سميتك زهرة السوسن - بديعة أمين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سميتك زهرة السوسن*

سأحطم هذا الشريط لو ماتت صغيرتي.. لكن لا.. لا يمكن أن تموت فما انقضى على مجيئها لدنيانا غير سنوات أربع ويوم وبعض يوم وذوب شموع عيدها ما يزال هناك على المائدة وانسابت من عينيها دموع حارة فيما كانت فيروز تغني حكاية شادي.‏

***‏

-من هو شادي يا ماما؟‏

-شادي ولد صغير كان يلعب مع صديقته في الوادي.‏

-أنا أحب شادي.. وأنت ماما.. تحبينه؟‏

-أجل أنا أحبه أيضاً.‏

-أريد أن ألعب مع شادي.‏

-تلعبين مع شادي.‏

-أجل ماما..‏

-حسن.. سنذهب إلى حديقة المساء فإن كان هناك العبي معه.‏

***‏

وبمرح تقفز الصغيرة كحمل وديع في حديقة المساء.. تركض هنا وهناك وفي ظنها أن كل طفل من أطفال الحديقة كان شادي.. تضحك.. تكركر.. تتردد أصداء ضحكتها في الجو كرنين أجراس أعياد الميلاد.. خداها متوردان كزهرتي قرنفل.. كانت تفيض حيوية ومرحاً.. فما الذي أصابها الآن..‏

وينبعث من سرير الطفلة أنين موجع.. تطلعت الأم في وجه الصغيرة وراحت تحدث نفسها بصمت.. لا يمكن أن تموت.. لقد أحببتها كما لم أحب أحداً مثل هذا الحب من قبل.‏

جاءت إلى الدنيا رقيقة رقة فراشة أو زهرة سوسن.‏

أنا وشادي غنينا سوا‏

لعبنا على الثلج ركبنا في الهواء‏

لكن صغيرتي لم تكبر بعد لتلعب على الثلج وتركب الهوا.‏

أنين خافت كأنه أغنية حزينة ينساب من صدر الطفلة.‏

وتنتفض الأم مذعورة.. قلبها يزداد خفقاناً، عضلات وجهها تتقلص.. لا.. لا يمكن أن تموت.. إنها جزء مني أنا.. إنني أنا سأموت أيضاً لو ماتت هي.. تذكرت كلمات الطبيب الذي عادها نهار ذلك اليوم.. "لو مرت هذه الليلة بسلام فإنها قد تعيش.. ليكن الله في عونها".‏

أغمضت الأم عينيها فيما راحت الدموع تنهمر انهمار المطر.. وكنصل سيف ومض في ذاكرتها ما قالته لها العرافة منذ سنوات طويلة قبل أن تولد في أحشائها نطفة صغيرة.‏

قالت العرافة:‏

-"طائر أسود هو ما أرى.. أنت تبحثين عن شيء ما يزال في عالم الغيب.. ستنالينه.. ستنالينه بإذن الله.. كنز ثمين هو.. لكن لا قسمة لك فيه.. سيضيع منك ويجلب لك أحزاناً فوق أحزان.. وآهات بعد آهات..".‏

لكن أنا كنت آنذاك أبحث عن أغنية شادي.. أنا أتذكر ذلك جيداً.. لقد أحببت كثيراً تلك الأغنية. وبكيت أيضاً.. بكيت من أجل شادي.. وإذن.. فقد سددت قائمة الأحزان والآهات.‏

وهذه الأغنية لا يمكن أن تكون منبعاً للأحزان.. إنما هي تذكير بما يجب أن لا ننسى. ما أكذب العرافين.. كذب المنجمون حتى وإن صدقوا. وفيما بين صحو ونعاس انتابها للحظة مرت بذهنها خاطرة سهت عنها.. أيمكن أن تكون صغيرتي هي الكنز الثمين؟‏

وانتفضت كمن أصابته لسعة أفعى.. لا.. لا.. إنها كاذبة تلك العرافة.. ليست نبوءة العرافة.. بل هو الدواء.. فقط لو أنني عثرت على دوائها.. لبرئت طفلتي من الآلام والعذاب..‏

يا إلهي.. من أين آتي بالدواء من أين؟! وأجهشت ببكاء مر وهي تحدث نفسها.. إن صغيرتي لن تضيع مني.. فالله هو الذي منحها لي.. ستكبر.. ستلعب على الثلج وتركب دولاب الهواء.. ستعيش.. لا بد أن تعيش.. هي أيضاً تحب هذه الأغنية لأنها تحب شادي.. وتحب الاستماع إليها دوماً. قد تخفف الألم عنها الآن.. يا رب. ارفق بي وبها.. أنت رحيم بعبادك.. وهي واحدة من عبادك.. وندت عن الصغيرة آهة مشحونة بالألم.. تلمست خد الطفلة بيد مرتجفة.. عادت بها الذاكرة إلى الوراء..‏

