زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نجمة.. نجمتان

وصلت السيارة إلى ساحة المخيّم، أطلقت صوت ـ زمورها ـ مرتين.. أنَّتْ، تنهدت، دارت في الساحة، توقفت أمام مبنى سينما "النجوم"، نزل الركاب واحداً في إثر واحد، يتصبّبون عرقاً، فحرارة الجو مرتفعة، وملابسهم مجعّدة من طول الجلوس، وشدة الزّحام، في أيديهم حقائب، انطلقوا في طرقات المخيّم المتشعّبة من الساحة، تفرقوا، كل يتجه نحو أهله، إلى منزله.‏

هبطتْ "نجمةُ " من السيارة، وضعت قدميها على بلاط الرصيف، أحسّت الهواء رطباً يملأ صدرها، ينعش رئتيها، يبعث الدماء نشيطة في عروقها. وعلى الرغم من أن الحر شديد، تدفقت حيويتها، وكأنما عادت طفلة، تعانق مناظر الأشجار الباسقة في الحدائق وأرصفة الشوارع، تجري حافية القدمين فوق التراب الأسمر في البساتين والحقول، لا تخشى حراً أو برداً، تنتقل نبضات الأرض عبر مسام راحتي القدمين إلى الجسد الرقيق، فتنبعث حمرة في الوجنتين، وبريقاً أخّاذاً في المقلتين.‏

سارت نجمة... في يدها اليسرى حقيبة سوداء أنيقة، وقد تعلقت نظراتها بنوافذ البيوت، وعند نافذتين عاليتين في جدار أبيض، توقفت العينان العسليتان الجميلتان، تغلغلتا في ما وراء النافذتين، رأتا أم نجمة، أخوتها، ساحة الدار، شجرة الورد، شتلات الحبق، فعانقتا كلّ مافي البيت، واختلطت في ذهن نجمة صور الماضي والحاضر وآمال المستقبل.‏

خرج أطفال من جانبي الطريق... توقفوا.. نظروا إلى نجمة... تأملوها... ابتسموا لها... لوحت فتاة صغيرة بيدها..... ركضت أخرى إلى أمها، وأعلنت...‏

ـ أمي... يا أمي!!!..‏

ـ جاءت نجمة..‏

ـ أسرعي وانظري، على كتفيها نجمتان ذهبيتان.‏

في المقهى، توقّف الجالسون عن احتساء مشروباتهم عندما مرت نجمة من أمامهم. وقال شاب لرفيقه:‏

ـ ما رأيك بما تراه؟‏

ردّ الآخر جاداً:‏

ـ منظر حضاري... والله!...‏

عبرت نجمة الطريق إلى أقرب البيوت من منزلها، مرّت من أمام فرن الحي، حيث اجتمعت النسوة عنده يشترين الخبز الرقيق المشروح.‏

استنشقت نجمة عبق القمح البلدي.. اختلطت رائحة الخبز بأنفاسها، التفتت إلى النسوة وحيّتهنّ قائلة:‏

ـ يعطيكنّ العافية..‏

ردت النساء تحيتها بأصوات مختلطة، هرعت واحدة منهنَّ إلى نجمة.... همست:‏

ـ أنتِ جميلة، رائعة بهذه الملابس، بذلتك تزيدكِ بهاءْ، مبروكٌ لكِ... أصبحت ملازماً؟!...‏

ابتسمت نجمة للـمرأة، شكرتها، وتابعت سيرها. لمحت عمها في مجلسه المعتاد، أمام دكانه رأته يقف.... ثم يجلس... لكنها لم تسمعه يقول:‏

ـ والله... عشنا وشفنا!!‏

في مخيلة نجمة شريط من ذكريات الماضي وصوره يوم توفى والدها عن بنات هي أكبرهنّ، قال الأعمام:‏

ـ البنات يتزوجن، لا يذهبن إلى المدرسة!!...‏

لم توافق أم نجمة.. خاضت صراعاً مع الأعمام وانتصرت. ربّت البنات أرسلتهن إلى المدرسة، غرست فيهن روحاً طموحاً وعشقاً للتفوّق..‏

افتخرت بابنتها نجمة قائلة:‏

ـ نجمة أول فتاة في المخيّم تنتسب إلى الكليّة الحربية للبنات، هدفها أن تصبح ضابطاً:‏

انطلقت زغرودة أمّ نجمة مجلجلة. استقبلت الملازمَ نجمة عند مدخل الدار، ضمّت ابنتها إلى صدرها. عانقتها. زغردت ثانية وثالثة. أسرعت إلى داخل المنزل، أحضرت علبة مملوءة مُلبَّساً بلدياً وسكاكر. نثرت المحتويات بين أيدي الأولاد المتجمهرين أمام باب البيت..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244