|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-بلال يستيقظ متأخّراً- 1-السيارة: السيارة أنيقة، طرازها حديث، تندفع في الشارع الملتوي العريض المستلقي بين يدي البحر. الطريق والرصيف لا يخلوان من المارة والمتنزهين، لكن سكينة منتصف الليل تسيطر، أشجار الأزدرخت مصفوفة وراء بعضها في أنساق متعرجة وكأنها تحرس الشاطئ، اللاذقية المقيمة نامت باكراً، أما اللاذقية السائحة فلا تغمض أجفانها إلا مع الفجر، همس الساهرين المتناثرين في المقاهي، وعلى الرصيف البحري يصل إلى آذان الأشجار والبحر، الريح رطبة خفيفة تداعب أمواج الماء، تدغدغ أصابع الصخور، والسيارة الحديثة جداً تنساب متمهلة متسكعة، تغمر عيناها الأشياء بأنوار فضية وصفراء وبيضاء، تذهب السيارة وتجيء، تدور، تنعطف، فيعكر صوت مكابحها هدأة منتصف الليل. 2-الرجلان: وراء مقود السيارة رجل، في فمه لفافة تبغ مشتعلة، يرتدي قميصاً مفتوحاً إلى ما فوق السرة، شعر صدره كث يشكل بقعة داكنة في صفحة الليل القاتم، فوق جبينه قطرات عرق، جسده ملقى باسترخاء على المقعد، كفاه تعانقان المقود، تتحركان يميناً ويساراً ببطء وملل، فيما عيناه تنظران باستمرار إلى الرصيف وتفرعاته، تجوبان مداخل الشوارع، تنتقلان بين أبواب المقاهي المتناثرة على هامش الرصيف. إلى جانب الرجل السائق، يجلس رجل ثان، يعتمد بكوعه على حافة نافذة السيارة، يحدث زميله دون أن يلتفت إليه، يسحب عينيه فوق أبواب المباني وشرفاتها، ثم يعود بهما إلى أرض الشارع وبلاط الرصيف. -ارجع بنا، ثمة امرأة تلفت انتباهي. -أية واحدة؟ -تلك التي تسير إلى جانب الرجل الطويل. صدر صوت حاد، رجعت السيارة الأنيقة في الاتجاه المضاد، خفت سرعتها، سارت مواكبة لمشية الرجل والمرأة، امتدت رأس من نافذة السيارة، انفتح فم الرأس، خرجت منه كلمات ذات رائحة كريهة، اندلقت الألفاظ في سمع الرجل وفي سمع المرأة، شُدِهَ الرجل، بُهتت المرأة وخافت، ازداد عناق ذراعيهما شدا فالتحما، ابتعدت بهما أقدامهما إلى أقصى الرصيف وأسرعت السيارة منصرفة. 3-البحر: تلوى البحر، خبط بأطرافه رمال الشاطئ، زفر ونظر في عيني المرفأ، حدق في عيني الرجل، التقت المقل، لم تكن عينا البحر زرقاوين كالعادة، فأنوار الشاطئ خافتة، وأضواء السفن صفراء، والأشعة المنعكسة لم تفلح في تحويل الدكنة المنتشرة على سطح الماء إلى لون الزرقة، أشعة الشمس وحدها تصبغ صفحته بألوان الخضرة والزرقة الصافية، الأسماك في القعر لا تنام، ممالكها لا تعرف الليل، الزمن كله عندها نهار، الغلاف السطحي فحسب يتلون بالعتمة والدكنة، فوقه تتكسر أصوات الناس المنتشرين على أطرافه، يغسلون عيونهم وجلودهم بمائه طلباً للطهارة، لكن قطراته المالحة لا تعدو القشرة، فتبقى القلوب مغلقة على ما فيها من عواطف متضارية ورغبات دنيا. حجبت جدران المباني العالية عن عيني البحر السيارة ومن فيها، الرجل والمرأة يقتربان رويداً من صدر البحر، يمدان إليه نظراتهما، تتغلغل النظرات في العمق رغم العتمة، فيبصران صورتيهما مرسومة على الصخور، فوق الأمواج، في الأنوار، اطمأنت نفساهما عادا يسيران بخطوات مترافقة متناغمة جنباً إلى جنب، فوق بلاط الرصيف. 