سميتك زهرة السوسن - بديعة أمين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

هي والقطط*

كترنيمة مطر صباح ربيعي، إحساس غريب ينثال في أعماقها حين تتجه إلى حديقة بيتها لتتفقد أزهار الرازقي* والجربرا.. كان ينتابها شيء يشوبه غموض لم تكن تستطيع أن تحدد ما هو.. كل ما كانت تشعر به إحساس بالمتعة.. براحة نفسية.. بصفاء داخلي ينسيها للحظات كل هموم الدنيا.. كانت بالطبع تعرف السر وراء ذلك الإحساس.. إنها زهور الرازقي برائحتها الزكية والجربرا بألوانها البهية. وكانت تدرك أيضاً أنه ليس الجمال وحده ولا الرائحة العطرية وحدها منبع ذلك الإحساس العجيب.. وإنما أيضاً لأن زهورها كانت تمنحها شعوراً بأمان لا حدود له لأنها ببساطة، على غير ما هي حال البشر، كائنات جميلة وغير مؤذية أيضاً.‏

في ذلك الصباح وكما تفعل كل يوم، خرجت إلى الحديقة.. اجتذبتها زهرات الجربرا من بعيد غير أنه بدا لها أن ثمة شيئاً غير اعتيادي..‏

حثت الخطى باتجاه حوض الجربرا لترى ما الذي كان هناك.. اقتربت.. ويا بؤس ما رأت.. كانت سيقان الزهور قد تكسرت والتوت أعناقها.. أما الزهور نفسها فقد رقدت على الأرض وقد أصابها الذبول.. انفرطت وريقات تيجان بعضها وعلا ما تبقى منها كتل صغيرة من نثار طيني..‏

وقفت تتطلع بذهول حتى تذكرت زهور الرازقي وقد غزا قلبها إحساس مبهم بالخوف خشية أن تكون تلك الزهور قد أصابها ما أصاب الجربرا.. وضعت يدها على قلبها وهي تتجه نحو حوض زهور الرازقي.. من بعيد كان كل شيء يبدو على ما يرام.. حمدت الله..‏

ولكن ما إن اقتربت حتى رأت النبتات الجديدة التي لم يمض على نقلها إلى أرض الحديقة غير أسبوعين وقد تكسر البعض منها واضطجع على الأرض، فيما اقتلع بعضها الآخر.‏

أما النباتات القديمة فقد بدت وكأن يداً قطفت كل أزهارها ودعتها تتساقط هنا وهناك..‏

يا للهول.. ماذا حدث؟ من فعل هذا؟ هل وقع زلزال دون علمي ليفعل هذه الفعلة الوحشية بأزهاري؟‏

إنها تحب أزهارها كما لو كانت أبناء لها... بل وأبناء مدللين.. تراقبها كل يوم.. تسقيها.. ترعاها بالأسمدة والهرمونات المغذية.. تقتلع ما يزاحمها من أدغال وحشائش ضارة.. تخاف عليها من حر الصيف وبرد الشتاء.. وإن هبت عاصفة لا يهدأ لها بال حتى يعود الهدوء فتسرع إلى أزهارها لتطمئن عليها.. تغسلها بمرشة المياه لتزيل عنها ما جرفته العاصفة معها من غبار.. وها هي الآن تقف أمام هذا الخراب!‏

راحت تفكر وتحرك النباتات المضطجعة على الأرض بعصا اعتادت أن تستعين بها حين تخرج إلى الحديقة.‏

ترى.. من فعل هذا.. أنا لا أطفال لي يمكن أن يقترفوا مثل هذه الفعلة الحمقاء.. فالله لم يمن عليَّ بمن يعينني على الحياة ومتاعبها إذا ما وصل بي العمر مرحلة الشيخوخة.‏

وإذ كانت تتأمل بحزن ما حلَّ بزهورها لمحت بين الأغصان قطتين صغيرتين سوداوين تلاعبان بعضهما البعض برشاقة.. تتقافزان.. تموءان تختبئان عن بعضهما.. ثم تندفع إحداهما نحو الأخرى.. تتضاربان بالأيدي.. تتراجعان..تنبطحان أرضاً لتنقلبا على ظهريهما وأطرافهما تتأرجح في الهواء... تتدحرجان على الأرض.. تتمرغان ثم تنقلبان من جديد..‏

ترقدان بسكون للحظات وذيلاهما يتأرجحان في الهواء.. ثم تهب كلتاهما فجأة وفي وقت واحد كأنهما تعملان طبقاً لجهاز توقيت إلكتروني لتتشابكا بالأيدي فتصرع إحداهما الأخرى.. عندها تعض المنتصرة منهما تلك المنبطحة أرضاً ويعلو في الجو صراخ كالعويل.. فتنط المنتصرة مشفقة..‏

تقفان على أرجلهما الخلفية وتهزان وسطيهما كراقصتين شرقيتين محترفتين لتتشابكا بالأيدي من جديد.. وفيما تلاعب أحدهما الأخرى. كان مزيد من الأغصان الطرية يتكسر ويضطجع على الأرض...‏

إذن.. هاتان القطتان هما اللتان فعلتا هذه الفعلة!‏

وقفت السيدة فاغرة الفم وهي تتفرج على ما تفعله القطتان الصغيرتان باستغراب جعل عينيها تنفتحان على وسعهما.. لكنها سرعان ما عادت وتذكرت زهور الرازقي والجربرا المضطجعة على الأرض.. اتجهت والغضب يفور في صدرها نحو القطتين السوداوين لتبعدهما عن الزهور.. وقبل أن تقترب منهما توقفت القطتان عن اللعب.. تقوس ظهراهما واحدودبا.. انتصب ذيلاهما وكأنهما ساريتا مركب شراعي.. انتفش شعرهما.. اتسعت حدقات عيونهما الخضر.. وللحظة راحتا تحملقان بالسيدة بتحدٍ وجل وكأنهما تقفان أمام كلب..‏

ثم ما لبثتا أن فرتا هاربين عبر بوابة الحديقة.. وقفت تفكر.. ما العمل؟ كيف أنقذ زهور حديقتي من بطش هاتين القطتين الدخيلتين؟ إن هاتين اللعينتين لن تكفا على ما يبدو عن إلحاق الضرر بأجمل ما في دنياي.. لا بد من التخلص منهما.. ولكن كيف سأفعل ذلك؟ راحت تحك جبينها بسبابتها وهي تتطلع إلى الزهور..‏

إنني لا أستطيع الإمساك بهما بالتأكيد.. فهما سريعتا الحركة وأنا بطيئتها.. لو كنت شابة ربما كان بمقدوري أن ألحق بهما.. أن أطاردهما.. وأتخلص منهما.. ولكن ما عساي أن أفعل الآن.. هل أضع لهما سماً في طعام أقدمه لهما؟ لا.. لا.. هذا شيء لا قدرة لي عليه.. إنه عملية قتل إجرامية لا يحتملها قلبي الضعيف.. إن الله هو الذي خلقهما ومنحهما حق الحياة!‏

وهو الذي يميتهما.. فكيف لي أن أحكم عليهما بالإعدام وأنفذ هذا الحكم؟ هل أضربهما بعصاي؟ كيف أستطيع الوصول إليهما.. هذا ضرب من المستحيل...‏

جلست تفكر مبتئسة وهي تنتقل بعينيها من زهور الروز إلى الزينة إلى الكاردينيا فالياسمين ثم الجهنمية وغيرها مما تحفل به حديقتها من أشجار ونباتات ومتسلقات. وإذ كانت تتأمل الطبيعة من حولها خطرت ببالها فكرة جديدة..‏

سأجلب كلباً.. حقاً أنا لا أحب الكلاب بل لا أطيقها أبداً..‏

ولكن من أجل الرازقي وزهور الجربرا.. ومن أجل حديقتي ربما سأحتمل مجيء كلب ليوم أو يومين.. ربما..‏

وساحت بعيداً في أفكارها..‏

سأستعير كلب جارتي.. إنه كلب صغير على أية حال.. وهو جميل أيضاً.. ربما سأحتمله.. ربما..‏

وغرقت بعيداً في أعماق الزمن الذي مضى لتغيب كلياً عن زماننا.. إذ تلوح في البعد صورة شجية غير أن معالمها ما تزال حية في الذاكرة..‏

صبية صغيرة.. ضفيرة شعر كستنائي تنتهي بشريط أحمر تنسدل على ظهر الصبية.. حقيبة مدرسية.. كلب مبقع كريه الوجه.. صرخة رعب مدوية يمتزج بها عواء مبحوح يرتج له جسد الصغيرة.. أنياب تطبق على الظفيرة الكستنائية عند الشريط الأحمر.. تشدها.. تسحبها إلى الوراء.. الحقيبة تسقط.. كتب مبعثرة.. أقلام ملونة متناثرة.. ويعلو في الجو صراخ ورعب وزمجرة..‏

وقع أقدام تهرول.. عصي تلوح في الهواء.. تعلو وتهبط.. عواء جريح.. وكلب مبقع يعدو بعيداً فيما تسقط الصبية أرضاً وقد غابت عن الوجود لتفيق بعد ذلك وهي ترتجف رعباً في أحضان أبيها..‏

لا.. لا.. لن أجلب كلباً..‏

في الأيام اللاحقة كانت السيدة كعادتها تخرج إلى الحديقة لتسقيها وترعاها.. وفي كل صباح كانت القطتان هناك تمرحان في زاوية من الحديقة.. تقفزان تنطان في الهواء.. تحطان على الأرض لتتخذا وضع استعداد للهجوم..‏

تتصايحان وكأنهما تطلقان صيحة الحرب ثم تلتحمان ببعضهما وقد وقفتا على أرجلهما الخلفية كأنهما ملاكمان محترفان.. تشتبكان في عراك لطيف.. تكشران عن أسنانهما اللؤلؤية.. تصفع إحداهما الأخرى برقة.. تهزان مؤخريتهما متحفزتين لتندفعا في الجو كطلقتين ناريتين ثم تشنان هجوماً جديداً إحداهما ضد الأخرى، وكأنهما تؤديان رقصة حرب طقوسية حتى إذا هدهما التعب جلستا إلى جانب بعضهما طلباً للراحة أو لأخذ حمام ما بعد اللعب إذ تقوم إحداهما بلعق رأس الأخرى أو ظهرها وهكذا..‏

في البدء كانت السيدة تطردهما بعصاها.. لكنها أحياناً كانت تنشغل عنهما بأعمال الحديقة.. وفي أوقات وبعد أن تنتهي من ذلك تجلس وتراقب المشهد ربما بدافع الفضول أو لتدرس سلوكهما لعلها تجد فيه ما يهيئ لها فرصة للانقضاض على القطتين كي تتخلص منهما. غير أن تلك الجلسات تحولت بمرور الأيام إلى جلسات يومية روتينية إذ كانت تجد شيئاً من المتعة بعد أن أخذت تكتشف رويداً رويداً، ما في حركات القطتين من رشاقة وجمال يستحوذان عليها كلياً حتى إنها كثيراً ما صارت تندمج معهما في اللعب فتراها تجفل حيناً أو ترتد إلى الوراء حيناً أخر.. تبتسم.. ترفع حاجبيها دهشة ويعلو وجهها ما يفضح إحساساً برضا عميق ويشع من عينيها بريق يوحي بالغبطة فتنسى نفسها أحياناً لتشجع هذه القطة أو تلك -حتى إنها مرة انتبهت إلى نفسها وهي متلبسة بالتصفيق.. نهضت من مقعدها.. استدارت واتجهت نحو البيت وهي تعاتب نفسها على سلوكها الصبياني ذاك وقد استولى عليها شعور بالذنب لأنها خانت زهور الرازقي والجربرا ولم تأخذ بثأرها.. فقطعت على نفسها عهداً أنها لن تذهب، بعد ذلك اليوم، إلى ملعب القطتين اللتين كانتا هما نفساهما قد تالفتا مع السيدة فكانتا تقتربان منها أحياناً.. تموءان متوسلتين وهما تحومان حول قدميها.. بل حتى إنه خيل للسيدة في لحظة من اللحظات أن القطتين تبتسمان لها وان واحدة منهما كانت تغمز لها بإحدى عينيها.‏

استطاعت السيدة الصمود بعض الوقت فكانت تكتفي بالعناية بحديقتها وتعود مسرعة إلى البيت إلا أنها لم تستطع أن تبعد عن ذهنها فكرة أن القطتين الصغيرتين قد ملأتا، بلعبهما وحركاتهما الرشيقة فراغاً كانت تحسه في أعماقها، حتى جاء صباح انهارت فيه مقاومتها إذ وجدت نفسها تتجه نحو تلك الزاوية مدفوعة بشوق غريب لرؤية القطتين.‏

غير أن ثمة مفاجأة كانت في انتظارها.. إذ أن القطتين لم تكونا.. هناك.‏

-ترى.. أين.. هما.. لعلهما ذهبتا إلى حديقة بيت آخر.. حسناً.. حسناً.. هذا أفضل.. فغياب القطتين سينقذ أزهاري من خراب أكيد..‏

حاولت أن تنسى القطتين موهمة نفسها أن هذا هو ما كانت تريده بالضبط.‏

-إذن.. فلنحمد الله ونشكره.. لأنه أبعدهما عن حديقتي دون أن أقترف عملاً منكراً ضد هاتين المخلوقتين..‏

لكن وهمها ذاك لم يطل به الزمان.. فكثيراً ما كانت تكتشف، وعلى غفلة منها، أن أفكارها كانت تسوح في ملعب القطتين.. تتخيل حركاتهما، قفزاتهما.. تحفزهما واشتباكهما مع بعضهما وقوفاً على أرجلهما الخلفية.. إلا أنها تعود فتتذكر ما حل بزهورها فتكف عن التفكير برقصة القطتين.. وتحمد الله لأنهما ذهبتا إلى حيث لا تعلم.‏

في يوم لاحق قصدت زاوية في الحديقة اعتادت أن تضع فيها معدات الزرع.. كانت تريد مقص الزرع كي تشذب بعض النباتات. وإذ اقتربت من تلك الزاوية لمحت فيها ما يشبه كرة قطيفية سوداء لماعة.. تساءلت من أين جاءت هذه الكرة الجميلة- لكنها سرعان ما انتبهت أن الكرة القطيفية السوداء كانت تتنفس.. تنبض.. تعلو.. وتهبط في إيقاع منتظم.. وللتو، أدركت أن تلك الكرة لم تكن غير القطتين السوداوين الصغيرتين.. كانتا نائمتين وقد التفت إحداهما على الأخرى لتشكلا ذلك الشيء الذي يشبه الكرة..‏

حنان غامر ملأ صدرها تجاه القطتين.. مدت يدها لتلتقط المقص إلا أنها توقفت قبل أن تصل إليه خشية أن توقظ القطتين من نومهما.. وقفت تتأملهما لحظات وابتسامة شفيفة تومض على شفتيها.. استدارت بهدوء كلي وعادت إلى البيت وإحساس بارتياح غريب يملأ قلبها..‏

* نشرت هذه القصة في مجلة ألف باء، بغداد، العدد 1537، 11 آذار مارس) 1998.‏

* أزهار الرازقي: الفل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244