زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

جــــراد

ظهرت أسراب الجراد في عدد من أقطار أفريقية، شوهدت في سماء الصومال، وبعض مناطق الحبشة، وقد ......‏

أغلقت المذياع، خرجت إلى الشرفة، بهرني نور الشمس.‏

وفي الجو الحار شممت رائحة الجراد يتّجه نحو السودان، يعبر البحر الأحمر، يصل البحر الأبيض، يعمّ... يتكاثر... يتوالد.. يمحو اللون الأخضر من العالم. جفاني نوم القيلولة، لم أقدر على الاسترخاء، فرّت مني الأحلام، حتى الأنباء التي تنشرها وكالات الأخبار خذلتني، وزرعت في عقلي صورة أسراب الجراد تغزو مناطق واسعة من مساحة الأرض.‏

في ذهني حكايات عن (سفر برلك). في ذلك الزمان، غزانا الجراد، أكل الأخضر واليابس، حطّ على الأشجار والزروع... رعاها... عرّاها من الأوراق... تركها هياكل بلا حياة.‏

نهضت إلى رفٍّ صُفّت فوقه كتب، تناولت موسوعة علمية، بحثت فيها عن -الجراد- قرأت:‏

"الجرادة حشرة.. لها.. أجنحة... أرجل... تطير... تتكاثر... تلتهم..." ورحت أدقق في صورة ملونة لجرادة مكتملة.‏

فتحت معجماً عربياً، نظرت في معنى كلمة -جراد- جرادة- للذكر والأنثى.. والبدو يأكلون الجراد في سنيّ القحط والجفاف!!.‏

خرجت إلى الشرفة مرة ثانية، أحسست حركةً بين أغصان شجرة الرصيف أمام النافذة. ياللغرابة!! ثمة جرادتان تحطّان فوق الأوراق اليانعة الغضّة. أطبقت أجفاني مراراً ونظرت، إنها الحقيقة، لست متخيلاً ولا واهماً.‏

استدرت أريد الرجوع إلى الداخل، فإذا جرادة كبيرة صفراء، تقف على حافة النافذة. لها عينان كبيرتان بارزتان، فوقها قرناً استشعار ممتدان، وساقان مفرطتا الطول، محنيتان مشدودتان بعنف، والركبتان عاليتان ترتفعان فوق مستوى الظهر.‏

دخلت الغرفة مرتجفاً، استلقيت فوق مقعد عريض أحدّق إلى السقف، أتساءل عما اعتراني، وما حلّ بي.‏

في السقف ارتسمت صورة جرادة... نهضتُ... رأيت الغرفة تعج بأفواج الجراد.. تتجمع في الشرفة حول نباتات الزينة... فوق أوراقها.. وقد انهمكت في التهام كل اخضرار فيها..‏

صرخت من أعماقي مستنجداً. حضرت زوجتي... أولادي... ألقوا عليّ أسئلتهم.. ألحّوا في استفساراتهم، فأشرت إلى الجراد المنتشر في الغرفة، فوق الأثاث والجدران. على الأرض... أريتهم شجرة الرصيف التي كانت خضراء وارفة فأضحت جرداء ميتة.‏

هزوا رؤوسهم... عادوا إلى الغرفة... جلسوا فوق الكراسي... أداروا مفتاح التلفاز... شخصت عيونهم إلى الشاشة الصغيرة... نظرت حيث ينظرون... كانت أسراب الجراد تطغي على كل شيء، تغطي الصور والأشكال... فصحت:‏

انتبهوا... هذا الجراد يملأ التلفاز... يأكل الصور!!. لم يجبني أحد... لم أسمع صوتاً... لم أحس بهمسة... التفتّ إلى حيث أفراد أسرتي. وجدتهم وقد غطتهم أعداد كبيرة من الجراد!!‏

حطت جرادة فوق رأسي... اثنتان... تسلّقني الجراد... فناديت بملء فمي... ضربت وجهي بكفي... صدمت رأسي بالجدار خلفي، كي أستيقظ من الحلم المروّع... من الكابوس المفزع...‏

ظلّ الجراد يزحف نحوي...‏

ويكسو جسدي!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244