|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
عــــروة 1-في كلّ عصر وصل قطار إلى مدينة القدس وفيه أناس كثيرون. سيف بن ذي يزن، هانيء بن مسعود الشيباني، خالد بن الوليد، القعقاع بن عمرو، عبد الرحمن الغافقي، صلاح الدين الأيوبي، الملك الظاهر، سليمان الحلبي، وسواهم. توقف القطار في المحطة، تجمّع الصحفيون حول القطار، بأيديهم أقلام وقراطيس، اقتربوا من الركاب، حدقوا إلى عيون الجميع، تلعثمت ألسنتهم، اختفت أصواتهم، مرّوا أمام العربات، لم يسألوا واحداً عن أيّ أمر، ظلّت أصابعهم متوترة مشدودة، قابضة على أعناق أقلامهم، متشبثة بأوراقهم، لكنهم ما إن وصلوا إلى حيث يقف عروة، حتى انطلقوا جميعاً، يسألونه عن كلّ شيء، عمّا حدث في الماضي وما يقع في الحاضر، وما سيكون في المستقبل!! لم يرتبك عروة، فذلك شأنه في كلّ عصر وكلّ مصر، أجاب عن الأسئلة جميعها، وحاز إعجاب مراسليّ الصحف، ومندوبي المجلات ووكالات الأنباء. 2-محاكمة ثالثة قُرعت المنضدة قرعاً شديداً بمطرقة خشبيّة أنيقة، وصاح صوت جهوريّ: - محكمة!! دخل القضاة، عباءاتهم سوداء طويلة وفضفاضة، وجوههم عابسة. وقف كلّ من في القاعة، حدّقت العيون إلى العيون، ثم جلس الجميع. رجل واحد لم يعر ما يجري أيّ اهتمام، لم يلتفت أو يقف، بقي جالساً في قفص الاتهام، ساهماً، يتراءى في وجدانه وجه مدينته، والمطر غزير يعزف ألحانه. يسمع الميازيب تغني. في صدره يعانق الرعد البرق، فيضع صورة القدس بين كفيّه، ينظر في عينيّ الصورة، يضمّها إلى صدره، يتراقص لهب النار. في الظلال، ترتسم أشباح، تتنادى، تعقد جلسة محاكمة!! من جديد يحاكمونه، كلّ يوم يُحكم عليه غيابياً وحضورياً، المدّعون هم القضاة، والقضاة هم المدّعون والشهود، ويبقى هو المحكوم عليه دائماً. يصوغون قرارات الحكم بلغة فصيحة بليغة، ومفردات دقيقة منتقاة، يزرعون حواشي الصفحات بأرقام المواد القانونية والقواعد الفقهية والاجتهادات القضائية، لكنّ الحكم يظلّ واحداً لا يتغيّر (النفي حتى الموت)!! 3-في المنفى عروة اليوم حزين، حبيبته ليست له، أخذ صورتها بين كفيّه، نظر إلى عينيها، تموّج شعرها الحريري تحت أصابعه، وبقي الأسى يلفّ أوتار قلبه. حبّها تغلغل في عروقه، خالط دورة الحياة في دمه، اخترع لها قصصاً وحكايات، همس قصصه في أذنيها، حمل وجهها في عينيه، خرج إلى الشوارع، طوّف في الطرقات، جاب الأزقة والساحات، لاحظ أن الناس ينظرون إلى وجهه، وكأنّهم يقرؤون أفكاره. ذرع عروة أكثر من شارع ذهاباً وإياباً، في صدره تصميم لا يتزعزع، والقدس صورة تملأ الأفق أمام ناظريه، تغمر الموجودات، فشعر بأنّ الريح الباردة قد توقفت، ليهبّ نسيم جنوبيّ دافئ، وينطلق الناس يرقصون في الطرقات، دونما تحفّظ أو مداراة. عندئذ ينقضّ عدد من الرجال يرتدون ملابس الشرطة، يقبضون على عروة، يضعون القيد في يديه، يسوقونه أمامهم إلى السجن، يلقونه في زنزانة مع القتلة واللصوص. 4-محاكمة عاشرة أفاق الهدوءُ عروةَ، سادت السكينة في القاعة عند دخول القضاة، فانقطعت سلسلة ذكرياته وأحلامه. تجولّت عيناه في أرجاء المكان، رأى رجالاً ونساءً، شيوخاً وشباناً، وقد اشرأبت أعناقهم، يحدّقون إلى وجوه القضاة، منتظرين افتتاح الجلسة. القضاة الثلاثة، بملابسهم المميّزة، وراء منصّة الحكم، يتحفّز المحامون في مقاعدهم، يعقدون أذرعهم فوق صدورهم، يعدّل الحاضرون ويبدّلون جلساتهم، ويقرأ أحد القضاة أوراقاً: -عروة غير متهم بتحريض الناس في هذه المرة، لن نحاسبه بسبب انتقاده للنظام السائد، لن نسأله من أجل السطو على أموال الأغنياء وتوزيعها على الفقراء. فتقارير الرجال الثقات لا تشير إلى إزكاء روح الجريمة في النفوس، ولكنها تؤكّد أنه يرى حبيبته في صورة مدينة القدس، ويتوهّم القدس وجهاً لامرأته التي يعشقها، وفي أحيان كثيرة يأخذ عروة مصوّر المدينة بين كفّيه، وينظر إليه طويلاً، ثم يخرج إلى الناس رافعاً المصوّر عالياً وهو يسير في الشوارع والأسواق. لذلك يُطلب الحكم عليه بأن يُنفى إلى خارج البلاد، حيث يقضي بقية عمره. علا صوت المطرقة الأنيقة تقرع خشب المنضدة. رفع عروة رأسه، وقبل أن يرجع إلى داخل ذاته، سمع رئيس المحكمة يعلن: - قضت المحكمة أن يُنفى المتّهم إلى خارج البلاد، فلا يشكّل وجوده هناك أيّ خطر على حياتنا المستقرة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |