زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

احتفال

أدار مفتاح المذياع، أصغى إلى نشرة الأخبار، نقل إبرة "الراديو" من إذاعة إلى إذاعة، حدّث نفسه بصوت مرتفع:‏

-مناسبة رائعة... مناسبة رائعة...‏

زوجته، أبناؤه، يراقبونه، يرصدون حركاته. في وجوههم ارتسمت علامات تساؤل واستغراب:‏

- أتحدث نفسك؟‏

- قومنا يحتفلون بذكرى جليلة...‏

- سنسمع كلاماً كثيراً، خطباً عصماء، أحاديث حماسية.‏

- غريب!! أنت تقول هذا؟‏

- عرب أفريقية... وعرب آسيا، يتحدثون عن ذكرى موقعة حطين.‏

- حطين؟‏

- نعم حطين... يوم انتصر العرب على الأوروبيين الغزاة عند قرية حطين، غرب طبريا، في معركة فاصلة، نتج عنها جلاء المحتلين عن بلادنا.‏

- ولماذا الاحتفال؟‏

- تلك الموقعة التي ابتدأت أوائل تموز عام 1187م، وبلغت ذروتها في اليوم الرابع من ذلك الشهر.‏

- ذكرى عظيمة.‏

- أجل، وسأحتفل بهذه المناسبة!!.‏

نظرت الزوجة إلى وجوه الأبناء، اجتمعت نظرات الأولاد فوق وجه أبيهم، شفتاه مطبقتان مشدودتان، عيناه تشعان بريقاً نافذاً، قامته منتصبة بعنفوان... كلها علامات لا تقبل الشك في أنه قد قرر أمراً!!‏

همست الأم:‏

- أنت معلم القرية، مدير مدرستها، لا تلق بالناس إلى التهلكة...‏

- قريتنا محتلة منذ عشرات السنين... وقد دفع كل بيت فيها ضريبة الجهاد، وما خرجنا مرة من صدام مع المحتلين إلا بعدد جديد من الشهداء.‏

ابتسم الزوج، ربت بأنامله على كتف زوجته وقال:‏

- سأحتفل وحدي، لا تخشي شيئاً، هيئي طعام العشاء، سأشرب كأساً، وليكن ما يكون.‏

- آه... هكذا!!‏

انصرفت الأم إلى المطبخ، استغرق الأولاد في مشاهدة التلفاز، والأب ينقل عينيه بين وجوه أبنائه ويقول لنفسه:‏

-أجل أنا معلم القرية التي يحتلها العدو، كلامه، قصائده، أفعاله، بلا لون، بلا طعم، بلا رائحة، يبشر بالموت!! حياته عاقر لا تنجب التفاؤل.‏

سمع صوت تحطم شيء في داخله، وأحس بنزف في جوفه. عاد إلى حواره مع ذاته:‏

-الفراغ الروحي الذي أعيشه أقسى وأمرّ، تمضي الأيام... أستهلك الساعات في البيت، في المدرسة... أفكر... أفكر... أتحدث... أشرح... لكني لا أفعل شيئاً.‏

الصورة واضحة أمام عينيه، تتجمع توافه الحياة اليومية المبعثرة على صفحات تاريخ حياته، يستقطبها ذهنه في مثل جلسته هذه أمام طعام العشاء ولفافة التبغ. تتجمع في ذهنه، بلا ضجة، سحابة غير ماطرة، تنتشر في سماء عقله لتلف الموجودات كلها.‏

نام الأولاد، أوت الزوجة إلى فراشها، والمعلم يجلس وحيداً يحتسي شرابه ببطء، يتناول لقيمات لا يحس لها مذاقاً، يمتص طرف لفافة تبغ، ينفث دخانها في الهواء...‏

انتصف الليل... الجو حار... ويوم حطين كان الحر شديداً. تحية لصلاح الدين وهو يتفحص سفوح الهضاب... يرسم الخطط للإيقاع بالعدو... يدفعه إلى الأرض الجافة، بعيداً عن الماء والكلأ. ومع عتمة ما قبل الفجر، يأمر جنوده بالتحرك للإحاطة بالخصم.‏

فما تشرق شمس ذلك اليوم حتى يبدأ الهجوم ويسجل الجيش العربي نصراً حاسماً.‏

توقفت ذاكرة المعلم أمام مشهد آخر، مشهد الطائرات العدوة تصب القنابل والصواريخ فوق الرؤوس. شقيقه يتهاوى مضرجاً بدمائه... يلتفت معلم القرية يميناً ويساراً، فيرى جثثاً متناثرة للأهل والجيران في جنبات القرية كلها... آه!! ما تزال الجراح تنز دماً حاراً طيلة السنين التي مضت.‏

توجه حافي القدمين إلى حيث تنام زوجته، ألقى عليها نظرة محبة، مسحت عيناه ملامح وجهها المستغرق في النوم، قرأ في ثنايا جبينها تاريخاً حافلاً بالعمل والتعب.‏

توقف أمام أسرة الأولاد، غمرهم بنور منبعث من حدقتيه الحانيتين، خرج إلى مستودع المؤونة، هبط إلى قبو سري تحت المخزن، اخرج أسلحة... قنابل... لفها ببقايا قميص شقيقه الشهيد، حملها... خرج دونما أية ضجة، أغلق باب الدار خلفه... سار نحو معسكر قريب للأعداء.‏

ابتسم عندما تخيل ما ستقوله الإذاعات العربية في نشرات أخبارها الصباحية.... ملأت أصوات المذيعين مسمعيه: ((قامت إحدى وحدات المقاومة في الأرض المحتلة بالهجوم على ثكنة للعدو، فأوقعت فيها خسائر في الأرواح والعتاد، ثم عادت إلى قاعدتها سالمة. ولم يعترف العدو- كعادته- بحجم خسائره في هذه العملية الجريئة)).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244