمتعب مرهق، قم الآن فاسترح. صاح في وجهي: - لا. لا. لن أفعل، ولن أدعك تغمض عينيك، ألا تريد أن تعرف من أكون حقاً؟ - قلت جاداً - بلى. - أما أنا فأعرفك جيداً، أعرف اسمك، أهلك، من أين جئت وإلى أين تتوجه. - وبعد؟ - أنا عشت معك تاريخك كله، كنت رفيقك. قاتلنا معاً التتار.. الأعاجم.. الصليبيين.. الأوربيين، تقاسمنا الطعام في أهوار العراق وشمال أفريقية، في الصحارى والبوادي والجبال، تبادلنا المواقع والمواقف، استشهدنا سوّية، امتزجت دماؤنا من الأندلس حتى فلسطين، واجهنا الأعداء ذاتهم في طرابلس الغرب وفي طرابلس الشام. في الريف المغربي، كما في ميسلون، كان الخصم واحداً، وما يزال، فهل عرفتني؟ "كأنني في حلم، استيقظ من نوم لا أدري مدته" صاح صوتي: -تعال أضمك إلى صدري، فها نحن نلتقي من جديد، في زمن صعب آخر. 4 الحيرة!! فجأة علا ضجيج أصوات مختلطة توجهنا راكضين إلى باب الخيمة، ثمة رجال كثيرون في الخارج، يتحدثون، يتجادلون كلامهم يصلنا متداخلاً حيناً متقطعاً أحياناً: - لا نقدر على معاداة هذه الدولة. - لا طاقة لنا بها . علا صوت جريء: - يا قوم سأدفع العدوّ بنفسي وبمن معي . - قرارك قرارنا. - عدوك عدوّنا . - لن نهون أو نتراجع. عاد الصوت جليّاً واضح النبرة: - يبتغي العدوّ السيطرة على بلادنا أمامنا طريقان لا ثالث لهما: الاستسلام أو الصمود. اختلطت أصوات، تعالى الصيّاح، كثر الهرج، سمعنا كلاماً من هنا وهناك: - الحرب. الحرب . - لا طاقة لنا بالحرب . - يمين الله لا نستسلم . - لا نفرط بوطننا . - لكنها الحرب . - وما الحرب إلا ما عرفتم. اقتربنا أكثر من الأصوات خارج الخيمة، رأينا القوم يتباحثون، يتصايحون، يتعاهدون، يتبايعون، وكثير منهم في جماعات يتهامسون، يشيرون بأيديهم، يحدّقون بأبصارهم إلى الجهات المختلفة. - صاح رفيقي انظر هناك. 5 الأمل!! في الأفق البعيد رأيت طليعة جيش، يتقدم زاحفاً نحونا، يرفع الأعلام والأسلحة، يحتمي بسور من الدروع، إنه جيش الأعداء يباغتنا. ركض رفيقي مهرولاً، يصرخ في وجوه الرجال: - العدوّ. العدوّ. - جيشهم على الأبواب . - طلائعهم حول الديار . - يا للدهشة!! - لا ينتبه الرجال، لا يسمعون، كأنهم مخدرون. لم يستجب أحد منهم، وصاحبي يستخدم أساليب النداء كلّها، وينتقي من عبارات وألفاظ استنهاض الهمم أشدها تأثيراً. انضممت إلى رفيقي، ناديت الناس، لم يجبني رجل، لم تسمعني امرأة، الأطفال فحسب تراكضوا نحوي، أشحت بوجهي عنهم،وقلت لصاحبي آسفاً: - الرجال نيام. عقّب محتدّاً: - والأعداء يقتربون. - لكنّ الأطفال.. - وما الذي يقدر عليه الأطفال؟ - يحملون حجارة بأيديهم. - حجارة؟! - ألا تراهم يهاجمون جحفل الأعداء الزاحف. - بلى وبعد؟ - في قسماتهم عزيمة وتصميم . عدنا إلى الخيمة، اقتلعنا أوتادها، انتزعنا أعمدتها، طويناها ثم انطلقنا في موكب الأطفال. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |