زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أحمد))

لا أحد من وحدة جنود الباقورة(1) ) ينسى يوم جاء أحمد(2) ). اتجه إلى قائد الوحدة بخطوات ثابتة واثقة حيّاه، قدم نفسه، لفت انتباه أفراد الوحدة بأناقته، وجدّة البزّة العسكرية التي يرتديها. شبّهه بعض الجنود بتمثال يتحرك، يسير، يقف، وقسمات وجهه الأسمر تنمُّ عن ثقة بالنفس عميقة. شاربه الأسود العريض يكمل رسم صورته، يده اليسرى ثابتة ملتصقة بجسمه، واليمنى ترتفع بالتحية. لسانه يتحرك، صوته الأجش يملأ المسامع:‏

-الجندي أحمد.. سيدي...‏

عندما وقعت الحادثة وتلقفتها وكالات الأنباء، وفصّلتها نشرات الأخبار باللغات كلها، من مختلف إذاعات العالم. تذكّر جنود الوحدة رفيقهم أحمد، فتصوروه في هدوئه، وحركاته الواثقة. يأخذ بندقيته، ويصوّب، ثم يطلق النار، كأنه يتدرّب على إصابة دريئة في ساحة الرمي. غير أنّ الذي حدث غير ذلك تماماً. فأحمد الهادئ الرزين، التمثال المتحرك، كان يغلي في داخله، من شدة الانفعال.‏

لا أحد من جنود الوحدة ينسى يوم قدوم أحمد، الجندي الفارع القامة، الأنيق، المنضبط. وهو يمشي في بزّته العسكرية، وياقةُ قميصه مرتفعة قليلاً، وربطة عنقه ملفوفة بعناية وبندقيته لا تفارقه لحظة، حتى عندما يؤدي الصلاة، يضع البندقية إلى يمينه، في متناول يده، كأنما كان يتوقع أنه قد يحتاجها في أية لحظة!!. بعد الحادثة، صار الجميع يعرف، لم يعد ثمة شيء من صورته المرتسمة في أذهان كل الناس، فلقد نشرتها الصحف، وتناقلتها شاشات التلفزة. ولعلّ ما أدهش الجنود من رفاقه في الوحدة، أنّ كلّ شيء في صور أحمد، هو ما رأوه فيه حقيقة منذ التحاقه بالموقع، حتى النظرةُ الشاردة على وجه أحمد، تلك التي تعطي انطباعاً حنوناً شفافاً، ظهرت جلية واضحة على سحنته المطبوعة في الجرائد.‏

اكتشف جنود وحدة الباقورة أنّ أحمد لم يكن متكبراً، ولا مغروراً. لم يكن مراوغاً، ولا متغطرساً، وإنما كان مشغول البال، مفكراً فيما يراه من حوله، مستغرباً اختلاط الأوراق، وامتزاج الألوان، وتشوّه الصور، مستغرقاً في تحليل الوقائع من حوله، وفهم الجميع معنى سؤاله لبعض رفاقه:‏

-لماذا يريدون فناءنا؟‏

-كيف يقتلون المصليّن وهم في صلاتهم ساجدون؟‏

كان أحمد مداوماً على أداء فروض الصلاة، ارتبطت صورته في أذهان جنود الوحدة بأنه لم يكن يترك بندقيته عندما يؤدي الصلاة، فيضعها إلى يمينه، قريبة من متناول يده، ويستغرق في عبادته، دون أن تغفل عينه عن سلاحه، وكأنما كان يتوقع ظهورغولد شتاين(3) ) ثانية‏

-في غفلة- من خلفه أو من جانبه، فيطلقَ عليه رصاصهُ الحاقد لأنه يصلي فحسب!! فغولد شتاين يطلق نار تعصبه على المصلين دون تمييز. صار أحمد واضح الملامح في أذهان الناس، فلا تمر ساعة من الليل أو النهار دون أن يُذكر اسمه، أو تطبع صورته. حتى أشياؤه التي خلفها وراءه في وحدة الباقورة، ملابسه، أحذيته، جواربه، مقتنياته كلها أدرجت في قوائم خاصة، ووصفت بإسهاب وتفصيل، ثم سيق تحرسه البنادق، إلى زنزانة انفرادية تحت سطح الأرض. كان حديث أحمد إلى رفاقه، يوحي بالثقة والاطمئنان. صوتُه الهادئ الواضح النبرات ينسكب في آذان سامعيه ليرسّخ انطباعاً بالألفة والمحبة، والتواصل، والانسجام مع قامته، وملامح وجهه، وبريق عينيه، وارتعاش أهدابه. لذلك عندما سيق إلى الزنزانة ارتسمت على وجوه أفراد وحدة الباقورة، علامات الاستغراب واضحة.‏

لماذا تحيط به عدسات المصورين، وينبثق اسمه من أفواه أجهزة الراديو، وتلتصق صورته بشاشات التلفزة؟؟ أبعدَ سنوات من احترافه الجندية، يسوقونه مكبلاً بالأصفاد؟ يقف بين حين وآخر ليطوّف بنظراته على وجوهِ من حوله، فيرى كل شيء غريباً، ليس بينها ثغر واحد يبتسم، ليس في أي عين ألقُ الحياة. حتى الأضواء الملونة جاءت باردة.. باردة، وآلات التصوير، بدت تؤدي وظائفها برتابة جامدة. تلفظُ من أفواهها أضواءً مثلجة، تقع على وجهه، فتشقق جلده.‏

لم يكن يتصور أنّ هناك من سيأخذ له مثل هذه الصور، فهو جندي عادي قادم من أطراف الأردن، يؤدي واجبه الاعتيادي فحسب. صحيح إنه كان يقف شارداً بين حين وآخر، يتجه ببصره نحو المسجد الأقصى، ويحلمُ أن يؤدي الصلاة في رحابه، وأنه في أوقات شروده، يتذكر المصلين في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، ورصاصُ غولد شتاين ينغرز دامياً في ظهور الساجدين، فيراه منظراً غريباً وشاذاً.‏

يسأل نفسه:‏

-كيف يقتلون المصلين غدراً لحظة توجههم نحو رب العالمين خاشعين؟‏

رصاص غولد شتاين يلاحقه، وجه القاتل يتراءى له في كل مكان، في كل شيء. حتى عندما يقف مستقبلاً الكعبة لأداء الصلاة، وبندقيته المحشوة والجاهزة إلى جواره، يخرج شبح غولد شتاين، يتكرر ظهور وجهه المهووس فيصير اثنين، ثلاثة، أربعة.. سبعة، تهزأ به الوجوه، جميعها تسخر من صلاته، تضحك من حركاته. تغيم عيناه، في حين وجوه غولد شتاين السبعة تقترب منه، تمتد يده إلى البندقية يتناولها، يطلق النار منها رشاً في عيون الوجوه الساخرة.‏

أدهشه جداً انتشار صوره على صفحات الجرائد كلها، كأنما في صورته أمر هام لا يعرفه. فأخذ يحدق في أعماق كل نسخة، متلذذاً مسحوراً بملامح وجهه، تظهر له حيثما نظرت عيناه. وفي ليل حيرته وعمق وحشته، رأى وجوه الجنود من رفاقه في وحدة الباقورة، تبتسم له، وأكفُّهم ترسم إشارة التضامن، وتلوح بعلامة النصر. حوار أحمد داخل نفسه يتصاعد حدة، فيرى من وراء جدران زنزانته طرق شرق الأردن التي حملته من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، يراها بعيدة نائية، تنحني تحت ضغوط الأسئلة، وتحترق بنار الشوق. تحمل الهضابَ والسهول، المرتفعات والأغوار، المدن والقرى، آهات المتعبين في صحراء الغربة، حجارة المنازل المدمّرة، نزيف الجدران، فتملأ حلقه مِلحاً مراً، وترشقُ في عينيه حفنة رمل مشتعل!‏

أما حواره مع لجنة التحقيق، فصراخ وحشرجة، حفر في صدره وحشة المسافر، عندما يهبط الليل، وليس ثمة شخص أو استراحة في انتظاره.‏

قرأت اللجنة إجاباته، فسّرت صمته وآهاته، ربطت بين تنهداته وكلّ حركة أو نبضة أو خلجة تبدو في أنحاء جسمه. سلسلة الأسئلة تتقاطع مع الأجوبة، حتى انطفأت الحرارة في صوته وفارق الألق عينيه، وتجمد الدم النازف من جروح التعذيب فوق جسده. عرفت اللجنة أنه وهو يعود إلى الصمت والشرود يريد أن لا يقول شيئاً جديداً، وأنَّ عنقه الغائصةُ عميقاً بين كتفيه، وحركاتِهِ وهو يلملم عريه خجلان مرتبكاً، وتلتقي العيون بالعيون، تبتعد الأفكار مسرعة، وتمتلئ الصدورُ سخطاً وشعوراً بأن الجميع يعرف الحقيقة.‏

(1) الباقورة: بقعة من الأرض العربية الأردنية -ملاصقة لأرض احتلتها إسرائيل.‏

(2) ) أحمد الدقامسة: جندي عربي أردني -أطلق النار على مستوطنات إسرائيليات سخرن منه وهو يؤدي الصلاة.‏

(3) ) غولد شتاين: متعصب إسرائيلي أطلق النار على المصلين في الحرم الإبراهيمي في الخليل فقتل ثلاثين منهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244