زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

بين كتابين

من كتاب أصفر‏

قَلَبَ الرجل صفحات سِفْرِ قديم مهترئ، قَرَأَتْ عيناه العبارة التالية:‏

((قبل ظهور المهدي المنتظر ليملأ الدنيا عدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً، يخرج الدجّال، ويدّعي أنه المهدّي، فيضلُّ أناس كثيرون، لكن الحقّ يزهق الباطلَ في النهاية، ويكشف النور الظلام، فيقضي المهدي على الدجال، ويخلّص المؤمنين من شروره))..‏

في جوف الليل‏

في الخارج، الظلام يملأ أفواه الشوارع، يغطّي عيون الساحات، أمّا في داخل الغرفة، فابتسامة المصباح تضيء المكان، وقَلْبُ الساعة المشدودة إلى الجدار يدقّ برتابة.نهض الرجل الجالس في الغرفة، خرج إلى الشرفة، تجوّل ناظراه غرباً وشرقاً فوجد كل شيء هادئاً مستسلماً لظلام الليل. بصق ثم عاد إلى داخل الغرفة.‏

القمر لا ينير‏

أيقظه صوت أجراس الكنائس، انتفض في فراشه، نهض خائفاً، ألصق وجهه بزجاج النافذة، نظر إلى السماء، وجد القمر هلالاً لا ينير، ونجمة الصبح تلمع بعيدة في الأفق الشرقي.‏

لاحظ عاملَ التنظيفات يجمعُ النفايات من أوعيتها الخاصّة، ويكنسُ الشارعَ بهمّة عالية وحماسة، دون أن يتطرّق إليه الكلل.‏

الشرنقة‏

خرج الرجل ثانية إلى الشرفة، رأى اللّيل ينظر إلى المدينة بوجه قاتم، والريحُ تهب باردة جافة، لا رطوبة فيها، تدفع في الجوّ غيوماً داكنة تمرّ مسرعة دون أن تجود بقطرة مطر‍‍..‏

ارتجفت أعضاء الرجل من البرد، انكمش داخل جلده، انسحب من الشرفة، أغلق الباب، ثم أسدل الستارة، وجلس يحتويه اليأس والقنوط...‏

أخيلة‏

على أحد جدران غرفة الرجل صورة أزهار متفتّحة، وسفينة مبحرة تملأ الريح أشرعتها، وولدان يسمران تحت أغصان شجرة باسقة، وفي عيونهما الطمأنينة والسلام.‏

على الجدار المقابل صورة لفارس عربي يمتطي جواداً أدهم، يُشهر رمحه الرديني، كوفيته خضراء، تدفع الريح أطرافها إلى الخلف، جواده يصهل، ويندفع إلى الأمام، وفي صدره يتفجّر شوق عارم، فيمضي ضارباً في الأرض بلا هوادة. يرفس التراب ويستمرّ في الاندفاع إلى حيث يتّجه فارسه الأسمر. عينا الفارس مليئتان ببريق الرغبة والإصرار، جسمه مشدود، يكاد يسابق الفرس في الاندفاع، حتّى لقد بدا كأنّه الفارس العربي الذي تخيله الرجل، وحلم به منذ عشرات السنين. وقف الرجل في غرفته إجلالاً للفارس، واتّجه إليه يريد أن يقبّل مواطئ حوافر فرسه، لكن الرجل لاحظ أنّ الفارس يضرب برمحه في الفراغ، وأنّ مؤخرة رأسه زاخرة بصور وأخيلة غريبة غير مفهومة، فعاد الرجل إلى جلسته، يتأمل ويتألّم!!...‏

في الفجر‏

ليلة الميلاد، الصقيع في الخارج يجمّد النّسغ في عروق الأشجار، والأحلام الوردية تفيض بها أذهان الأطفال، أما الرجل فقد جلس في مقعده، يلتهم قلبه القلق، ويملأ صدره الخوف. أخذ الرجل قلماً وورقاً، شرع يكتب مافي صدره كلمات زرقاء، لم تتّسع الحروف لتزاحم الأفكار والصور، فقام إلى ستارة النافذة، أزاحها، أطلّ على الشارع والوقت بعد منتصف الليل، فسمع همس صوت يقول: ((الأطفال الجياع يملؤون مدن العالم وقراه، والضحايا البريئة تتساقط، والظالمون ينعمون، يفرحون، يحتفلون))...‏

الرجوع‏

ارتفع صوت المؤذن انتشر الصوت في جوّ المدينة على الرغم من الصقيع. أسدل الرجل الستارة على وجه النافذة، عاد إلى مكانه، تمنّى لو ينام قليلاً، لكنه نهض وخرج إلى مسجد قريب.‏

دخل، جلس مع المصلين اتجه إلى الله بقلب مملوء بالرجاء والتوسّل، انطلق لسانه يتلو دعاءً حاراً، انتهى المصلّون من أداء فرائضهم، وما زال يتلو أدعيته، ويتوسّل.‏

أخيراً قام يريد العودة إلى بيته، لم يجد حذاءه الذي تركه عند باب المسجد، فرجع إلى منزله حافي القدمين.‏

دعوى‏

توجه إلى محكمة المدينة وفي يده شكوى تقول: ((الدجال يلاحقني، أجده أينما توجهت، بين كلّ فئة من فئات الناس، ألمح وجهه، يخدعني، فأظنه واحداً من هؤلاء الذين تعجّ بهم الأرض.‏

رأيت وجهه بين الفلاحين، مع مالكي الأراضي والتجّار، وعندما دخلت إلى مجتمع العمال اكتشفته متنكراً بزي عامل. هربت منه، لكنه ظل يلاحقني، اختبأت بين الجنود والبحّارة، في المدارس والكنائس والجامعات، في الأسواق والمقاهي، مع كلّ خطوة من خطواتي، يتراءى لي وجهه المخادع ناظراً إليَّ، ساخراً مني، يرمقني شامتاً متشفّياً))..‏

فكتب القاضي بخط يده في ذيل طلب الرجل:‏

((تُردُّ الدعوى فالمحكمة غير مختصة بهذا النوع من الخصومة))..‏

اليقظة‏

ما زال الرجل على قيد الحياة، يأكل، ويشرب، ينام، يستيقظ، فما يزداد إلا وعياً وإحساساً ويقظة وانتباهاً، لكلّ مايحدث من حوله.‏

من كتاب أبيض‏

الوقت مابعد منتصف الليل، ثمة مجموعة من الأولاد الصغار في الشارع يجمعون الحجارة والبراميل الفارغة والإطارات المطاطية البالية. أصواتهم أنغام موسيقى خاصة تعانق نوافذ البيوت.‏

فتح الرجل كتاباً عربياً حديث الطباعة، وقرأ:‏

((بعد نجاح الدجّال في نشر الظلم والضلال، يظهر أطفال، يواجهون بالحجارة، القنابل، يقررون أن تمتلئ الدنيا عدلاً لا ظلماً ولا جوراً))...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244