زمن الشام- محسن غانم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القاتل والمقتول

1-رقصة أولى:‏

أفكار متضاربة في دماغ الرجل جعلت وجهه متدلي العضلات كبطيخة صفراء مهترئة، لم يعد يحسن المحاكمة، فقد القدرة على تركيز فكره، قام وقعد مراراً، امتدت أصابعه إلى مفتاح المذياع، صدحت موسيقى راقصة، وقف الرجل وانطلق يرقص. حركاته تعنف وتشتد، يتصبب العرق من جبينه غزيراً، يستمر في الرقص رغم انتهاء المقطوعة الموسيقية، يرقص على أنغام أفكار وكلمات تتصارع في رأسه، فجأة يسمع نفسه يهمس بصوت مسموع: سأقتلها...‏

2-رقصة ثانية:‏

عجب الرجل من نفسه، توقف أمام كلمة "القتل"، كيف جاءت؟ من أين له هذا القرار؟ دقّ قلبه عنيفاً عندما تصورها مستلقية ميتة وقد فارقتها نضارتها وحيويتها إلى الأبد.‏

ركض إلى المطبخ، استعرض السكاكين المعلقة، انتقى واحدة مرهفة ذات نصل عريض لامع، ومقبض أصفر مزين بنقوش فضية، قبضت أصابعه على عنق السكين، تخيل موقف القتل ساعة التنفيذ، أحس بالدم حاراً يصبغ يديه، يلطخ شعر صدره العاري، يلوّن الفراش والجدران وكل الأشياء في العالم.‏

وضع السكين على المنضدة، ثم انطلق يرقص على أنغام قطعة موسيقية جديدة.‏

3-من ذاكرة الرجل:‏

يوم قبّلها لأول مرة، شعر بأنّ الأرض تهتز من تحت قدميه، ذاق من شفتيها طعم الشهد المصفى، شمّ في شعرها رائحة البخور الهندي. يومئذ همس في داخل نفسه:‏

-ما أروعها من زهرة عبقة الشذى، لم تمتد إليها يد إنسان بعد بالدنس والزيف والرياء.‏

4-صفحة ثانية من الذاكرة:‏

-"إنها فتاة رخوة"‏

رخوة!! رخوة!!... استطال حرف الراء، أصبح سيفاً مسموماً، انغرز السيف في قلب الرجل، أحس بدماء فؤاده تنسكب في أحشائه، جف حلقه، ملأ الملح فمه، تفصّد العرق من جبهته غزيراً، غابت عيناه برهة، عاد بعدها ينظر في وجه محدثه مخفياً انفعاله ويقول بصوت بارد النبرات:‏

-رخوة؟ كيف عرفت ذلك؟‏

ابتسم الرجل الآخر، امتلأت سحنته بالمعاني الثعلبية والادعاء. نطق كلاماً كثيراً.‏

غمر ضباب غير مرئي عيني الرَّجل الأول، التصق لسانه بسقف حلقه، وَدّ لو يلقم فم الآخر حجراً، لو ينهال عليه ضرباً، ويشبعه سباباً وشتماً، لكنه تماسك، وأظهر لا مبالاة مفتعلة، بينما كان حديث داخلي يدور في صدره "إنها حبيبتي أيها الأحمق، خطيبتي، المرأة التي استأثرت بفؤادي، في عينيها أرى ربيعي وصيفي، أمواج شعرها الكستنائي تحمل إليّ أجمل وأرق الأحلام، ضحكتها، مشيتها، قالت لي إنها تحبني، إنها لي وحدي، فكيف أقبل هذا الهراء؟؟... هراء... هراء...‏

5-عودة إلى داخل الرجل:‏

تحطمت الأشياء، امتلأ العالم بالضجيج، انقلب كل ما كان واقفاً، امتزجت الألوان واختلطت، أصبح لعابه حامضاً دبقاً، وفي جبينه انغرزت جذور ألم مزمن.‏

"كم قلت لك أيتها الغالية أن تكوني معي صادقة، أريدك صادقة فحسب، أنا لست كواحد من هؤلاء الذين من حولك، أنا أريدك حبيبة، وصديقة، رفيقة درب، فلا تكوني مثلهم".‏

6-صفحة ثالثة من الذاكرة:‏

كان صبياً في التاسعة أو العاشرة من عمره، يجلس تحت شجرة التين في الطرف الغربي من البستان، قال له والده:‏

-انتبه جيداً، وامنع أي إنسان من قطف الثمار، احرص على ألا تدخل دابة بين الأشجار. وفي كل عام كان الصبي يقوم بالعمل ذاته، حتى أصبح يعشق أشجار البستان، وفي قلبه الصغير احتفظ بمودة خاصة لكل شجرة من أشجار الحقل، لا تختلف إلا بمقدار اختلاف الذكرى التي تربطه إلى هذه الشجرة أو تلك. ففي شجرة الزعرور كان يضع قضبان "الدبق" في كل ربيع ليصيد العصافير المهاجرة، وفي شجرة التوت ينصب أرجوحته في الصيف، وفي الزيتونة العتيقة يراقب أعشاش عصافير الدوري والحساسين، والحور يعشق قاماته المديدة، يتسلقها فيشرف على ما حوله، وكأنه يقف على قمة جبل.‏

تحت شجرة التين جلس يصنع ألعاباً من طين، رجال، عربات، خيول، جيوش، وتدور معارك بين العساكر المختلفة، تنزل الهزيمة بطائفة، وتحقق النصر أخرى.‏

كان مستغرقاً في لعبه عندما فاجأه صوت خشن قاس. التفت ليجد رجلاً واقفاً عند شجرة تين تنضج ثمارها باكراً، الرجل يمد يديه إلى الأغصان، يجذبها إليه، يقطف الثمار بلا مبالاة.‏

وقف الصبي... أخذ ينادي الرجل بصوت مرتفع محاولاً منعه من الاستمرار في قطف الثمار، فإذا الرجل يثور ويستبد به الغضب، فينقض على الصبي ويقبض على عنقه النحيل الغض وينهال على باقي جسده ضرباً ورفساً، في حين يتفجر صوت الرجل من فمه الواسع صائحاً:‏

-"مرابع وقليل الأدب"؟ تمنعني يا بن الكلب؟ أصبحت وأبوك تملكان بستاناً، ألم يعلمك أبوك كيف تستقبل أسيادك؟‏

سألقنك الدرس بنفسي، سأجعلك لا تنساه ما حييت".‏

7-هامش على بطاقة الرجل:‏

كلما أحب هذا الرجل شيئاً، مكاناً، أرضاً، امرأة، اكتشف أن ما تعلقه قلبه ليس له، كان في المدرسة ينال درجة كاملة في جميع المواد المدرسية، غير أنه لم يمنح الدرجة الأولى قط، فابن رئيس المخفر في القرية يتقدمه، وابن مدير المدرسة وأبناء المعلمين لا يليق أن يتفوق عليهم ابن المرابع، وفي مدرسة المدينة ظلت المرتبة الأولى محجوزة لابن المفتش أو كريم رئيس المحكمة، ولمن ماثلهما. وعندما أصبح الفتى رجلاً وأخذ مكاناً له في العمل، ثابر على اجتهاده، بذل من نفسه، أنتج ضعف ما ينتجه أمثاله، لكنه بقي دائماً في المرتبة الثانية. وكلما أحب شيئاً، مكاناً، امرأة، اكتشف أن ذلك الذي يحبه لا يخصه وحده.‏

8-المرأة:‏

رغم أنها قد جاوزت الثلاثين فهي كوردة جورية في أوج تفتحها، تبدو وهي مستلقية فوق السرير غصناً متأوداً من الزنبق الأبيض، اقتطع ليزين مائدة ملك أو أمير. شعرها الكستنائي كثيف طويل يرسم إطاراً بنياً حول الوجه الوسيم الدقيق الملامح. الوجه مضاء بأشعة سحرية تنبعث من العينين المتألقتين. في العينين اختلطت ألوان زرقة البحر وخضرة العشب وصفاء العسل، ومع ذلك ففي الوجه ظل سحابة تنم عنّ قلق وتفكير عميق. تمتد يد السيدة إلى منضدة صغيرة بجانب السرير، تتناول لفافة تبغ أمريكية، تشعلها، تنفث الدخان في جو الغرفة راسمة أشكالاً عجيبة لا معنى لها، تقف حلقات الدخان في زوايا السقف حيث ثمة بضعة أعشاش لعناكب سكنت تلك الزوايا.‏

انحدرت نظرات المرأة من السقف إلى الجدار المواجه، توقفت عيناها فوق صورة مؤطرة عُلّقت منذ سنوات في مكانها ذاك، ابتسمت بمرارة، عادت بها الذاكرة إلى يوم زفافها من هذا الرجل الذي لم يكن أمامها إلا أن تتزوجه في الظروف القاسية التي كانت تمر بها أسرتها.‏

9-وجه الأب:‏

وجه "صائب بك" والدها كان عابساً طيلة الحفلة، مع ذلك كان يبتسم كلما التقت عيناها بعينيه، أراد أن يقول لها ماذا أفعل؟ فممتلكاتي الزراعية كلها شملت بقانون الإصلاح الزراعي، إنّ الذين كانوا يعملون عندي هم أيسر حالاً مني الآن، وأنت لم تتفوقي في دراستك مع أنني صرفت من أجل تعليمك أموالاً طائلة، وأرسلتك إلى بيروت، إلى أفضل المدارس الأجنبية، وأخوتك الذكور لم يتقنوا صنعة، ولا يحسنون ممارسة عمل ما.‏

قرأت يومذاك في وجه أبيها تاريخاً طويلاً من المجد انتهى إلى أسوأ ما كان يتوقع، حتى أنه ليرى في هذا المتقدم لطلب يدها شاباً تلتمع في وجهه علائم نجاح مرتقب فهو قريب من رجال السلطة، يشتغل في هذه الصنعة التي يطيل الحديث عنها (السياسة) مع أنه ابن مرابع. يعلم ذلك جيداً، ولكن شأنه في ذلك لا يختلف عمن في أيديهم الحل والربط في هذه المرحلة. ونتيجة مناقشة هادئة رصينة وموضوعية بين الأب والأم والابنة قرر الجميع الموافقة على طلب الزواج.‏

10-صفحة من سجل المرأة:‏

امرأة ذكية واقعية تؤمن بالتفوّق ولا تستطيع أن توافق على أن في المساواة المطلقة بين الناس عدالة، تقر بينها وبين نفسها بكل ما يستطيع القوي أن يحققه لنفسه، وتنكر على الضعيف أن يتمتع بما للقوي من حقوق، وكثيراً ما جادلت الآخرين بعدالة التمييز بين الناس، حتى التمييز العنصري تقره في الحقيقة ولكنها لا تتطرف في الحديث إلى التصريح بذلك. غير أنها تتصرف على هذا الأساس. أحبت قبل زوجها وأحبت بعده، وتعرف جيداً أنّ كثيرين من رفاقه قد نصحوه بالابتعاد عنها، وأن لا يغامر بالزواج منها، وأنهم قد رددوا على مسامعه بعض صفحات من تاريخها وسلوكها هنا في بلدتها اللاذقية وهناك في بيروت، حيث قضت سنوات تتابع التعليم في مدرسة أمريكية.‏

ولكنها وثقت بأنه أحبها فما استطاع أن يفرق بين الخطأ والصواب، رأى فيها حلاً لعقده كلها، ورأت فيه دائماً ابن مرابع، وفي وجه أبيه وأمه كانت ترى سحنتين لإنسانين يشتغلان في أراضي والدها لا أكثر، إنها اليوم ترى فرصتها مواتية للتحرر من هذا الزواج غير المتكافئ، فالزوج زال بريقه، وذهبت ريحه، ورمت به السياسة على هامش الأحداث، فبدأت تظهر أمام الناس مع رجال آخرين قصداً، وأتت الأنباء تترى إلى الزوج، هي في الحقيقة تبغي الطلاق، فلا ولّد يربطها إلى هذا البيت، والقلب لم يكن يوماً على القلب، فلديها حياتها، ولها شأنها، ويجب أن تسير بحياتها كما تخطط لها وتدبر. ومع ذلك ما تزال أمامها مرحلة من المناورة عليها خلالها أن تداعب مشاعره وتكسب مزيداً من الوقت تستفيد منه في ترتيب أمورها، وتجهيز نفسها للانفصال عنه نهائياً.‏

11-الوسادة:‏

بكت الوسادة حتى بلل الدمع وجهها، اختلطت العبرات المنسكبة بعطر شعر المرأة، ضمت الوسادة خصل الشعر الكستنائي المعطر إلى صدرها، أسندت الرأس، حدقت إلى وجه الرجل، رأته منتفخاً محتقناً، وشاهدت شفرة السكين، تلتمع ابتسامتها، وتقترب رويداً رويداً من العنق.‏

12-إفادة السكين:‏

الرجل يضع شفرتي القاطعة فوق حنجرة المرأة، ضغطة بسيطة من يده المرتجفة تكفي لكي أغوص في اللحم الأبيض الحار، قاطعة الغضاريف والعروق، سابحة في الدم الفائر الفاتر. رائحة الدم تملأ خياشيمي، تسكرني. نصلي أبيض لامع، معدني فولاذ قاس، مقبضي أصفر مزين بنقوش فضية. ارتجفت والرجل يقبض علىَّ بقوه، اهتزت أعماقي، اضطربت جميع مفاصلي، أخذ الهلع بمجامع فؤادي، أحسست بقلب الرجل يركض في قفص صدره، رأيت رئتيه تمتلئان هواء ودماء على التناوب بسرعة غير اعتيادية. سمعت صوت آهاته تتصاعد حرّى رغم مجاهدته لكي يبقيها حبيسة صدره.‏

وقف هذا الرجل أمامي وأنا معلقة إلى مسمار في جدار المطبخ، حدجني بنظرة ثاقبة، تناولتني يده، قلبتني كفاه على وجهيّ مراراً، مسح شفرتي براحة يده، تحسس خدي، زفر زفرة ارتياح، واتجه بي إلى غرفة نومه. رفع طرف وسادته، وضعني تحتها. وقف برهة ثم عاد فأخرجني، دسني بين الفراش ومعدن السرير. المرأة في الفراش تحت الغطاء، الرجل إلى جانبها يرتجف، تمتد يدها إليه، تطوق ذراعها عنقه، يقبلها، تقبله. في رأسه تدور مشاهد أخرى، تتوالى في صفحة مخيلته صور رجال وأحداث، يغمر العرق الغزير وجهه وصدره، يرتفع صوت لهاثه، يحدق إلى وجه المرأة، يراها مغمضة الجفنين تتأوه، تشده إليها، يتظاهر بالاستجابة، تمتد كفه منفعلة تبحث تحت طرف الفراش، تمسك أصابعه مقبضي، يلتمع نصلي في جوف الظلمة الخفيفة، يقترب بطيئاً من العنق المرمري الحار.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244