عشرة أعوام وأنا أطرق أبواب عيادات الأطباء الاختصاصيين باباً باباً. طفت كل البلدان.. قرعت أبواب العرافين والسحرة والعطارين دعوت الله في صلاتي ألف مرة أن يمن عليَّ بطفل جميل.. طفل واحد فقط إن عز من الأطفال المزيد.. طفل واحد فقط صبياً كان أم صبية لا فرق في ذلك..‏

حتى جاءت بنيتي.. سميتها "زهرة السوسن". أبعد كل هذا الانتظار والسفر والترحال وأنا أذوب وأحيا بين يأس وأمل..‏

أبعد أربعة أعوام ويوم وبعض يوم يمكن أن ترحل عني إلى الأبد؟ لا.. لا أصدق. أرجوك يا صغيرتي لا تموتي.. وغرقت في نوبة بكاء فاجع.. شيء في أعماقها كان ينكسر.. يتمزق.. ينز ألماً..‏

***‏

-ماما.. احكي لي عن شادي.. من هو شادي؟‏

-شادي كان طفلاً جميلاً مثلك.. كان يلعب مع صديقته على الثلج.‏

-أنا أريد أن ألعب على الثلج.‏

-ستلعبين يا حبيبتي حينما تكبرين.‏

-مع شادي؟‏

-لا. سنلعب أنا وأنت.‏

-ماذا فعل شادي؟‏

في‏

يوم من الأيام ولعت الدني في بساتين التفاح والبرتقال والزيتون.. شادي لم يكن يعرف ما الذي كان يجري..‏

وصار القتال يقرب عالتلال‏

رأى ألسنة اللهب المتراقصة وألوانها الوهاجة‏

شادي ركض يتفرج‏

خفت وصرت أنده له‏

وينك رايح يا شادي‏

أنده له ما يسمعني‏

ويبعد ويبعد في الوادي‏

***‏

-أنا لا أذهب إلى النيران.. لا.. لن أذهب يا ماما.‏

***‏

أجل.. صغيرتي قالت لي: وعدتني أنها لن تذهب إلى النيران.. فهل أخلفت وعدها لي؟ لا.. النيران هي التي جاءت إليها.. الحمى كانت تنهش أعماقها.. رعشة خفيفة هزت جسد الطفلة.. زهرتا خديها الورديتان انطفأتا.. صفرة مخضرة تزرع الهلع في القلب زحفت على وجهها الصغير.. يداها الصغيرتان كأنهما فاكهة من الجنة ترقدان مستسلمين على جنبيها.. قدماها الصغيرتان علاهما الذبول. قال الطبيب:‏

"فعلنا كل ما نستطيع من أجلها وبقي الأمر بيد الله-صلي من أجلها-ولكن لا بد من هذا الدواء.. ابعثي في طلبه حتى لو كان ذلك من وراء الحدود" يا رب.. من أين لي بهذا الدواء.‏

يا رب.. ليس لي إلا رحمتك. دع الليلة تمر بسلام.. واشفها مما هي به من ألم..‏

راحت الأم الملتاعة تتأمل وجه الصغيرة بقلب واجف.. عينيها الذابلتين.. شفتيها اللتين شققتهما الحمى.. يا رب.. ارحمها.. إنها بعد صغيرة على العذاب..‏

غفت الطفلة.. نامت بهدوء.. لعل الله قد استجاب لدعائي وصلواتي.‏

لكن رعشة هزت جسد الطفلة.. فتحت عينيها. عيناها النرجسيتان ما أحلاهما.. لونهما بلون شمس المغيب..‏

طافت الصغيرة بعينيها في وجه أمها كمن يتوسل بمن يستطيع أن يخفف عنه الوجع.. أمسكت الأم بيد ابنتها.. كانت باردة كالثلج..‏

عشرين مرة اجا وراح الثلج‏

أنا صرت أكبر‏

وشادي بعده صغير‏

عم يلعب عالثلج.. عالثلج..‏

أغمضت "زهرة السوسن" عينيها..‏

ومن يومتها ما عدت شفته‏

ضاع شادي..‏

ومضت الليلة كآلاف آلاف الليالي قبلها.. لكن الصغيرة لم تفتح عينيها مرة أخرى..‏

* نشرت في مجلة ألف باء العدد 1523 بتاريخ 3 كانون أول ديسمبر) 1997.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244