زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

طريف يرسم

انطلق طريف إلى باب البيت، حاول فتحه ليخرج ويلتقي برفاقه الأطفال، وجد الباب مغلقاً، لم يقدر على فتحه، ضربه بقبضتي يديه، سمع صوت والدته:‏

-هيا يا طريف، ادخل غرفتك، واقرأ قصصك.‏

-أريد أن أذهب إلى الحديقة يا ماما، رفاقي ينتظرونني.‏

-التجول ممنوع يا طريف، الزم غرفتك.‏

نظر طريف من النافذة، رأى الشوارع خالية، فارقها الأطفال، والأشجار هجرتها العصافير، تعصف بها الريح. ولاحظ سحابة قاتمة تملأ الأفق، وتزحف نحو قرص الشمس، لتلقي بظلها على المدينة المحتلة.‏

أسند طريف وجهه إلى الزجاج البارد الذي يسدّ النافذة، ثم رجع إلى الباب يريد فتحه فسمع أمّه تقول:‏

-طريف.. الباب مغلق بالمفتاح.‏

-أريد أن أخرج‏

-قلت لك، التجول ممنوع، عُدْ واجلس هادئاً.‏

ملأ الحزن والغضب صدر طريف، وقف من جديد أمام النافذة يراقب الشارع. الصمت وحده يملأ الطريق، يسيطر على كل شيء.‏

ارتجفت أعضاء جسم طريف، تمنى لو يقدر على هدم الجدار. التجول ممنوع، وجنود الأعداء وحدهم ينتقلون بحرية من مكان إلى مكان في أرجاء المدينة.‏

تناول طريف علبة أقلامه، أحضر ورقة كبيرة، ثم أخذ يرسم المدينة. خطّ أشكالاً، مزج ألواناً، أقام مباني جميلة بيضاء، أنشأ حدائق خضراء، صبغ البحر بلون أزرق فاقع، سرعان ما تحوّل إلى لون قاتم. فقد غطّت الغيوم الداكنة المدينة، وألقت بظلها على كل الأشكال.‏

في الميناء هناك سفينة ممزقة الأشرعة، محطمة السواري، والأشجار قد تلونت بالأحمر القاني.‏

لم تعجب اللوحة طريفاً، تناولها فمزقها، لكنه أخذ أقلامه ثانية، ورسم بحراً أزرق، امتلأ البحر سفناً ترفع أعلام القراصنة، على ظهرها رجال في قسماتهم ترتسم علامات الشر والطمع والعدوان.‏

اصطبغ البحر بلون أسود، وانتقلت يد طريف إلى سماء اللوحة تلونها، فإذا هي ملأى بطائرات تلقي قنابلها على السكان، فتقتل الأطفال. طائرات تروح وتجيء، في جو المدينة، هديرها، صوت انفجار قنابلها يُصمّ الآذان، يفتك بالأعصاب. ارتجفت أنامل طريف، سقطت منه الأقلام، تناول اللوحة، أتلفها ثم جلس مُسنداً رأسه بين كفيه الصغيرتين.‏

-ماذا يرسم؟‏

أخذ طريف ورقة جديدة، تحرك القلم الأخضر، صوّر حقلاً غرسه أشجار برتقال وزيتوناً ونخلاً. كبرت الأغراس، اشتعلت أزهاراً. فجأة، اقتحمت دبابات الأعداء البساتين اليانعة، داست عجلاتها التربة الناعمة، سحقت الجذور بوحشية، اقتلعت الأشجار، أحرقتها بنيران ملعونة، أضحت الخضرة سواداً، والأزهار رماداً.‏

أتلف طريف اللوحة، وعاد إلى وجومه وشروده وحزنه. مرّة أخرى تناول طريف ورقة بيضاء، خرجت الأقلام الملّونة من علبتها، رسم مدينة لها ساحة‏

واسعة.. في الساحة أطفال يرشقون جنود الاحتلال بالحجارة، لا يخشون أسلحتهم، يتوجهون نحو البحر، ينصبون عند الشاطئ تمثالاً للوطن، يظهر جنود الأعداء ثانية حاملين أسلحة، يطلقون قنابل وغازات سامة، في جوف الدخان الكثيف يستمر الأطفال يرجمون الجنود بالحجارة، فتهطل الغيوم الداكنة مطراً غزيزاً يغسل المدينة، وتضيء ألوان اللوحة! يصبح البحر صافي الزرقة، وتنبت الأشجار المقطوعة والمحروقة، تعلو فروعها مزدانة بالأزهار الملوّنة.‏

ينظر طريف من النافذة إلى الشوارع فيراها مزدحمة بمجموعات من الأطفال والفتيان المبتهجين، تملأ أصوات ضحكاتهم شبابيك البيوت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244