|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
عن الذي غاب ولم يعد(1) أين يمكن أن يكون... من يعرف أين هو الآن... من يستطيع أن يجده لي... كان طول الوقت معي... في كل ساعة من ساعات الليل وساعات النهار... تُرى... أين هو الآن... أما من أحد يعرف له سبيلاً... أما من أحد يستطيع أن يدلني عليه.. هل أسأل العراف أم قارئة الفنجان أم ضاربة الودع.. أين يمكن أن يكون قد اختفى ماذا سأفعل إن لم أجده... أين يمكن أن يكون قد استقر به المقام.. أتراه ما يزال سليماً أم أن سوءاً قد حل به.. بحثت عنه في كل الزوايا والدروب.. كل الممرات والمنعطفات ولم أجد له أثراً.. أختي قالت إنها رأته صباح أمس.... لكنه كان معي صباح اليوم لا صباح أمس فقط.. هل أنشر إعلاناً في الجريدة أو عند وكالات الإعلان.. أم أكلف منادياً يطوف في الشوارع والأزقة والطرقات ينادي في الناس يا أولاد الحلال من رأى منكم الذي ضاع منا فليدلنا عليه وله منا ألف ألف دينار... ويتوقف الفكر لحظات... يتجمد السؤال:"أين يمكن أن يكون؟"... عند نهايات الأعصاب.. وتحاول أن تستعيد كل دقائق يومها منذ أول الصباح حتى لحظتها تلك... متى استيقظت... ماذا فعلت... أين سارت... وأين جلست.. مع من تحدثت.. لمن ابتسمت.. أين قرأت جريدة الصباح... وأين تناولت قهوة الصباح... عند الغبش أفاقت من النوم كما تفعل كل يوم... عند الفجر أنصتت للعصافير والبلابل وهي تغني ترنيمة الصباح... قبل أن تغادر السرير قرأت صفحتين من كتاب يرافقها في الليل قبل أن ينال منها النعاس... عند طلوع الشمس جمعت ما تساقط من زهر الياسمين الأبيض.. رائحته تنعش الفؤاد.. وضعته في زهرية على مائدة الفطور... تناولت قهوة الصباح... أطعمت طير الكناري... وقرأت جريدة الصباح... وعاد السؤال يلح في الذاكرة "أين يمكن أن يكون".. لكن لا يمكن أن أقف عند السؤال حسب... سأبحث عنه في كل مكان... في كل درب من الدروب التي سار فيها إنسان وتلك التي لم يطأها إنس ولا جن... حسناً.. سأعود ثانية إلى ما مضى من يومي هذا... عند الضحى رأيته... بل هو كان معي بالتأكيد حين ذهبت لشراء بعض الحاجيات فأنا لا أستطيع الخروج من الدار دون أن يكون معي... وحين عدت إلى الدار كان لابد أن يكون معي أيضاً إذ إنني لا أستطيع العودة من دونه.. ماذا فعلت أيضاً.. أفرغت العربة مما اشتريته... أعددت طعام الغداء... وبعد الغداء تناولت كأساً من الشاي... هاتفت صديقة لي لأطمئن على صحتها... ولساعة وبعض ساعة عدت لقراءة رواية كنت شرعت بقراءتها قبل يومين.. وطيلة هذا الوقت كنت واثقة أنه كان معي.. فهو رفيقي ورفيق دربي.. وهو حارسي الأمين.. وهو الذي ييسر لي كل شؤون حياتي في الرواح وفي المجيء.. حتى إن هذا الصباح حين خرجت كان الجو مغبراً بصورة غيراعتيادية... كان غبار أحمر كثيف يغطي بغداد كلها.. وحديقتي استحال مافيها من شجر ونبات وأغصان استطالات ترابية تبدو أشبه بأذرع مردة متصارعة.. كل شيء كان يثير الحزن في القلب والأسى.. ريح جنوبية صرصر لافحة كانت تعصف بكل مافي الكون... وشجرة التين المقدس التي أقسم الله بها.. غدت أشبه بكائن خرافي متعدد الأذرع والسيقان والفروع... كلها كانت تهتز.. تعلو أغصانها وتهبط... تتأرجح فروعها يمنة ويسرة.. وكأني بها هي التي تضرب الريح وليست الريح هي التي تعصف بها.. حاولت أختي أن تثنيني عن الذهاب إلى السوق.. قالت لي إن دائرة النظر محدودة والرؤية صعبة في مثل هذا الجو.. والعودة غير مأمونة.. انتظري حتى تهدأ الريح وينقشع الغبار.. لكني أبيت... صممت على الخروج... فأنا مطمئنة أنه سيكون معي وأنه يستطيع أن يحميني ويعيدني إلى البيت سالمة وبكامل الصحة والعافية... ذهبت إلى السوق.. ومن هناك عرجت على مشتل للزهور لأبتاع نبتة ظل وأصص زهور.. لكن المشتل