زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

فتيان الجنوب

-1-‏

تحت شجرة باسقة، في جانب أحد البساتين، مجموعة من الفتيان، تتقارب رؤوسهم، يكسو العزم وجوههم، وفي صدورهم احتبست عواطف متصارعة. بعضهم منبطح على الأرض يحدّق إلى التراب أمامه، وبعضهم الآخر، يجلس متربعاً، وقد سيطر على الجميع صمت عميق.‏

حول البساتين تتعانق الأشجار، تشكّل أسوراً عالية تحجب الفتيان عن الأبصار. وراء تلك الأسوار تتناثر بيوت القرية، وتمتد على جانبي طريق عام عريض، يشقّ القرية من الشمال إلى الجنوب.‏

كانت السيارات تمرّ ليلاً ونهاراً غادية رائحة، بين مدينتي صيدا وصور، لكن ظروف الاحتلال جعلت ذلك الطريق مقفراً خاوياً.‏

وصل زياد، وهو فتى ناحل طويل القامة، حيّا رفاقه، قعد، نظر إلى الوجوه، لاحظ أن في أعماق النفوس شوقاً لأداء مهام جديدة. وأدرك أن الفتيان ينتظرون منه إبلاغهم الأوامر، لتعربد عواطفهم مندفعة كالريح العاصفة.‏

التقت عيون الفتيان، ارتسمت على ملامحهم ظلال ما حولهم من أهل وأرض وأشجار ومياه، فكل شيء يوحي بالخطر الداهم، والغمة النازلة بالبلاد.‏

2‏

قال زياد:‏

-دمرنا كثيراً من دبابات وناقلات العدو، نفذنا عمليات فردية وجماعية، تجلّت من خلالها بطولات فذّة نادرة. وتجسدت فيها قدرات عالية، ودقة في تنفيذ المهام.‏

أخرج الفتى من جيب سترته صفحة مطوية من جريدة، بسطها بين أصابعه وتابع حديثه:‏

- صحافة العدو تعترف بنجاحاتنا. اسمعوا ما كتبوه عنا: "ذهل الجنود الإسرائيليون حين اكتشفوا أن المسلحين الذين كانوا يدمرون مدرعاتهم بقذائف الآر. بي. جي ليسوا سوى أطفال تتراوح أعمارهم بين 12 و15 سنة).‏

قلب الصحيفة على وجهها الآخر واستمر يقرأ:‏

"ضابط إسرائيلي يعترف: دخلت لبنان، وشاركت في القتال، في النبطية والدامور وجزّين ثم في بيروت، ونجحت في الإفلات من الموت بأعجوبة، عندما أصيبت مدرعتي، فما أن قفزت منها، حتى شاهدت طفلين، أحدهما يحمل مدفع آر. بي. جي، وفي يد الثاني رشاش، كانا هما اللذان دمرّا مدّرعتي، لقد كادا يأسرانني".‏

3‏

توقف الفتى عن الكلام، جال بناظريه في الوجوه من حوله وعاد إلى الصحيفة:‏

"ضابط إسرائيلي آخر، صرح لمراسل إحدى الصحف بأنه خلال اقتحام مدينة صيدا، فضل أن يكون في المقدمة لكي يرفع من معنويات جنوده، وفجأة وجد نفسه محاصراً، والقذائف المضادة للدروع تتساقط من حوله غزيرة، ولاحظ أن معظم المدافعين هم من الأطفال والفتيان، يركضون في كل اتجاه، ويرشقون الإسرائيليين بالقذائف، وأنه لن ينسى أبداً ذلك الطفل الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وهو يعاجله بقذيفة آر. بي. جي، دمرت مدرّعته، وجعلته يسبح في دمائه".‏

سكت الفتى، طوى الصحيفة، أعادها إلى جيب سترته، وهو يضيف:‏

-اليوم نطمح للارتقاء بجهادنا إلى مرحلة متقدمة، فتؤلم ضرباتنا العدو، وتزرع الذعر في قلوب قادته وأفراده.‏

واجهته مجموعة العيون الفتية، فانخفضت نظرته إلى الأرض أمامه، ثم ما لبث أن رفع رأسه أكثر فأكثر وهو يسأل:‏

-أتظنون هذه الحال دائمة؟‏

ردّ أحد الفتيان:‏

-صدورنا ممتلئة بمشاعر التحدّي، أرواحنا تخفق مشتاقة لأداء عمليات كبيرة، تثأر للشهداء، وتحدّ من غطرسة الغزاة.‏

أضاف ثانية:‏

-سنواصل الحياة، لا بد أن يأتي الغيث، فنروي الحقول، ونغرس الأشجار من جديد.‏

رأى زياد وجوه الفتيان مكتسية بالانفعال والحزن فاستأنف الحديث:‏

-ليس بيننا وبين إلحاق الهزيمة بعدونا إلا مسافة قصيرة، وفي الوقت ذاته، لا يفصل أحدنا عن الاستشهاد أي فاصل.‏

ارتفع صوت حاد مشوب بنفاذ الصبر:‏

-لا حاجة بنا إلى هذه المقدمات، نحن نتلهف لتنفيذ عمليّات جديدة!!‏

ارتسمت ظلال ابتسامة على وجه زياد، وانطلقت الكلمات من بين شفتيه تشرح مفردات المهمة القادمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244