سميتك زهرة السوسن - بديعة أمين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نافذة الانتظار(1)

اقتربت من النافذة.. أزاحت الستارة.. وقفت تنظر إلى الشارع الممتد أمامها إلى ما لا نهاية.. ظلال باهتة ترتمي بكسل على إسفلت الشارع بلونه الرمادي المترب فيما اصطبغت السماء بحمرة وردية يسوح فيها نثار من سحائب اكتست حوافيها ألواناً ذهبية وبرتقالية تركتها شمس راحلة. من بعيد بدا لها أن ثمة مركبة زيتية اللون كانت تقترب.. ضيقت مابين أجفانها لتتيح لنفسها رؤية أفضل... توقفت المركبة... ترجل منها اثنان بدا شكلهما في حمرة الشفق أقرب لكونهما شبحين متعبين.. ثم تحركت المركبة الزيتية اللون باتجاهها... اقتربت.. "إنها تقترب.. تقترب... قد تتوقف عند بوابة الحديقة... سينزل منها أسامة كما نزل الاثنان الآخران.. لابد أنه مثلهما متعب يعلوه غبار الطريق وعرقه.. أجل سينزل منها أسامة الحبيب.. فغداً عيد ميلاده.. سأحضر له هدية حلوة.. "يمسكها... يقربها من وجهه.. يفتح فمه.. تمنعه من التهامها.. وبفرح: "لا... لا.. هذه ليست للأكل".. تضحك.. تداعبه.. تناغيه.. تمسك بيديه الصغيرتين... تجعله يصفق.. يضحك مغتبطاً... وفجأة تنتبه لنفسها.. "الله.. ذلك الزمان الجميل ما أحلاه... " وتعود من ذاك الزمان الذي مضى تجيل بصرها في الشارع بحثاً عن المركبة الزيتية اللون.. الظلال الباهتة اختفت ولا شيء هناك غير بضع عربات خصوصية تمرق مسرعة قبل أن يجيء الظلام.. أسدلت الستارة وانزوت في كرسي عتيق تتطلع في التلفزيون بعينين فارغتين إلا من حزن مقيم، عساه يحمل نبأً سعيداً..‏

قبل أن تغيب شمس يوم عيده... اقتربت من النافذة... أزاحت الستارة وراحت تراقب الشارع بلهفة متجددة، وبشيء من الخوف والقلق تنتقل بعينيها مابين الشمس الغارقة في الأفق الغربي وبين الشارع الرمادي المذهب.. وفي البعد تلوح من جديد مركبة زيتية اللون... تقترب المركبة.. "أكيد سيأتي اليوم.. لابد أنه آت.. إنه يوم عيده.. فكيف لا يأتي وعيد الميلاد لا يأتي إلا مرة واحدة في العام!.. "وتقترب المركبة الزيتية اللون.. ومع اقترابها تتسارع دقات قلبها...تضج بعنف يرتج لـه صدرها فيعلو ويهبط.. إنها خائفة ومتلهفة تتقطع أنفاسها كأنها توقفت للتو بعد ركضة ماراثيونية. وفي لوعة الانتظار تنبعث من صدرها آهة حزينة قال بعض ممن عاد من الأسر، أنه كان معهم في قفص واحد.. وقال آخر.. إنه سمع بمثل هذا الاسم. وأعلن ثالث أنه خرج ليتوضأ من نبع قريب فأصابته رصاصة غادرة من فوهة قناص.."وأنت؟ هل رأيته؟".. لا بل سمعت من قال ذلك عنه ـ وثمة من قال إنهم كانوا في موقع تكثر فيه الدببة والذئاب.. خمسة عشر عاماً وهي تسأل فيأتيها جواب يحلق بها على أجنحة الأمل.. ويلقي بها آخر في لجة لا قرار لها..‏

حين غادر آخر مرة.. طبع على جبينها قبلة حانية: "في إجازتي المقبلة سيكون وليدي البكر قد جاء لدنيانا..".وبجذل: "أمي.. سأصبح أباً لأول مرة في حياتي..سأصبح أباً.." وأضاءت وجهه لحظة سعادة.. ضحك لها وهو يمسك بيدها: "أتعلمين.. سأسميه "سعدا" لو كان صبياً.. ولو كان بنتاً سأسميها على اسمك".. تقترب المركبة ومع اقترابها يجتاح أعماقها ألم مجلجل كما لو أن قبضة حديد تعتصر خاصرتها.. تمزقها.. تشعل فيها ناراً ملتهبة.. أغمضت عينيها.. وبيديها الاثنتين راحت تضغط على أحشائها علها تخفف بذلك من الألم.. وفي غمرة تلك الدوامة من الوجع والخوف واللهفة والشوق والقلق انتابها إحساس ظنته أقرب إلى اليقين.. إنه لابد آت في عيده هذا العام في تلك المركبة الزيتية اللون.. فليس من المعقول ألا يحضر عيده خمسة عشر عاماً متتالية.. أرادت أن تفتح عينيها لكنها خافت.. "كان من عادته أن يخرج صباحاً، ويعود في مثل هذا الوقت من النهار.. لكن هذه المرة ليست كغيرها من المرات في الزمن الذي مضى..". تملكتها رغبةملحة أن تفتح عينيها فالمركبة لابد أن تكون قد بلغت الآن بوابة حديقة الدار.. لكنها لم تستطع أن تحطم حاجز الخوف.. حاولت أن تستجمع أطراف شجاعتها محدثة نفسها: ".. هيا.. هيا..لا تخافي يا أم أسامة.. افتحي عينيك... ستجدينه عند الباب.. سيرفع يده.. يضغط بسبابته على جرس الباب... سيرن الجرس.. هيا.. هيا.. افتحي.. "ويزداد قلبها خفقاناً "إنه آتٍ..".‏

أصوات المركبات والعربات تهدر في الشارع وثمة صخب وضجيج ينبؤها أن عربة أو أخرى قد توقفت هنا أو هناك في مكان قريب: "تلك الأصوات الضاجة.. إنها جلجلة النصر.. إنهم يهزجون... يهتفون أولئك الرجال الشجعان.. يلوحون بأيديهم بعلامة النصر... وفي الأجواء تتعالى الزغاريد ونقر الدفوف وتنثر الزهور وأغصان الآس... لقد سكتت المدافع أخيراً.. وحل السلام... وهاهم عائدون جميعاً.. أفواجاً أفواجاً.. وهو آتٍ معهم.. أكيد أنه آتٍ معهم.. هيا.. هيا.. افتحي عينيك، ومع صليل دقات قلبها تفيق من ذكريات ذلك اليوم الجميل.. يوم النصر.. وتفتح عينيها.. لاشيء هناك غير عربات خصوصية وبضعة مارة..‏

في ذلك الصباح.. ودعها وهو يبتسم وإشراقة أمل تزهر على محياه: "أمي لا تنسي.. إجازتي القادمة ستصادف يوم ميلادي.. إياك أن تنسي .. إياك... ضحك ولوح لها بيده مبتعداً فيما سكبت هي عند الباب دلواً من الماء وهي تدعو الله أن يعيده لها سالماً حتى قبل أن يجف الماء. لكنه لم يعد. خمسة عشرعاماً وهي تقف هناك عند النافذة في مثل هذا الوقت كل مساء... وحين تغيب الشمس.. وتعود الطيور لأوكارها تبعث له معها سلاماً.. تسدل الستارة وتنسحب..‏

جلست على كرسي قبالة صورته المعلقة على الجدار.... راحت تتأملها بأسى تومض من خلاله ارتعاشات خجولة من فرح غابر.. شعلة شمعته الأولى تتراقص والصغار يحيطون به وهي تضمه إلى صدرها.. ترن في أذنيها.. آتية من زمن بعيد، صيحات الصغار وهم يغنون.. يصفقون... يرقصون.. ويتقافزون... "آه.. أي زمان جميل مضى..ياه.. ثمانية وثلاثون عاماً.. ثمانية وثلاثون..".ومع مجيء كل عام حتى في سنوات غيابه تضيء شمعة جديدة حتى بلغت سبعاً وثلاثين شمعة.. واليوم ستوقد شمعته الثامنة والثلاثين... وفي كل عيدآت سأوقد شمعة جديدة... لن أتوقف عن ذلك طالما بقي في جسمي عرق ينبض.."، امتدت يدها إلى سلسلة كانت تطوق عنقها.. إنها سلسلته هو.. سلسلته التي تحمل اسمه.. لقدنسيها حين غادر البيت آخر مرة.. أفكار مظلمة راحت تتدفق في رأسها وهي تتلمس السلسلة... حاولت أن تكون متفائلة.. أوقدت شمعة عيده.. لكنها لم تستطع أن توقف ذلك الدفق إذ انبعث في مخيلتها فيلم تلفزيوني وثائقي.. ثلة من جنود العدو مدججون بالسلاح وهم يكسرون يد عربي أعزل بالحجارة.. والعالم يتفرج بصمت.. نيران لاهبة اشتعلت في كل وريد وشريان في جسدها فيما انحدرت من عينيها سيول من الدمع مدرارة: "أوقع في الأسر.. كيف عاملوه.. هل حطموا يده بالحجارة.. أهو الذي تمزق إرباً بعد أن أوثق بعجلتين تندفعان باتجاهين متعاكسين... هل افترسته الذئاب أم تراه ما يزال حياً.. ماذا يأكل... ماذا يشرب.. أين ينام.. أين يغتسل.. أهو مريض أم أصابه جرح من طلق ناري غادر.. أيعلم أنه صار أباً لابنة جميلة تحمل اسمي كما أراد.. أيصلي.. أيتلو ما حفظ من آيات قرآنية كريمة لعل الله يلطف به.. ويعيده لنا ولابنته التي تنتظر وتريد أن تراه.. أهو مفقود.. أم.. أم.. وهنا صرخت من دون وعي منها: "لا... لا.. لا يمكن أن يحدث هذا.." وانخرطت في نوبة بكاء فاجع هي تتساءل دون أن تقوى على لجم ذلك السؤال: "كيف سيتعرفون عليه وسلسلته هنا معلقة على قلبي.. لا... لا.. لايمكن أن يحدث هذا.. إنه ما يزال حياً.. يا إلهي.. برحمتك الواسعة أعده لي...".‏

كانت ترتدي أجمل ملابسها حين يحين موعد إجازته وتحث امرأته اليائسة أن تفعل مثلها: "أريده أن يرانا ونحن في أحسن حال كي لا يقلق من أجلنا نحن الذين هنا.. فله من الهموم والأهوال هناك ما يزيد على كفايته... تذهب إلى صالون الحلاقة.. تسوي شعرها الفاحم.. وتتزين أيضاً كان يداعبها... يقول لها: "أمي ما سر سواد شعرك.. بل ما سر شبابك السرمدي.. لقد شاب رأسي وأنت ما تزالين تنافسين الليل بليل شعرك.." ـ "ترى ماذا سيقول الآن حين يعود ويرى عروقاً من الفضة قد اشتعلت في ليل شعري وراحت تتوهج التماعاً في ضوء الشمس!.."، ـ الليل غادر شعرها ليستقر في قلبها وتلافيف دماغها حتى غدت نهاراتها ليالي وهي في انتظار وحيدها الغالي وقد تخلت عن رغبتها في أن ترتدي أجمل ما لديها...، ولم تعد تذهب إلى صالون الحلاقة..‏

جاء سبع مرات أو ثمان بعد أن التحق بالجبهة.. وفي المرة الأخيرة قال لها: "في الإجازة التالية سآخذك أنت وزوجتي والقادم الجديد في زيارة للمراقد المقدسة... سندعو الله أن يوقف هذه الحرب الغادرة ويعيد السلام إلينا.. لطفلي الآتي ولكل الأطفال"... وإذ كانت غارقة في الزمن الذي كان.. رن جرس الباب.. قفزت من فراشها.. ركضت إلى النافذة.. فتحتها ونادت: "من؟.. من هناك؟ أسامة؟.. أسامة انتظر، إني قادمة.. سأفتح الباب فوراً"... "حسن يا أمي".. ـ وهرعت إلى الباب.. وما إن فتحتها حتى انشقت السموات السبع عن نور وهاج يغشي الأبصار.. "إنها ليلة القدر.. وهاهي أبواب السماء تنفتح.. لعل الله قد استجاب لدعائي"... انطلقت عبر الباب وهي تنادي: "أسامة.. أسامة.. أين أنت؟ لكن أحداً لم يكن هناك غير زنبقة بيضاء تلتمع صفاء ووجه أسامة يبتسم لها من قلب الزنبقة...‏

وانتفضت من نومها.. كانت ترتجف كسعفة يابسة في مهب ريح شرقية عاصفة ووجيف قلبها يكاد يحطم أضلاعها ويوقف أنفاسها.. فيما كانت يداها.. ووجهها.. رأسها وكل مساحة في جسدها تتصبب عرقاً.. عضت شفتها السفلى.. نهضت من فراشها.. استعاذت من الشيطان.. واستغفرت الله.. توضأت... وبدأت تصلي صلاة الفجر.. لكن ذلك الألم في الخاصرة داهمها من جديد وهي تركع متضرعة إلى الله.. كان الألم يزداد شدة وانتشاراً مع مرور كل يوم بل وكل ساعة ودقيقة.. حتى جاء حين لم تعد قادرة على النهوض من فراشها أو السير من دون أن تحس أوصالها تتقطع مزقاً من شدة الألم... بل لم تعد قادرة على الوقوف على قدميها.. ورم خبيث كان قد استوطن كل خلية في جسدها حتى بلغ الرأس أيضاً..‏

مرت أيام وأسابيع وشهور.. بل وسنون.. والستارة مسدلة علىنافذة الانتظار .. لقد رحلت من دون أن تعرف سبباً لِمَ لم يعدأسامة في الإجازة لتزور وإياه ـ كما وعدها ـ المراقد المقدسة!....‏

(1) ) نشرت هذه القصة في مجلة ألف باء ، بغداد، العدد 1584، 3 شباط فبراير) 1999.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244