4-المدينة: أغلقت المدينة على نفسها، واطفأت الأنوار باستثناء الأضواء الصفراء الخافتة الوانية، فوق المدينة، في الطرف الشرقي من السماء بدا القمر بدراً، رأى البدر بعينيه وقوف، السيارة، سمع كلام الرجلين، فحجب وجهه بغيمة رقيقة ونظر من خلف الحجاب إلى المدينة النائمة، رأى السيارة والرجلين في كومة المباني، وشاهد آلاف النيام يحلمون بالسعادة. سمعت المدينة أصوات مكابح السيارة مراراً، وانقلب النائمون من جانب إلى آخر، ثم عادوا إلى الاستغراق في أحلامهم، أما الحراس فقد قالوا لبعضهم بعضاً: -الأمن مستتب. -الهدوء سيطر على كل الشوارع والأزقة. -هلموا نجلس معاً، ونتناول بعض الشراب. عندئذ كانت الديكة تصيح في أقفاصها عند أطراف المدينة. 5-المرأة: ألقت أشعة عينيها فوق السيارة المسرعة، رنّت كلمات رجل السيارة في أذنيها كقرع آلاف الطبول، تشبثت أصابعها بعضلات يد رفيقها، دق قلبها دقاً عنيفاً، تعثر لسانها بألفاظ استنكار، خرجت الكلمات من بين شفتيها العنابيتين ضخمة متقطعة، اتجهت قدماها إلى الطرف الأقصى للرصيف، رنا البحر إليها من تحت الحاجز الإسمنتي، أحست بنظرات رطبة هادئة وادعة، فاستكان روعها قليلاً، التفتت إلى رجلها، انسكبت نظراتها لاهثة حارة في قلبه، سمعته يعقب على ما حدث بعبارات لم تفهمها، ازدادت التصاقاً به، همست تطالبه بالإسراع في العودة. 6-البدر: كشف البدر عن وجهه الأبيض، تقدم خطوة في دربه، رأى الرجل والمرأة يتهامسان، والسيارة تنتقل من طريق إلى طريق بين المباني، ترجع إلى الشارع الرئيسي، تسير متهادية بطيئة، تواكب من جديد سير الرفيقين، يمتد رأس رجل السيارة، يرمي الرجل كلاماً باتجاه الرصيف، يشير بيده، يتوقف السائران مذهولين مرتبكين، ثم ينطلقان بخطى أسرع، وتندفع السيارة مبتعدة شأنها في المرة الأولى. شاهد البدر شجيرات الشاطئ ترتجف أطرافها، ولاحظ قططاً وكلاباً تتوقف عن البحث عن أوعية القمامة لتلاحق العربة الأنيقة المسرعة بنظراتها، ورأى النائمين فوق أسرتهم ينقلبون من جانب إلى جانب ثم يعودون إلى جنات أحلامهم بينما السيارة تعيد فعلتها مثنى وثلاث. 7-الرجل: اخترقت نظراتها فؤاده، اختلط العالم في عينيه بألوان الحمرة والخضرة والزرقة والعتمة، حدقتاها المنسكبتان في عينيه أعادتاه طفلاً خائفاً، حمل فوق رأسه سجل إهانات ضخماً ليتها تعرف كم هو مقهور ومهان، لو تعلم أن الإهانة الأولى قد رضعها مع أول دفقة لبن من ثدي أمه، عندما ولدته، كانت عائدة من الحقل، فوق رأسها حمل من أغمار القمح، وقت الظهيرة، في الأول من تموز، فهل تستطيع حبيبته أن تتصور حر الظهيرة في مطلع تموز بالنسبة لامرأة توشك على وضع مولودها الأول؟ على رأسها ذلك الحمل تسير به من الحقل إلى البيدر؟ يظن أن مجرد إدراكها للموقف أمر محال فكيف بها لو أخبرها بأن أمه قد شعرت بآلام المخاض وهي في منتصف الطريق؟ لن تصدق هاتان العينان الجميلتان أن تلك المرأة الفلاحة قد أنزلت ما على رأسها بهدوء، وانزلقت في جوف خندق ترابي حفرته مياه أمطار الشتاء، وهناك ولدته بسرعة مع كومة من الآلام لا تطاق، فكانت الأم والقابلة والطبيب والمرضع والممرضة في آن واحد، يتخيل عيني حبيبته تختلجان استغراباً وشفقة، وربما تخضلان بقطرات من الدمع النقي الدافئ، غير أنه يشك في أن قلبها سيستوعب مدى شعوره بالإهانة. 8-همس الليل: توالت الإهانات من أمه وأبيه، من أهله وأبناء قريته ومجتمعه، في الطريق والحقل والمدرسة والعمل، فماذا يقول لك اليوم؟ ماذا تطلبين منه أن يفعل؟ نظراتك اللائمة تثقب سويداء فؤاده، لكن يداه ما اعتادتا أن ترتفعا لرد الإهانة، إنه مدمن على القبول والموافقة والطاعة والمسالمة، لا قدرة له على الشجار أو العراك، أمضى عمره محنيّ الرأس أمام العاصفة، اختبأ من المواجهة، تهرب من لقاء من أهانه، فارفعي هذه النار المنسكبة من حدقتيك الحوراوين في قلبه، سيري إلى جانبه محنية الرأس مثله، إن العراك والشجار لا يجديان، فلتقبلي بما هو كائن، هلمي، أسرعي وانسي هذا الموقف المحرج المؤسف. 9-دفاع مقدم منه إليها: عيناك مملكة لبست تاجها، تسنمت عرشها، ولا أستطيع أن أتخلى عن الأمن الذي توفرانه لي، لكن ماذا أفعل؟ إن يكن هذا الرجل قد أساء لك ولي، فقد سمعت إيذاء أشد من كلامه كل يوم، وطيلة حياتي، قال مالك الأرض مثل هذا الكلام لأمي الصبية، وعندما أخبرتها ذات ليلة بأنني سأحدث والدي بما أراه وأسمعه، زجرتني وقلبها يحترق: -لا يا ولدي، لا تفعل، أتريد أن تفقد أباك إلى الأبد؟ هذا الرجل أهانني وأهانك، امتدت عيناه الذئبيتان إلى قدس جمالك، ألقى لسانه القذر كلمات نابية في مسمعك ومسمعي، وها هو يصر على الاستمرار في الإهانة، يكاد يختطفك من بين يدي ويطير بك إلى مكان ناء، أتصوره يلتهمك لحماً وعظماً ودماً في مغارة ضائعة عند قمة جبل، أنا متأكد من مقدرتي على صرعه ورميه أرضاً والجلوس فوق صدره المنتفخة، وقد فعلتها ذات مرة عندما كنت صبياً، يوم تحداني ابن مالك الأرض، وكنا تربين نلعب معاً، ركبت رأسي، أردت أن أكون إنساناً مثله، ولما أصبحت ركبتاي الصغيرتان فوق بطنه، ويداي تأخذان بخناقه وتشلان حركته، وجسمي النحيل الرقيق يجثم فوقه، قال لي: يا بن المرابعين، سأهجّرك من هذه القرية، سأطردك من المنطقة بأسرها. وفي اليوم نفسه وضع والدي أسماله وأسمال أسرته وحشايا من قش فوق ظهر حمارة جرباء، واتجه غرباً صوب البحر، ثم شمالاً وجنوباً. بتنا ليلتين في العراء، حتى التقطنا مالك جديد، فأسكننا زاوية من زريبة أبقار. 10-حدث بعد منتصف الليل: توقفت سيارة حديثة أنيقة بجانب الرصيف المستلقي على شاطئ البحر، هدأت حركتها، انطفأت أنوارها، انفتح بابها، نزل منها رجل، سار فوق الرصيف متمهلاً، يداه في جيبي بنطاله، عيناه تلاحقان حركات وسكنات الرجل والمرأة المتشابكي الذراعين، تقدم منهما، توقف قليلاً، تابع سيره، تجاوزهما، سبقهما مسافة، استدار، واجههما، ابتسم لهما، حياهما برقة بالغة، مد يده يريد مصافحة المرأة ويقول: لنكن أصدقاء... و... و... مادت الأرض من تحت قدمي رفيق المرأة، اختلط في ذهنه الماضي والحاضر والمستقبل، استوى في ناظريه الليل والنهار أحس بكومة الإهانات التي عانى منها أو سمع بها تندلق دفعة واحدة فوق رأسه، رأى أمامه أمه وأباه، مالك الأرض، ابن المالك، وامتلأ الرصيف بوجوه كل من عرفهم خلال عمره. ما يزال الرجل يمدّ كفه مصافحاً، ارتفعت يد رفيق المرأة نحو غريمه، توترت عضلات اليد، ظلت مرفوعة في خط مستقيم، الأصابع مشدودة، انطلقت الأصابع من الكف، رصاصات مشتعلة، انغرزت في الوجه المبتسم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |