سميتك زهرة السوسن - بديعة أمين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مشروع قراءة*

في مكتبنا تحدث أشياء كثيرة لكن شيئاً واحداً لا يحدث على طريقة غودو الذي يأتي ولا يأتي أبداً. وكما ينشدُّ جمهور المتفرجين ساعتين أو أكثر قليلاً أو أقل قليلاً إلى مسرح لا شيء بالتحديد يحدث عليه.. كذلك نستمر نحن في مكتبنا ساعات طويلة ولا شيء يحدث على وجه التحديد. وإن حاولت تخطي قانون مكتبنا، فإنك تسير خطوة إلى أمام وتعود خطوتين إلى الوراء.‏

مرة أعددت برنامج قراءة مكثفاً كنت أتلهف لتنفيذه بعد أن أفرغ من مهمة كنت كلفت بها استفدت من وقتي بضعة أسابيع. كبداية كان أمامي بضعة خيارات: بيكيت وغودو الذي يعد بالمجيء ولا يأتي أبداً.. كافكا ومستعمرة عقابه بكل ما فيها من رعب وأهوال.. والعزيز موسى كريدي ونهايات صيفه، وأندريه مالرو ووضعه البشري الذي استقر عليه رأيي أخيراً. وحين حل اليوم المنتظر، لم أنس، وأنا أغادر البيت صباحاً، أن أدس في حقيبتي "الوضع البشري".‏

كنت وأنا في طريقي إلى المكتب أحس بلسعات ريح كانونية تغرز نبالها الثلجية في وجهي دون رحمة. وحين فتحت باب المكتب هاجمتني غيمة كثيفة من دخان مزرق استطالت بفعل انفتاح الباب لتنطلق إلى الخارج. وبشكل لا إرادي جفلت مبتعدة قليلاً إلى الوراء أمام تلك الهجمة الدخانية. لم أكن خائفة بالطبع. فالدخان ليس بالشيء المخيف لكن المفاجأة تجعل المرء يتصرف على نحو غير متوقع. ومن خلال الدخان استطعت أن أرى زميلين لي يجلسان بتماسك عجيب وسط الكتل الدخانية المتدافعة. كانا في الواقع يبدوان كشبحين ينفثان من جمرتين حمراوين صغيرتين مستقرتين على مسافة 3 أو 4 سم من وجه كل منهما خيوطاً من الدخان متساوقة تتلوى في رقصة أفعوانية مبتعدة عنهما بخفة لتندمج من ثم في الغيمة الكبيرة المعلقة في جو المكتب الصغير.‏

حاولت عبثاً، بعد أن أغلقت الباب وحييت، البحث عن سنتمتر واحد من الهواء لأستنشقه. ويرغم صعوبة عملية الشهيق والزفير في ذلك الجو الملبد بالدخان، قررت أن أشرع بتنفيذ برنامجي. فتحت الصفحة الأولى من "الوضع البشري" وكانت هي نفسها الصفحة التاسعة: "هل يجب على تشن أن يرفع كُلَّة السرير، أم أن يطعن من خلالها؟ كان القلق يعصر أحشاءه" ولم أكد أصل نهاية الصفحة، حتى اكتشفت أن الذي كل يشغل ذهني، لم يكن تشن ومشكلته وإنما كيف يمكن استنشاق هواء نقي لتنقية الدورة الدموية). كان ذلك شيئاً يعود للمدرسة الابتدائية. عجيب أن أتذكر الآن الدرس الأول الذي تلقيته في الصحة العامة. وأكثر عجباً أن أتذكر، وسط تلك الغيمة الدخانية وبعد كل تلك السنين الطويلة، الملامح الصارمة لمعلمة الصحة العامة. كانت تصر دوماً على أن نطالع في الهواء الطلق حتى في فصل الشتاء. وبرغم الغلاف الدخاني السميك الذي كان يلفني حد الاختناق، وجدتني أحاول الهرب إليه تخلصاً من الملامح الصارمة لمعلمة الصحة العامة، ورحت أعيد قراءة ما كنت قرأت: "هل يجب على تشن أن يرفع كُلَّة السرير.." حتى إذا بلغت نهاية الصفحة الأولى من جديد انطلقت عبر الدخان دعوة من أحد الزميلين:‏

-ألا تشربان شيئاً.. شاي.. قهوة..‏

ومع القهوة قلبت الصفحة الأولى لأتابع نشاطات تشن الثورية "كانت أهداب "تشن" ترف..." وانفتح باب المكتب برفق. وفي الفضاء تدحرجت كتلة دخانية هائلة مندفعة بعنف نحو الخارج فيما تسللت عبر فتحة الباب نسمة نقية: أجل يا صغار.. يجب أن نستنشق كثيراً من الهواء النقي) أجل سأنفذ تعليمات معلمة الصحة.. سأستنشق كثيراً من الهواء النقي المتسلل عبر فتحة الباب.. أم هل ينبغي أن أستعير كُلَّة تشن لأحتمي بها من الدخان؟ وسرعان ما انغلق الباب وسط ضجة ترحيبية هائلة بالقادمين الجدد.. أعقبها نقاش عن الشعر والشعراء لم يكن يبدو أن له نهاية أو حتى بداية. ودعت الثائر تشن تحت صدى مطارق متصاعدة راحت تدق في رأسي بعنف.‏

