زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

فــي بوابـــة دمشـــق

صبيحة عيد ميلاد السيد المسيح، في منطقة بوابة دمشق بالقدس، حبست سيدة ابنها الفتى، أقفلت الباب عليه بالمفتاح، وهي تصيح:‏

كفى... كفى...‏

-دفعتُ ضريبة الدم مرتين، استشهد والدك في الأولى، وفقدتُ أخاك في الثانية أصبحتُ أرملة في الثانية والعشرين من عمري، نذرتُ نفسي لتربية طفلين، ضاع منّي أولهما، فهل أفقد الآخر الباقي؟‏

-أرجوك أمّاه، إنهم ينتظرونني، لابدّ أن أنضمّ إليهم، هذه مظاهرة فقط، احتجاج ضد أساليب المحتلّين، لا أعمال عنف. الأرض تضجُّ مسيراتٍ صاخبةً، يخرج الناس كلّهم، في الضفة، في القطاع، في الهضبة.‏

-انظر من النافذة، إنهم منتشرون في الشوارع، على سطوح المباني، كيف أتركك تخرج، والخطر ظاهر واضح؟؟‏

-نحن لا نخشاهم.‏

-لن تخرج إلا على جثتي، قلت لك كفاني ما قدّمت، لم يبق لي سواك، اهدأ، أنا ذاهبة الآن، سأحاول الحصول على بعض المواد الغذائية، سأعود بسرعة.‏

-لا تذهبي، الإضراب شامل، والسوق مقفلة.‏

-سأجرّب... ها أنا خارجة.‏

أغلقت الأم باب غرفة ولدها، أدارت المفتاح في القفل دورة بعد دورة، دفعت الباب بيدها لتتأكد أنه مغلق متين.‏

في بهو البيت توقفتْ، نظرت إلى صورة فتى في السابعة عشرة من عمره، صورة ولدها الأكبر معلّقة على الجدار، كانت آخر ذكرى له قبل أن يلتحق بالفدائيين.‏

دخلت المطبخ، غالبت الدموع في عينيها، مسحت عبراتها بكفّها، جالت نظراتها في أنحاء المكان، تناولت حقيبة للخضار، طوتها، وضعتها تحت إبطها، لفّت رأسها بمنديل أبيض، شدّت سترتها فوق صدرها، سارت إلى باب الدار، التفتت نحو باب غرفة ابنها، ثم خرجت بهدوء. وأغلقت خلفها باب الدار بالمفتاح.‏

مرّت في زقاق ضيّق، أبواب البيوت مغلقة كلّها، لا أثر لإنسان، لا صوت لحركة، انتهى بها الزقاق إلى آخر، ثم إلى شارع عريض. هناك رأت عربات عسكرية تتمركز في الزوايا، تختبئ وراء المنحنيات، فوقها تنتصب فوهات أسلحة مسددة إلى الجهات الأربع.‏

إلى جانب العربات جنود مدججون بالسلاح، رأتهم فوق الأسطحة، في كل مكان عيون تراقب، وآذان تنصت، وأجهزة ترصد.‏

وصلت إلى السوق رأت المخازن مقفلة. سارت إلى الأمام، كان هناك بعض المارّة، ودّت لو تتوقف فتسأل واحداً عن دكان مفتوحة، أو بائع يمكن أن تحصل من عنده على بعض السلع، لكنها خافت، خشيت أن تخترقها عيون الجنود، أو أن يصوّبوا إليها فوّهات البنادق. فمضت في سيرها لا تلوي على شيء.‏

فجأة علت الأصوات، هدرت الهتافات، اندفعت أمواج بشرية متدفقة، تركض، ترفع أعلام فلسطين، تهتف:‏

فلسطين عربية... القدس عربية... تحيا فلسطين.‏

ملأت الهتافات الآذان، عَلَتْ فوق أصوات الطلقات النارية، واجهت الحجارةُ عربات مدرّعةً وبنادق آلية.‏

المتظاهرون فتيان، رجال، نساء، يسيطرون على الشارع، يمتازون بسرعة الحركة والحماسة. انزوت المرأة أمام جدار حجري، استدارت عائدة إلى البيت. وأمام دارها وقفت مشدوهة، دقّات قلبها تصمّ أذنيها، ومشهد باب بيتها مفتوحاً على مصراعيه، أعاد إلى ذاكرتها صورة زوجها الشهيد مسجّاة، وبعثت في خاطرها وجه ولدها الذي ذهب ولم يعد.‏

ركضت إلى داخل المنزل، قطعت المسافة عبر المدخل والبهو كالبرق مسرعة، غرفة ابنها مفتوحة أيضاً، اندفعت، نادت، ولكن دون مجيب. على الأرض رأت مفكّاً كبيراً، آه. إنه الأداة التي استطاع بها ولدها أن يفتح قفل الباب ويخرج. انحنت، التقطت المفكّ، وقفت حائرة لا تعرف ماذا تفعل. في تلك اللحظة دخل ابنها بهو الدار راكضاً، وأغلق خلفه الباب، أقفله بالدرباس، كان منفوش الشعر، محمّر الوجه مشوّش الملابس، توجه نحو غرفته، لكن طرقات عنيفة على باب البيت جعلته يقف جامداً في مكانه.‏

نظر إلى عيني والدته، حدّقت إلى وجهه، عندئذٍ كان الباب يتداعى أمام رفسات أقدام، ويدخل جندي إسرائيلي يحمل بيده هراوة غليظة، وفي كتفه عُلّقت بندقية آلية.‏

كشّر الجنديّ عن أنياب حاقدة وهو يشير إلى الفتى:‏

-أنت......‏

حاول الفتى أن يتكلّم، لكن الجندي رفع هراوته في الهواء، تعلّقت بالهراوة عينا الأم والابن معاً. الجندي يواجه الفتى وظهره إلى الأم. دارت الأرض بها، رأت وجه الزوج الشهيد، وارتسمت أمامها صورة ولدها الأول، فاشتدت قبضة يدها على المفك، توترت عضلات جسدها وهي ترى الهراوة تهبط باتجاه رأس ولدها. كزّت أسنان فكيها فوق بعضها، أغمضت عينيها، وبلحظة خاطفة دفعت نصل المفك في ظهر الجندي، فغاص حتى نهايته، وتهاوت الهراوة بطيئة... بطيئة... ثم سقطت على الأرض.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244