بدا كساحة حرب تركها للتو قتلة من أحفاد هولاكو بل الفاندال(2) ) بعد أن غزوا أرضنا.. دمروا مزارعنا وبساتيننا.. أشعلوا الحرائق في حقول قمحنا.. اقتلعوا الأشجار.. خربوا حدائقنا وألقوا بالزهور أرضاً.. وبعد أن حطموا كل شيء.. كل شيء... ولوا الأدبار عائدين إلى ديارهم تاركين وراءهم أرضاً يباباً... بكيت بصمت.. وأنا أشهد هذا الدمار الفاجع وموت الأزهار وقد التوت أعناقها وتمرغت تيجانها بالتراب.. سألت صاحب المشتل.. من فعل هذا؟.. قال: العاصفة.. جاءت من الجنوب.. حاملة معها رمل الصحراء والقيظ والخراب وأماتت كل ما استنبتته يداي وأيدي آبائي وأجدادي... عدت إلى البيت مهمومة... وهذه شهادة أخرى على أنه كان معي... فأنا لا أستطيع العودة إلى البيت دون أن يكون معي... ليتني استمعت لنصيحة أختي... كنت لو فعلت ذلك، لوفرت على قلبي هذا الهم العظيم. سألت نفسي من جديد وكأني لم أكن لأصدق نفسي: أما كان معي.. فأين اختفى؟.. أيكون مختبئاً في مكان ما في حديقة الدار.. تحت شجرة الزيتون... تحت عريشة النسرين؟.. فتشت هناك... وفي كل مكان آخر لكني لم أجده... وجلست أفكر من جديد في ما مضى من زماني... أمس كان معي وأمس وأمس.. وقبل ذلك كان معي.. بل منذ سنوات طوال وهو رفيق دربي.. أيهون عليك أن تتخلى عني.. هكذا فجأة فلا أعرف لك مكاناً يمكن أن تكون فيه... عند شاطئ النهر جلسنا تحت شجرة سدر عظيمة ألقت بأفيائها على الأرض.. كان الحر شديداً وأوراق الشجر اليابسة تتساقط كما في الخريف... قلتَ أنك ستسافر إلى أرض بعيدة.. ستبحث عن نفسك هناك... دعوتني لأرافقك.. قلتُ لا.. أنا ولدت هنا.. وعشت هنا.. وهنا سأموت.. قلتَ: إذن.. سأسافر وحيداً بلا أهل.. ولا أصدقاء.. ودعتني وغبت وسط الريح والغبار.. ومنذئذٍ لم أسمع عنك خبراً.. ولا أعلم حتى أين حططت الرحال.. سئمت الحر.. وتساقط الأوراق اليابسة... قلتُ سأعود إلى البيت.. وعدت وكنت أنت معي.. فأين بالله غبت؟ سألت ضاربة الودع.. قالت: "إن أرض الله واسعة.. قدره أن يرحل من أرض لأرض قبل أن تغيب شمس نهاره.. خذي هذه الأوراق الثلاث.. عند غروب الشمس أحرقي ورقة واحدة في اليوم الأول.. وأحرقي الثانية عند صفار الشمس في يومك الثاني... وكذا افعلي في ثالث الأيام على أن توقدي شمعة بيضاء عند المغيب.. وهو لابد آتٍ عن قريب إن شاء اللّه".. فعلت ما قالت به العرافة لكن الغائب ظل غائباً... لكني لم أيأس... سأبحث عنه من جديد في كل زوايا البيت.. في كل الغرف والشرفات. وفي السرداب العتيق كل أشيائي التي أحببتها في الزمن القديم والتي ما أزال أحبها في زمني هذا كانت هناك... كرتي المطاطية الصفراء التي كنت ألعب بها وأنا طفلة... لعبي الصغيرة... شرائط شعري.. كتب الحكايات والأسفار والليالي... الساعة الجدارية العتيقة التي ورثتها عن أبي ما تزال معلقة على الجدار حتى وإن توقف عقرباها عن الدوران.. كل هذه وأشياء أخرى صغيرة كانت هناك إلاك... الإبريق النحاسي بنقوشه السومرية.. دلة القهوة الفضية بأرجلها الثلاث... كلها كانت هناك حتى صدى حكايات جدتي عن الأنس والجن والغيلان والسعالي كان مايزال هناك يحمل لي من الزمان البعيد حباً وشوقاً وحنيناً وبقايا رائحة بخور ندية... يا الله... ما أحلاها تلك الأيام... يا الله.. كل شيء كان هناك إلا مفتاح عربتي الذي ضاع.... (1) ) نشرت هذه القصة في مجلة نزوى، عُمان، العدد الرابع عشر، إبريل 1998. وفي مجلة الأقلام، بغداد، العدد الثالث، أيار ـ حزيران ـ مايو ـ يونيو ) 1999. (2) ) قبيلة جرمانية اجتاحت فرنسا وإسبانيا وشمال إفريقيا واحتلت روما ونهبتها في القرن الخامس ا لميلادي ولشدة همجية هذه القبيلة اتخذ اسمها معنى اصطلاحياً يعني تخريب ممتلكات الآخرين... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |