سميتك زهرة السوسن - بديعة أمين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نعاس*

نعاس يسكن في العينين.. خدر يسري في مفاصلي.. ما أحلى أن أغفو إغفاءة صغيرة.. فأنا متعبة.. متعبة جداً.. لكن لا بد أن أصحو.. أن أفتح عيني.. سأحاول.. سأركز انتباهي على الطريق.. لا بد أن أفعل ذلك لأتفادى الاصطدام أو دهس إنسان بريء يعبر الطريق..‏

أصل المكتب أخيراً.. أحمد الله على وصولي.. هناك جريدة في انتظاري.. ما أروع أن يكون هناك شيء في الانتظار.. أعد فنجان قهوة.. أعطرها بحبات هيل.. رائحة زكية آتية من اليمن السعيد تفوح في الفضاء.. أشم نفحاتها.. أتناول القهوة.. أنتعش.. أشعر بسعادة غريبة..‏

لكن النعاس.. يعود من جديد.. أتثاءب.. خدر لذيذ يتسلل إلى رأسي.. أجفاني ترتخي.. الدنيا تدور.. تدور.. انحدر بهدوء في نفق مظلم لا نهاية له.. أفقد توازني.. إحساسي بالوجود يتلاشى.. أغيب بعيداً في مدائن سحرية تسبح في سماواتها غيمات من أزهار الياسمين والجلنار.. أعبر جسوراً أسطورية منمنمة فوق سواق مياهها أصفى من اللؤلؤ والماس.. أهب من غفوتي.. أفتح عيني.. أحاول أن أستعيد وعيي.. أتمطى.. أحرك ذراعي في حركة دائرية في الفضاء.. أتمنى لو عدت لحدائق الياسمين والجلنار.. ارفع فنجان قهوتي إلى شفتي.. لا قهوة هناك.. أعود لكتاب كنت أقرأه.. لعله ينتشلني من النعاس.. قبل أن أفتح الكتاب، أفتح عيني على وسعهما.. أقرأ.. لا أفهم شيئاً.. استمر في القراءة.. لا أفهم شيئاً.. النعاس قد استقر في خلايا رأسي وفي العينين والجسد.. كتابي الذي في يدي يسقط.. أهب من غفوتي.. لا بد أن أصحو أعد فنجان قهوة جديداً.. رائحة القهوة تبعث في روحي إحساساً بالانتشاء.. أحس مع الرشفة الأولى فرحة صغيرة تعيد الحياة التي مضت إلي.. الله.. ما أحلاها تلك الحياة.. كنت أقرأ فأفهم ما أقرأ.. كنت أكتب.. ثم.. أصحح. أحذف أو أضيف.. وأعيد كتابة ما كتبت مرة واثنتين وثلاثاً أو أكثر فلا أشعر بالنعاس ولا حتى بالتعب أو الملل.. كنت أحب السفر فأسافر.. أحب الطائرة حين تخترق الغيوم.. أعبر البحار.. أجوب الصحارى لأمتع عيني للحظة من الزمان قصيرة بما حبانا الله به من جميل خلقه أو بما أبدعه الإنسان.. زرت كل بلدان أحلامي..‏

وأعود من حلمي البعيد لأتذكر أنني كنت أحب قيادة السيارات فأقطع آلاف الأميال دون أن أشعر بنعاس أو تعب.. وقيادة الدراجات الهوائية ما أروعها.. وتلك المرة التي لن أنساها أبداً حين اصطدمت بشجيرة أنا ودراجتي الهوائية في الجبال.. وسقطت أنا ودراجتي.. تطلعت إلى جروحي وخدوشي.. وضحكت.. تلمستها.. مررت عليها بأصابعي.. أزلت ما علق بها من ذرات تراب وقش ووريقات يابسات تساقطت من الشجر.. مسحت دمي بمنديل ورقي.. وحين نهضت درت حول الشجيرة لأرى ما الذي كان يختبئ وراءها.. ويا هول ما رأيت.. كان وادياً متجهماً.. أعماقه رمادية داكنة حتى حين تتربع الشمس في قلب السماء.. شهقت.. تراجعت خوفاً إلى الوراء إذ رأيت نفسي هشيماً تناثر في قاع الوادي ورأسي محطماً بين صخرتين سوداوين أغمضت عيني وأشحت بوجهي عن الوادي.. حمدت الله.. وشكرت الشجيرة.. قطعت غصناً صغيراً منها.. رفعت دراجتي من الأرض.. امتطيتها وعدت إلى حيث كنت أقيم.. جففت غصن الشجيرة.. وضعته في زهرية صغيرة من المرمر.. ووضعتها على رف من رفوف مكتبتي.. وهي ما تزال هناك حيث وضعتها منذ عشرين عاماً.. اعترافاً بجميل تلك الشجيرة..‏

كنت أحب السباحة في البحار والمحيطات.. كل مياه البحار لم تكن تكفيني ولا حتى مياه المحيطات.. كنت أسبح وأسبح.. وأغوص في الأعماق دون وجل ودون أن أحس بنعاس أو تعب..‏

كائنات البحر تشاكسني.. تضربني بذيولها.. تدور حولي ثم تذهب بعيداً لتنشر الفرح قوس قزح في الأعماق.. وإذا ما كنت أغرق في ليالي البحار.. تنتشلني الريح والنجوم والقمر.. أفتح عيني فأرى النجم القطبي يقودني إن تهت إلى بر الأمان..‏

كنت أحب أن أزور الأصدقاء.. وأحب أن يزورني الأصدقاء.. كنا نتحدث عن كل شيء وعن لا شيء.. كانت الدنيا كلها لا تتسع لحكاياتنا.. لضحكاتنا.. لأفراحنا.. لأحلامنا الصغيرة.. كل شيء كان جميلاً حتى في نبتة شوكية تستنبتها الأرض لغير ما غاية، كان ثمة جمال وربما معنى.. الآن كل شيء قد مضى.. الأصدقاء والأحبة.. من مضى منهم في غياب أبدي.. أو من مضى إلى حيث لا أعلم.. السفر؟ ما عاد يخطر لي. على بال.. قيادة السيارات؟ لم تعد غير عبء ثقيل.. الدراجات الهوائية؟ رحلت مع أساطير الأولين.. السباحة في البحار والمحيطات؟ استقرت في الأعماق اللازوردية.. لم يبق في الحياة. شيء غير النعاس.. أقرأ.. وأنا نعسى.. أكتب.. وأنا نعسى.. أقود السيارة.. وأنا نعسى.. آه.. يا لها من حياة شقية بعد أيام الشباب التي مضت..‏

* نشرت في جريدة الرأي بغداد، العدد 29 بتاريخ 17 تشرين أول (أكتوبر) 1999.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244