زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حجارة ... وقنابل

تغلب عليه النعاس برهة، أغمض عينيه، ارتسمت الصور في ساحة حلمه. رأى الفتيان يقذفون أفراد جيش الاحتلال وسياراته بالحجارة، يسدون مداخل الطرق بالبراميل الضخمة والإطارات المطاطية المحترقة. تنفجر قنابل دخانية مسيلة للدموع، ويطلق الجنود المدججون بالسلاح رشقات من نيران بنادقهم. تنهال الهراوات الضخمة على رؤوس الفتية وأكتافهم وأذرعهم، تختلط الأصوات، وتبقى صورة فتى من الفتيان تشد اهتمام الرجل، تتابعه عيناه، يخشى عليه حيناً، يشجعه أحياناً، يريده أن يقدم، فيضرب جنود الغزاة بأحجاره، لكنه يخشى عليه أن تصيبه متفجراتهم أو طلقاتهم أو شظايا قنابلهم. ويدق قلب الرجل دقاً عنيفاً إذ يرى الفتى، يسدد قذائفه الحجرية بمهارة، ثم يتحرك مسرعاً رشيقاً، فيصرخ ملء فيه محذراً، عندما يلاحظ جندياً يقترب من ابنه، يرفع الجندي هراوته الثقيلة، ينهال ضرباً على الفتى، تهبط العصا الغليظة على الرأس، ينبجس الدم الأحمر القاني، يصبغ الجبين والوجه، يصيح الأب مستنكراً، وينتفض مستيقظاً من حلم دام بضع ثوانٍ. الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، الأب الساهر أمام سرير فتاه الجريح، تطالعه الصورة ساعة سقط ولده بين أيدي جنود الاحتلال، مصاباً ينزف، يتخبط بدمه، يجره الجنود على الأرض إلى أن يغمى عليه.‏

يستبدّ المشهد بالرجل في اليقظة وفي الحلم، ينغرز خنجر الألم في قلبه وعقله معاً، تمتلئ الغرفة بعشرات الوجوه والأشباح، وتصفق الريح خشب مصراع النافذة بقوة ترشق في عيني الرجل حفنة من رمال العاصفة، تحمر المقلتان، تدمعان، تعيده الحرقة إلى نفسه، فيجلس منطوياً أمام سرير الفتى الجريح. ألصق الأب وجهه بزجاج النافذة يراقب غبشة الصباح عند الفجر ممتزجة بضياء قمرٍ مختبئ في طيات غيوم داكنة، تدفعها الريح أمامها، فتسير راكضة باتجاه الهضاب.‏

يسمع الرجل صيحات ديكة من بساتين ومزارع قريبة، وصوت عربة يخترق هدأة الصباح الباكر، لكن الضوضاء سرعان ما تبتعد، لتسيطر السكينة من جديد، فيتابع ملاحقة مقدم النهار، طارداً أمامه فلول الليل. ويبدو القمر في عليائه بين غمامتين، يخفي جزءاً من وجهه فيظهر جزء آخر. في الحي الشمالي من البلدة، يحس الوالد أمام سرير ابنه المصاب، بأنه على حافة المعمورة، في طرف الكرة الأرضية، عند نهاية العالم، حيث يمتد البحر حول هذه البقعة من الأرض، ويقطعها، ويجعل منها جزيرة، تنعم بالهدوء وضوء القمر الفضي، لا تسمع الآذان قرقعة سلاح، ولا أصوات رصاص أو انفجار قنابل، لا تنطلق العيارات المطاطية في وجوه الأطفال والفتيان، ولا أثر لجنود احتلال.‏

يعاني الرجل من حرقة في عينيه، وغصة في حلقه، وفراغ في جمجمته، يلتفت إلى زوجته، يجدها مستسلمة لموجة من الحزن، أخفاها الخوف والأسى، وهدّها السهر والقنوط، تجلس على كرسي مسندة رأسها إلى الخلف فاتحة فمها لليأس، وقد جحظت عيناها، وجمدتا على المنظر الثابت المتلاحق المحموم.‏

تتوالى في بصيرتها الصور المبعثرة، وتتركز حول ولدها المصاب. ترجع بها الذاكرة إلى المهد الصغير، والطفل الوليد يشب، ينمو، وكسائر أبناء هذه الأرض، ينتفض ضد غزاة احتلوا تراب الوطن، ودنسوا مقدساته، استباحوا حرماته، وأخذوا يمسحون حروف الأسماء، ويبدلون البطاقات الشخصية لسكانه.‏

قال الطبيب الكهل:‏

-إذا عاش حتى الصباح فهناك أمل كبير.‏

-أنت رجل شجاع، ولن أكتمك الحقيقة.‏

التفت الأب إلى النافذة، خيوط من الضياء الصامت الباهت تتسرب على الرغم من طبقة الغيوم الداكنة. تنسحب العتمة، تبدو الأشياء واضحة جليّة.‏

وضع كفّه على جبين الفتى، ما تزال الحمّى مسيطرة، فتح الجريح عينين متعبتين مغرورقتين، نظر إلى وجه أبيه نظرة مطفأة، حاول أن يتكلّم، خرج صوته همساً ضعيفاً. ارتجفت شفتاه الرقيقتان، ثم أغمض جفنيه.‏

كان قلب الرجل يتحطّم، ينشطر، يتفجّر، فانهزمت ساقاه من تحت ثقل جسمه المتهدّم، جلس على مقعد أمام السرير، واضعاً رأسه بين كفّيه. مضت دقائق وهو في وضعه كتمثال، وفي داخله نيران تتلظّى، وأمواج عواطف وأفكار تضطرب.‏

لم يكن مستسلماً لضعف الحلم. جاءه صوت تنهدات ونواح، سمع عويلاً مكتوماً وارتفع صياح الأمّ المفجوعة:‏

-ولدي.. ولدي.‏

-مات.. مات.. ما..ت.‏

لم يفتح الرجل، عينيه، لم يتحرّك، جمد حيث هو. لكنه شمّ رائحة دم محروق، وأحسّ بقالب من ثلج يحتلّ مكان قلبه في صدره، وبدون وعي قال:‏

-اذهبي إلى غرفتك، لا أريد نحيباً.‏

كان الأفق الشرقي قد أصبح بلون الدم؟...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244