حاولت عبثاً، وسط ضجيج الشعر والشعراء أن أختلس وحدتي لأعود إلى تشن. غير أن صوتاً يبدو أنه صوت قاص يعلن بحماس يستقطب كل الأذان أن الشعر سيصبح نادياً مغلقاً لفئة من مثقفي المستقبل. وآنذاك سيكون الحساب عسيراً.. أما الآن فإن شعراءنا محظوظون..)‏

كنت أتمنى في سري لو كنت أنا أيضاً محظوظة مثل شعراء بلادي. تمنيت أن يتعبوا من النقاش لأعود لتشن ولبرنامجي.. غير أن أمنياتي كانت بعيدة بُعد شنغهاي التي كان "تشن" يصنع فيها ثورة. وينفتح الباب المسحور من جديد.. كتلة جديدة من دخان أصفر مزرق تنطلق عبر الباب-وتنسل بوجل نسمة باردة.. أستنشق بعمق وبسعادة أسطورية.. ومع سعادتي الأسطورية اكتشف أنني كنت ما أزال أراقب أهداب "تشن" التي كانت ترف على السطر الأول من الصفحة العاشرة، فيما كان الغثيان يغمره وسط دخان غرفتنا. وتخترق الدخان وجوه جديدة وشاي.. وقهوة.. وشعر معطر بالنيكوتين يتسلل عبر القصبات الهوائية فيما كان القلق يعصر أحشاء معلمة الصحة العامة.. ودون تصميم سابق، أسمع نفسي وأنا أقول: "أظن أنني سأصحو في يوم من الأيام لأجد نفسي وقد أصبحت شاعرة.. وتلك ستكون نكتة حقيقية". يضحك الجميع.. أضحك أنا.. ويضحك "تشن" ساخراً من برنامجي الذي خططت له بعناية فائقة. ونعود إلى الشعر.. اشترك في حديث لا أدرك معناه تماماً.. لأنني لا أريد أن أسمع تأنيب معلمة الصحة العامة.. ولأنني كنت أريد الهرب من "تشن" الذي كان يصنع ثورة في شنغهاي.. فيما كنا نحن نتيه بين جزر الأدب ومد الدخان.‏

كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد الظهر.. تملكتني رغبة ملحة في العودة إلى "الوضع البشري".. "ارتعش تشن كأن حشرة مرت على جلده. لا؛ لا هذا دم ذراعه يجري قطرة قطرة، وإحساسه المستمر بمثل دوران البحر" دوران البحر!) أضحك بصمت.. البحر.. أيدور البحر.. كيف يدور البحر؟ باتجاه عقرب الساعة أم عكسه؟ لا. البحر لا يدور.. أي شيء يدور.. رأس تشن يدور.. مفرغات الهواء تدور.. المروحة الكهربائية تدور.. دواليب الهواء تدور.. ساحبات الدخان تدور.. أي شيء آخر يدور؟ رأسي أنا يدور.. يدور مثل دوران رأس تشن. انظر إلى ذراعي.. لا دم يجري عليها بل خدر يزحف تحت الجلد.. رأسي يدور.. صدري يضيق.. الغرفة تصبح أصغر.. وجوه تدور.. سمراء شاحبة تحمل في أفواهها شرراً أحمر ينفث دخاناً يتلوى.. عيناي تحترقان.. ليس "تشن" وحده قادراً على القتل.. الدخان الأسود أيضاً قادر على القتل.. صداع رهيب يطبق بكماشتيه على صدغيَّ.. ولكن أين وصلت مع "تشن"؟ الصفحة العاشرة؟ العشرين؟ التسعين؟ لا بل الأولى "هل يجب على تشن..." تشن.. تشن.. شنغهاي.. شاش.. شرر.. شعر.. شعر.. معطر بالنيكوتين.. جدران تقترب.. تقترب أكثر.. بحر يدور.. رأسي يدور.. صدري يضيق.. انتفض: "لا.. لا أستطيع أن أقرأ.."‏

"غداً" أقول لنفسي: "سأبدأ من جديد برنامجي الذي خططت له بعناية.. ولكن: ما الذي كنت أقرأ؟ في انتظار غودو؟ مستعمرة العقاب؟ نهايات صيف؟ لا.. لا.. لم يكن بيكيت.. لم يكن كافكا.. ولا العزيز الراحل موسى كريدي.. كان "الوضع البشري".‏

* نشرت هذه القصة في مجلة الأفلام/ بغداد/ العدد الثاني- نيسان/ أيار-1998.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244