سميتك زهرة السوسن - بديعة أمين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نداء (1) )

ماكان ليخطئ النداء... إنه واثق كان هناك صوت ينادي.. يعلو.. يستعرض يستطيل... يخفت ثم يتلاشى بعد أن يتكسر في ثنايا الوادي فيما يتردد صداه في المدى البعيد.. طاف ببصره في كل منحى وثنية تقع في دائرة النظر،.. لم يكن ثمة شيء غير بريق يتوهج بخضرة العشب الذي يرقد بأمان في حضن الوادي.. ضيق مابين أجفانه فيما راحت خيوط الرؤية تمتد غير منظورة.. تستكشف مواقع العتمة في ظلال الأشجار.. لكن أحداً لم يكن ليُرى من بعيد أو قريب حين تناهى في الوادي صدى الصوت من جديد.. ظلل عينيه براحة يده وراح يبحث من جديد عن مصدر الصدى الضائع.. انتباه يأس كلي.. انحنى نحو فرسه المتوثبة حين خانته عيناه.. مسد رقبتها الصلبة برقة.. همس بأذنها .. سعدة .. أتسمعين شيئاً..‏

اختلجت أذنا سعدة فيما سرت في جسدها رعشة خفيفة. ومضات من نور آت من نجيمات على بعد آلاف السنين الضوئية راحت تتوهج ثم تنطفئ لتتوهج من جديد وتخبو على شعرها الأشهب مع التماعات شمس الغروب..‏

كانت سعدة رفيقة جولاتة وروحاتة وغدواته.. إنه لا يتذكر إن كان قد خرج مرة... دون أن تشق له الطريق مذ كان فتى يافعاً.. حتى باتت تحس بكل هواجسه فتسير حيثما يريد من دون توجيه.. وحين تردد الصدى من جديد عاد يسألها:‏

ـ سعدة ألا تسمعين..‏

كانت أذنا سعدة منتصبتين تحاولان التقاط النداء بعناد... ـ يامحسن الفياض.. الفيا... يا... يا... ياض...‏

تماوجت الأصداء مع التواءات تلال خضبتها شمس تشرينية راحلة... شدمحسن الفياض لجام فرسه. واندفع باحثاً.. لم يحدث له أن خيب أملاً ينطلق من مهاوي اليأس.. فهل يستطيع أن يفعل ذلك الآن؟ أيناديه مناد فلا يلبي النداء؟لا.. لا.. ليست هذه من خصاله.. وهو لو فعل ذلك ماذا تقول القرية عنه؟ من الأفضل له أن يموت قبل أن يسمع نداء لا يستجيب له.. إن القرية كلها ما تزال تروي في ليالي الصيف والشتاء حكاياته مع الأشرار واللصوص الذين يريدون استباحة قرية أمه وأبيه وأعمامه وأخواله.. ومن بين كل الحكايات تروى حكايته مع حسنة في كل ليلة.. دون أن تشعر بملل ودون أن يتذكر أحد من أبناء القرية وبناتها أنه كان قد سمع الحكاية ذاتها ليلة أمس فقط... كانت تلك الحكاية جزءاً عزيزاً من تراث القرية كيف لا وحسنة جميلة القرية وحلمها القريب والبعيد.. وهو محسن الفياض فتى القرية وبطلها منذ أن شب عن طوق الصبا... وما كان لصبايا القرية حلم غير محسن الفياض.. وماكان لهن حديث غير حديث محسن الفياض.. أين ذهب ومن أين جاء وما كان آخر نصر من انتصاراته. إنه ذخر القرية وعزها ورجلها القوي... لكنه.. برغم قوته ومهابته كان يشعر أن الأرض ترتج تحت قدميه حين تمر حسنة وعظام صدره توشك أن تتحطم تحت صليل خفقان قلبه.. كان كل دقيقة يحلم بحسنة التي كانت مولعة بفتى آخر لا تحفل القرية به كثيراً.. ومثلما كانت القرية تعود للحكاية كل ليلة.. كان محسن الفياض يحاول عبثاً أن ينسى ذكرى ما حدث في تلك الأمسية..‏

كان صوتها يائساً مرتعشاً يفضح خوفاً من مصاب وشيك:‏

ـ يا محسن الفياض.. يا محسن الفياض..‏

تردد الصوت واهناً متسللاً عبر بقايا أشعة شمس ذابلة.. أدار رأسه ببطء من مغرب الشمس حتى مشرقها.. وقبل أن يشد اللجام اندفعت سعدة حيث ينطلق الصوت...‏

ثمة رجال ملثمون لا يعرف لهم عدد.. عيون أشبه بعيون ذئاب تلتمع في العتمة تمرق هنا وهناك عشب أسود.. شمس سوداء تغرق وراء خط الأفق صراخ وعويل.. سيوف تلتمع نصالها كأنها ومضات بروق بعيدة.. وحسنة ترتجف وسط ذلك الصخب.. تلهث.. تستغيث.. تنكمش.. تدور حول نفسها فيما ترتفع حولها أعمدة غبار أصفر تلتف حول محاورها صاعدة من الأرض نحو السماء.. وينطلق رصاص محسن الفياض كسيل من نار متقطعة تخترق تلك الفوضى.. وفجأة تنطفئ عيون الذئاب.. يتلاشى الرجال.. وتبزغ الشمس من جديد وتعود حسنة إلى القرية.. ثمة من يزعم أن الحدث وقع حقاً وفعلاً في ليلة غاب عنها القمر.. وثمة من يقول بل هو رؤيا.. أما محسن الفياض فصامت لا يخرج من بين شفتيه حرف واحد..‏

حملت الريح النداء من جديد... تلفت في رحاب الوادي.. فيما راحت سعدة تدق بحوافرها الصخر الأصم لابد أن يكون ثمة أحد.. هنا هنا في هذا الوادي حيث الجميع اعتادوا أن يلتقوه.. الأصدقاء والأعداء..‏

بحث في الوادي كله... كهوفه التي يعرفها جيداً وممراته.. التواءاته ومنحدراته وصدى الصوت يتردد مرتعشاً بين حين وحين.. بيدأن أحداً لم يكن هناك.. وسعدة أنهكها الجري والعطش.. سيذهب إلى الساقية التي تخترق السهل في ما وراء التلال لعله يجد هناك حلاً لهذا اللغز العصي.. وانطلق نحو الساقية وعيناه الصقريتان تبحثان.. ومن بعيد لاح له شبح أبيض تناثر من قمة رأسه شعر أشيب كان يلمع في عين الشمس الذهبية الغارقة في الأفق الغربي.. والريح تعبث به يمنة ويسرة فيبدو كنثار غيمة تسبح في الفضاء.. اتجه محسن الفياض نحو الشبح وقد أعد بندقيته الجديدة التي طالما تمنى أن تجيء اللحظة التي يضغط بإصبعه على زنادها.. لقد انتظرها طويلاً تلك اللحظة.. ستة شهور.. منذ اشتراها وهي ترقد على كتفه هادئة باردة...‏

حين صار محسن الفياض على بعد بضعة أمتار من الشبح ميز فيه كهلاً هزيلاً مهدماً متعب القسمات غائر العينين بدا وكأنه في سنته التسعين أو الثمانين...‏

ـ أنت الذي كنت تنادي؟‏

انتظر أن يردالكهل دون جدوى...‏

ـ أنت الذي كنت تنادي؟‏

لم يكن الشيخ يهمه أن يرد على محسن الفياض.. كان يقف هناك فوق الخضرة المنبسطة كالمعتوه.. كان هناك ولم يكن في الوقت عينه.. كان يقف هناك بجسده لكن عقله كان بعيداً لا يمكن الوصول إليه.. كان يبكي بلوعة اشتعلت في صدره حرائق لا تنطفئ إذ تراءى له طيف صغيره ، الذي واراه التراب لتوه. فيما كانت أذناه تستعيدان صدى بكائه.. سبعة أيام بلياليها ظل الصغير يبكي دون أن يستطيع الأب فعل شيء غير الدعاء إلى الله أن يخفف عنه لوعة الجوع وربما ألم لا أحد يحس به.. راح يحدث صغيره...‏

ـ هي أيضاً لم يكن بمقدورها أن تفعل شيئاً من أجلك.. لقد جف صدرها حتى لم يعد بمقدورها أن تعطيك قطرة حليب واحدة.. هدها الجوع والمرض.. لكنها كانت تحبك.. أجل.. وهي أحبتك كثيراً.. كانت تهدهدك وتقول "عدوك عليل وساكن"(2) ) حتى توقفت أنفاسها.. نم الآن.. أنت أيضاً لن تحس بالجوع بعد ولا بالألم.. لكني ماذا سأفعل الآن بأخويك..‏

توقف عن الكلام لحظات.. استدار نحو قرص الشمس الغاربة.. ركز عينيه هناك عند الأفق.. استدار ثانية رافعاً يديه نحو السماء..‏

ـ يارب.. قل لي ماذا سأفعل.. أأعود إليها فارغ اليدين... لا.... لا... لن أعود... فأنا لا أستطيع أن أرى موتاً ثالثاً.. ورابعاً بدت له الدنيا حمراء قانية بلون الدم.. وفي البعد تراءى له ابراهيم واسماعيل وهما يرتقيان تلة عالية فيما انطلق في الحقل كبش أبيض.. رمشت عيناه.. مسح دموعه بكم ثوبه.. لم يكن يوجد هناك غير خضرة ذهبية تتوهج بنور الشمس.. ازداد بكاؤه حرقة..‏

ـ لا.. لن أعود... سأكون أنا الثالث.. أجل.. أنا.. أنا سأكون الثالث بعد الصغير وأمه.. لكن كيف.. كيف.. وتطلع في المدى البعيد حتى بدا له أنه يرى محسن الفياض...‏

ـ محسن الفياض.. إنه هو.. أجل هو من سيخلصني من هذه الحياة والبؤس والشقاء يا محسن الفياض.. يامحسن الفياض...‏

ـ قل لي ماذا تريد؟ هل اعتدى عليك أحد؟‏

ـ لا.. لا أحد اعتدى عليّ..‏

وساح من زاويتي فمه زبد أبيض امتزج بسيل من شتائم لا أحد يستطيع أن يصدق أنها يمكن أن تنطلق من شفتين ذابلتين كشفتي هذا الكهل...‏

وقف محسن الفياض مصعوقاً وهو يشهد شيخاً لم يره من قبل يكيل له كل هذا السباب.. اللصوص وكل أعداء القرية يخشون حتى من أن ينطقوا باسمه وهذا الكهل المهدم يقول له:‏

ـ أنت جبان.. أنت ظالم.. أنت خسيس.. أنت.. أنت...‏

ـ ولكن.. أأنت مجنون لتقول لي هذا؟..‏

لم يرد الشيخ على محسن الفياض وإنما راح يتقدم بإصرار نحو فتى القرية الذي ظل حائراً لا يدري ماذا يفعل.. لو أنه فشل في وقف هذا الشيخ عن السباب والشتائم فإنه لا يمكن أبداً أن يدشن البندقية بهذا الرأس الأعجف...‏

ظل الشيخ يقترب من محسن الفياض فيما راح هذا يتراجع حتى لم يعد هناك بين قائمتي سعدة الخلفيتين وحاجز التلال ما يسمح لها بالتراجع.. بينما انحسرت المسافة التي تفصلها عن الشيخ إلى بضع خطوات.. هنا انبرى محسن الفياض متسائلاً:‏

ـ ولكن قل لي.. ماذا تريد؟‏

ـ ماذا أريد؟ أريد سترتك!..‏

نظر إليه الفتى طويلاً... أيمكن أن يحدث هذا حقاً.. لصوص الوادي كلهم الأكثر شباباً وقوة وعدوانية يصيرون أصغر..‏

إن مر ظله من هناك. وهذا الشيخ المتهاوي نحو القبر يريد أن يسلبه. وضع محسن الفياض بندقيته على حضنه وخلع سترته ورمى بها إلى الشيخ.. ولم يكد هذا يمسك بها حتى انبرى قائلاً بصوت مرتجف:‏

ـ أعطني كيس نقودك!‏

تأمل محسن الفياض الشيخ طويلاً.. سافر ببصره نحو الأفق.. لم يبق من قرص الشمس غير قوس رفيع أحمر.. استقرت عيناه هناك برهة ثم عادتا إلى الشيخ قبل أن يخرج حافظة نقوده ويرمي بها إلى الأرض... انحنى هذا.. التقطها ودسها في جيبه فيما كان محسن الفياض يتطلع فيه مشدوهاً وهو يقول:‏

ـ وماذا بعد؟!‏

ـ البندقية..‏

ـ البندقية.؟!..‏

ـ أجل البندقية..‏

نظر محسن الفياض إلى بندقيته الجديدة.. لمسها بحب وهو يتأمل وجه الشيخ.. أيمكن أن يحدث هذا.. شيخ خرف يسلبه لباسه ونقوده القليلة و... بندقيته أيضاً.. لا... لا.. هذا لا يمكن ـ هيا.. هيا يا محسن الفياض.. أعطني البندقية..‏

تطلع محسن الفياض للحظة في عيني الشيخ الكليلتين.. لا... لا يمكن أن أقتله..وبهدوء رفع البندقية ومدها إلى الشيخ وهو يتساءل "ترى.. ماذا سيفعل بها الآن.. إنه لا يستطيع حتى إن يحملها... ".‏

بؤس أسود ألقى بظلاله على وجه الشيخ المتغضن فيما انطلقت من صدره شهقة حزينة... تناول البندقية بيدين مرتجفتين والدموع تفيض من عينيه حاول أن يرفعها بمستوى عينيه ليسدد الفوهة باتجاه محسن الفياض.. بحثت يده عن الزناد فيما كان محسن الفياض منتصباً فوق فرسه وقد عقدت الدهشة لسانه وهو يتطلع إلى ذلك المشهد الغريب. وقبل أن يجد الشيخ موضع الزناد سقطت البندقية من يديه..‏

ترجل محسن الفياض عن ظهر سعدة.. التقط البندقية.. وضعها على كتفه واتجه نحو الشيخ..‏

ـ لماذا فعلت كل هذا وأنت تعرف من أكون؟‏

ـ أردتك أن تقتلني.. قال بصوت متهدج..‏

ـ أردت أن أقتلك؟!..‏

ـ أجل أردتك أن تقتلني...‏

ـ ولكن لماذا؟‏

روى الشيخ مأساته وهو يغالب نوبة بكائه.. حتى إذا انتهى. اقترب منه محسن الفياض.. ربت على كتفه مهدئاً أخرج الشيخ حافظة النقود ومد بها إلى محسن الفياض وهو يقول:‏

ـ لست بلص.. ولا قاطع طريق.. لكني لا أريد أن أعيش.. خذ.. خذ... واقتلني يا محسن.. اقتلني..‏

ـ دعك من هذا أيها الشيخ احتفظ بالسترة والحافظة أيضاً وعد إلى أولادك..‏

(1) ) نشرت هذه القصة في مجلة ألف باء، بغداد، العدد 1567، بتاريخ 7 تشرين الأول أكتوبر) 1998.‏

(2) شطر من أغنية شعبية تغنيها الأمهات لينام الأطفال وتتمتها... سكان الجول أي الصحراء) باللهجة العراقية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244