|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
في بيت ساحور على الرغم من أصوات أزيز الرصاص، والخوف من اقتحام المحتلين بيته في أية لحظة، ومع رائحة الموت، والشعور بالغثيان. سيطرت على جسده رعشة فرح وحماسة، فالمدينة تعيش عرس غضبها، وتستمرّ في عصيانها قوانين الذلّ. اختلط الليل بالنهار، سقطت كل الأشياء الواقفة، وهو يحاول النهوض، إلى أن تمكّن من استخدام قدميه، والسير إلى نافذة تطلّ على السماء. فرأى القمر بدراً مضرجاً بالدم، يوشك أن يسقط حيث تظهر بوضوح أشباح آلات حربية، ترفع رايات غريبة. عيون الجنود تتسلّق سلالم البيوت، تذبح الحياة في قلوب الشوارع، تطفئ البريق في مُقَلِ الأطفال. تلّون ستائر الشبابيك وأغطية الأسرّة بالخطر، تحقن الجوّ عفونة، تملأ الأفواه طعماً مراً، تحرق الحناجر بغصّة لا تفارق الصدور. ذرفت عيناه، تلّوت أمعاؤه مضطربة، ودّ لو تنغلق النافذة، لكن الظلام أمسك برأسه وصَلَبَهُ على الجدار، وابتدأت العتمة تلفّ بصره، وترفع كفها في وجهه. في الدجى الساجي سمع عواء ذئاب، ونباح كلاب، فأدرك أن سكان المدينة صامدون، يقعون أجساداً نازفة، برتابة آلية، وطلقات الأسلحة الحديثة المتطورة تؤدي مهامّها، لا تتوقف أمام وجه، لا تميّز بين الأعمار والأشكال توجهها أيد مدرّبة ماهرة، فتصيب الأهداف كلها بيسر وسهولة ودقّة. ينتصر التعب والارهاق على الخوف والترقّب، فيسيطر النوم عليه دقائق، يقف في أثنائها على طرف العالم، يتخيّل وجود مدينة يمتدّ البحر أمام شاطئها الرمليّ الهادئ، ويطلع عليها القمر بدراً مشعّاً كلّ ليلة، فلا تنمو فيها الأشجار الوحشيّة. وبين النوم واليقظة أحسّ فراغاً خاوياً مكان عينيه، ورأى في عتمة الفجر قطعاناً من الوحوش تحتل البساتين، تقتلع أشجار الزيتون، وتزرع مكانها الصبّار الشوكيّ، ثمّ تتقدم فتسكن البيوت والعلالي. تروح وتجيء جماعات، عبر الطرقات والساحات في حركة دائبة. كان مايزال نصف نائم عندما دبّت ساقاه إلى حيث سرير زوجته، رآها راقدة على ظهرها وقد فتحت فمها، وجحظت عيناها، وتيبست عضلات جسدها، فبدت أطول مما كانت، حبس بكاءه في صدره، فانفجر فحيحاً مخنوقاً من فتحات وجهه، وقع شيء في جوفه وتحطّم. أغمض عينيه جلس على الأرض وراء الباب، دافناً رأسه بين كفيه المرتجفتين، والمدينة تتوجّع وتئن. من جديد يتهاوى جسده، فيغفو دقيقة أو دقيقتين ويحلم أنه في منزل مضاء بنور الشمس. ـ افتح النافذة، أكاد أختنق. لم يستطع إجابة طلبها، فقد أزّت قذيفة أمام باب البيت، وامتلأ الكون بضجيج هائل. انهار العالم من حوله، وسقط على البلاط فاقداً الوعي. عندما صحا، سمع أنيناً خافتاً، فزحف نحو مصدر الصوت، وجد زوجته في زاوية الغرفة ميتة، تاركة فمها مفتوحاً،مملوءاً بسائل أرجواني، وجسدّها غارقاً في بركة من الدماء اللزجة. جرّ نفسه إلى خارج المنزل، وقع على العتبة، سال الدم من ركبتيه، ومرفقيه، نهض، انزلق فوق درجات السلّم، سار معانقاً الجدران في الشارع، متخيّلاً أنه سيجد وسيلة تنقله بعيداً، لكنه لا يقدر على الوصول. مشى في الأزقّة، والظلام يسيطر، الدخان يملأ الجوّ، الأشباح في الزوايا لاتراها العيون. سمع صوتاً يصيح: ـ يُمنع التجوّل من الليل إلى الليل. ـ يُمنع إشعال أي ضوء. ـ يُمنع.. يُمنع.. يُمنع.. الحرائق تلتهم جسد المدينة في أكثر من مكان، وعشرات الفيلة الضخمة تجتاز بوابتها، تدخل شوارعها من الجهات الأربع، تقف في الزوايا والساحات، منفردة أو مجتمعة، يسوقها رجال غريبو الهيئة، يحملون سكاكين كبيرة قاطعة، وعلى وجوههم ابتسامات ساخرة ماكرة، طافحة بعلامات الكبر والتعالي. تابع الرجل سيره بلا هدف، جَرَتْ ساقاه على غير هدى، خرج من ثغرة في الجدار، وجد نفسه في مقبرة مترامية الأطراف، ارتفعت الجماجم من قبورها تحدّق إلى وجهه وتشتمه. نَكَصَ يريد الرجوع، ضلّ الطريق، عدا بين الهياكل العظميّة، وشواهد القبور تضرب جبينه وتدميه. في خارج المدينة رأى الأراضي الزراعيّة ممتدة بلا نهاية، ترتدي ثوبها الأخضر البديع، فتظهر جميلة متناسقة، والأشجار تلتفّ وتتعانق في السفوح والتلال. نظر إلى ما وراءه، كانت قافلة من سيارات النقل تخرج من أبواب المدينة، تحمل أثاثاً وأدوات منزلية منهوبة، يحرسها جنود مدججون بالسلاح. توقّف، جلس على التراب، جمع كومة من أغصان الزيتون الجافّة، أشعلها، التهمت الشعلة الأعواد اليابسة، انتشرت النار. بحر النيران المتأجّجة يزحف باتجاه بوابات المدينة، في حين تبزغ ملامح الصباح من وراء الهضاب الشرقية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |