سميتك زهرة السوسن - بديعة أمين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نســـــــــيان(1)

* "نار قصية تثرثر في الذاكرة.. تحملني بين الحين والحين إلى مكان صغير كان يدعي نادياً في معهدنا العتيد.. لكنه كان يساوي الدنيا كلها... الدنيا التي عرفناها فيما بعد.. وياليتنا لم نفعل... لعيون تلك الأيام لابد لنا أن نلتقي في أي مكان... وأنا في انتظار أن تهاتفيني أو أن أتلقى خبراً منك.. سأظل أتطلع إلى لقاء قريب.. مع سؤالي الدائم عن صحتك...".‏

توقيع)‏

أجل "وياليتنا لم نفعل"... أو تعلم أيها العزيز الغالي ماذا فعلت بي رسالتك هذه.. أية نار أشعلتها في صدري؟... كنت قد نسيت.. نسيت... كل الأشياء الجميلة وحتى ما كنا نسميه نادياً في معهدنا العتيد... أنت تعرف لغة الآباء والأجداد.. لكنك لا تعرف ماذا تعني كلمة "نسيت".. فأنت تمتلك، والشكر لله والحمد، ذاكرة لا يعلوها أبداً صدأ الزمان، كما كنت تقول على الدوام... أؤكد لك أنت لا تدري أي وقع كان لرسالتك القصيرة في رأسي الصغير. ولا تدري ماذا تعني بالنسبة لي بعد أن لم يبق لي من هذه الدنيا غير حطام سنين طوال أجرها ورائي وقدشدت بنير على كتفي وأيامنا تلك في ما سميته "مكاناً صغيراً"، لم يعد لها حتى ولا أية بقايا في ذاكرتي لقسوة ما رأيت وما عشت بعد تلك الأيام التي لم نكن نعلم في حينها أنها ستكون الأيام الحلوة الأخيرة... لكني الآن أشعر من أعماقي أنني يجب أن أشكرك.. أتدري لماذا؟... لأنك أحييت في أعماقي ذكريات كنت قد نسيتها... بل إنك جعلتني أبكي... أتصدق؟ أبكي ولكن بلا دموع..‏

أوَ تعرف ماذا يعني أن يبكي المرء بلا دموع؟.. إنه حرقة ووجع في القلب، نزيف وحزن عميق لا قرار له ولا قاع ينداح في أعماقي بصمت كأمواج بحر هادئ لأننا لم نكن نعرف أنها "الأيام الحلوة الأخيرة..".‏

حيني تسلمت رسالتك هرعت إلى الهاتف... وقبل أن أصل إليه.. قبل أن تمتد إليه يدي لتدير أرقام هاتفك.. توقفت..جمدت في مكاني.. لا.. لن أهاتفك الآن... سأفعل فيما بعد.. أما الآن فسوف أعيش من جديد بعض تلك الأيام الحلوة.. أيام الشباب التي مضت...‏

***‏

عشرون.. خمس وعشرون... ثلاثون.. لا أدري كم هي السنوات التي مضت.. لكنها خمس هي السنوات التي قضيناها بين جدران معهدنا العتيد.. نأتي إلى المعهد كل مساء.. نودع شخصياتنا الصباحية... من كان منا موظفاً.. أو مدرساً.. أو طبيباً أو محاسباً أو .. أو.. يستحيل طالباً عند المساء.. نحمل لوحاتنا وعلب الألوان والفرش... نرسم الموديل نفسه كل مساء.. السنوات تمضي.. وفي كل عام جديد يزيد عمرنا عاماً آخر... وتتغير فينا أشياء وأشياء.. والموديل الذي يجلس أمامنا لا يتغير ولا يتبدل بألوانه القاتمة ووجه الكالح.. ندعو إلى الله أن تأتي السنة اللاحقة لنا معها بموديل جديد... بوجه جميل... بألوان جميلة.. لكنها لا تفعل.. وبعد اثني عشر شهراً يهل عام جديد... ويأتي معه الموديل العتيق بألوانه القاتمة التي تزداد قتامة كلما مر عليها يوم نضر جديد.. حتى حفظنا ملامحه كلها عن ظهر قلب،كما يقال... وصرنا نرسمه دون أن ننظر إليه: الجبهة الضيقة... الحاجبين الكثين... العينين الصغيرين الغائرتين.. الأنف الصقري الكبير... حتى أنقذتنا أنت يوماً حين جئت بابنتك الصغيرة لتجلس أمامنا... ورسمناها بفرح.. ويطلق من كان محاسباً في الصباح صيحته الشهيرة: "اليوم فقط أشعر أنني سأصبح رساماً كبيراً.."، لكنه بقي محاسباً في الصباح وفي المساء.. وحين يطل علينا ذو الوجه الكالح من جديد.. نبتسم لبعضنا سراً وكل واحد منا يعرف سر الابتسامة.. لكننا لا نتذمر، لا نشكو... ولا نتأفف إكراماً لوجهه العبوس خشية أن نجرح مشاعره.. ولكي نتخلص من ألوانه القاتمة... اتفقنا يوماً أن نرسم الطبيعة.. وحين وصلنا الموقع المتفق عليه... رأيناه وقد سبقنا إليه.. دهشنا.. وقفنا حائرين... ثم انفجرنا ضاحكين.. وراح هو أيضاً يضحك معنا.. لكننا أقنعناه إننا، هذه المرة، سنرسم الطبيعة بلا بشر... وفي يوم من الأيام لم يأتِ ذو الوجه العبوس.. فرحنا وقلنا عسى الله أن يمن علينا بموديل جديد... وفي اليوم اللاحق لم يأت ذو الوجه العبوس أيضاً.. وفي اليومين الثالث والرابع لم يأت أيضاً... قلقنا ورحنا نتساءل ما الذي حدث... حتى جاءنا نبأ لا يسر القلب... لقد دهسته سيارة.. تألمنا بحق وانتابنا حزن شديد... وأخذ الإحساس بالذنب ينهش أعماقنا مع أننا لم نكن وراء ما أصابه.. وحين تعافى وعاد فرحنا وأقمنا له حفلاً صغيراً في ما سميناه نادياً، حمداً على سلامته.. وعدنا للوحاتنا نرسم عليها ذا الوجه الكالح.. الذي ازداد عبوساً بعد ما حدث.. كنا ونحن نرسم، نحكي.. نثرثر... البعض يلقي نكتة.. نضحك... نعلق على ما نرسم.. البعض يغتاظ... البعض يضحك... وتمضي السنون مسرعة.. ويأتي اليوم الأخير من السنة الخامسة.. ياه... ما أسرح زحف الزمان على الأيام الحلوة.... وقررنا أن نحتفي بذلك اليوم... فقد انتهت مرحلة من العمر.. وستبدأ أخرى لم نكن نعرف كيف ستكون..وفي ما سميناه نادياً وهو لم يكن ليزيد عن حجرة صغيرة ضيقة أشبه بزقاق قصير مغلق... حجرة عتيقة متواضعة تآكلت جدرانها وبهتت ألوانها بفعل زحف الزمان. أقمنا حفلنا الصغير... ورجونا صاحب النادي أن يعد لنا شاياً جديداً معطراً بحبات هيل ويحضر كثيراً من الحلوى. كنا نتضاحك ونحن نستعجل شرب الشاي وتناول الحلوى مخافة أن يتساقط طلاء السقف في أكواب شاينا كما كان يحدث بين حين وحين فيفسد علينا حفلنا الصغير ويفسد علينا الشاي الأخير... يالها من أيام حلوة... حتى ما كان يثير فينا المخاوف، يثير الضحك فينا... وفي ذلك المساء.. المساء الأخير في معهدنا العتيد تحدثنا طويلاً.. ومن كان محاسباً والذي بقي محاسباً في الصباح وفي المساء ولم يصبح رساماً أبداً غنى أغنية أظنها "الأيام الحلوة" أو شيئاً من هذا القبيل... وتبادلنا النكات والتعليقات على ما رسمنا.. وأفضى البعض منا بمكنون صدره من توقعات ومن منا سيواصل المسيرة ويغدو فناناً يشار له بالبنان... ومن سيعود إلى ماكان عليه.. وضحكنا كثيراً وتمنينا أن تتوقف الأرض عن الدوران... لكن الزمان كان عنيداً... مصراً على أن يسير بنا إلى حيث لا نعلم.. وحين جاءت التاسعة مساء تمنينا أمنيات سعيدة لكل واحد منا.. وتعالت صيحات الوداع... وارتفعت أيادينا ملوحة... وكلنا أمل بأن نلتقي ونحن سعداء في قابل الأيام... لكن الزمان كان قاسياً إذ فرقنا في شتات لا نعرف له مكاناً... حتى جاءتني رسالتك بعد عشرين.. خمس وعشرين... ثلاثين عاماً.. لا أدري كم... فقد نسيت العمر ونسيت الزمان.. الله.... ما أحلاها تلك الأيام... أيام الشباب التي مضت...‏

(1) ) نشرت هذه القصة في مجلة ألف باء، بغداد، العدد 1595، 21 نيسان، إبريل)، 1999.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244