|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
انتظار* كانت تلك الواقعة من الغرابة ما يعجز أشد الخيال خصوبة عن الإتيان بصورة تنطبق وما حدث، أو أن يوفيها حقها في أن يعبر عنها بكل ما يمتلك من قدرة على التحليق في عوالم عجائبية لا تمت لعالمنا الأرضي بصلة. وإذا شئنا الحديث عنها بصدق فلا بد أن نبدأ الحكاية برواية ما حصل منذ البداية التي لم تكن لتشذ عن الوقائع الاعتيادية ذات الطابع اليومي، والتي لا تمتلك أي امتياز يؤهلها لأن تستحوذ على أدنى قدر من الاهتمام؛ والتي لا يمكن أن نصفها بغير ما اتصفت به فعلاً: واقعية حتى نخاع العظم، إذن، دعنا نروي الحكاية منذ بدايتها تماماً. *** الحر يلتصق بالجلد- ما كان ليُرى بالطبع- لكنهم كانوا يحسون به.. غير أن ثمة ملاحظة تثير شيئاً من الاستغراب لا بد أن نضعها في رؤوسنا هي أنه ربما لم يكن من الصواب أن نقول إنهم كانوا يحسون به برغم أن هذا هو ما ينطبق بداهة على أمر كهذا. وقد يكون أكثر صواباً وأقرب إلى واقع الحال لو قلنا إنهم كانوا يشعرون بوجوده، مع أننا ندرك كل الإدراك أن من غير الممكن أن نتحدث عن الحر بمثل هذه العبارة: "يشعرون بوجوده"! فالحر لم يكن يمتلك أبعاداً مادية تمنحه امتياز أن يكون "موجوداً" مثل أي كائن من الكائنات المادية من حيوان ونبات وبشر.. ومع ذلك فإن المرء يكاد أن يراه بعينيه الاثنتين كياناً هائلاً يتسيد جو القاعة دون منازع.. يخترق الأنوف فيصيبها بيباس يجعل الشهيق صعباً والزفير أصعب.. يطبق على الرقاب حد الاختناق.. يحرق حدقات العيون.. ويحيل الشفاه إلى ما يشبه أرضاً سبخة شققها الجفاف.. كان ملتهباً وثقيلاً جداً.. وكان أيضاً لزجاً مثل مادة صمغية تلتصق بالجلد فتسد المسامات. انبعثت في الجو رائحة حرّيفة.. العرق ينز من أجساد أنهكها طول الانتظار واللا شيء الذي لا نفعله.. وترتفع إلى الجباه والأصداغ والخدود والرقاب مناديل ورقية ملونة وأخرى تقليدية بيضاء تشبه في حركتها - وهي تجفف العرق المنهمر بلا اكتراث-رفيف أجنحة حمائم بيض فيما كان البعض يروِّح الهواء الساكن أمام الوجوه بجرائد الصباح. كان الضيق الذي يخلفه ذلك الجو الخانق يتسلل عبر المسامات.. يتدفق مع سريان الدم.. يستقر في الصدور وخلايا الشبكة العصبية ليستحيل من ثم همهمات.. تأوهات.. وغيظاً يندلق من العيون أو ينفجر بين الحين والحين من الصدور فتسري بين القوم موجة من تأففات تنتقل كالعدوى من واحد لآخر، فيما كان البعض يتضرع إلى الله أن يرفع عنهم غمة الانتظار... الوقت سلحفاة منسية من ألف عام.. لا تعرف أن الأرض تدور حول نفسها دون توقف.. والحشد يزداد مع مرور كل ثانية.. نساء ورجال.. شبان وفتيات.. الأجساد تتحرك.. تنداح يميناً فيساراً وهي تبحث عبثاً عن نسمة صيف عابرة تنعش النفوس الضجرة أو عن مساحات جديدة تنتشر فيها لتتخلص من أنفاس الآخرين المحرقة والاحتكاك بأجساد يزخ منها العرق.. وبصورة لا إرادية تتقدم أو تتراجع لعل الحظ يسعدها فتجد شيئاً غير السأم والملل.. وبين حين وآخر تتجه العيون نحو مصدر ذلك الشيء المنتظر دون جدوى.. قادمون جدد يجيئون فتتسع كتلة الأجساد المتراصة.. فيهم من كان حاسر الرأس وفيهم من يعلو هامته عقال عربي ويشماغ أحمر أو أسود.. ونساء فيهن من لفت رأسها با يشارب ملون أو من ينسدل من قمة رأسها عباءة تمسح الأرض بحاشية مغبرَّة موشاة بلون مخضوضر كما الصدأ.. وتلوح من بين ذلك الحشد الكئيب أشرطة ملونة تتضوع فرحاً وهي تشد ضفائر صغيرات رافقن أمهاتهن.. وفي الجو تتطاير تأففات.. كلمات.. تساؤلات.. متى.. أين.. هو.. ألم تنته.. لا.. لا.. على ما يظهر.. الحر.. أفٍ أفٍ.. يقتلنا.. امرأة شابة انكفأت على وجهها فأغمي عليها.. قال البعض إنها لم تحتمل ضغوط الجو الخانقة.. والرائحة الحرِّيفة والحر وضغط الدم.. قالوا أيضاً أن عربة إسعاف نقلتها إلى مستشفى قريب.. لكني لم أسمع صفارة عربة الإسعاف وما رأيت المرأة التي قالوا إنها انكفأت على وجهها.. العيون كلها تلتقي عند نقطة واحدة.. شباك صغير في حاجز زجاجي معتم يلوح من ورائه بين حين وحين طيف إنسان.. يندفع الحشد نحو موقع الطيف وكأنه نشارة حديد في حقل ممغنط.. يميل يميناً ثم يساراً مع حركة الطيف البشري وراء الحاجز الزجاجي المعتم وهو يروح ويجيء.. رؤوس تعلو.. ورقاب تستطيل بصورة غير مألوفة في طبيعة الأشياء.. متحدية قصر القامات.. العيون تتسع مفصحة عن أمل ما تزال له بقايا في القلوب.. الأجساد تتزاحم.. تتصادم.. المناكب تتدافع محاولة أن تشق طريقها للوصول إلى الشباك الصغير.. وفي الجو تسبح، كأزيز النحل، همهمة موصولة لا يكاد المرء يميز فيها كلمة واحدة ذات معنى غير ما يعتقد أنه يرتبط بالفعل "سوّى" وما يمكن أن يشتق منه من أفعال ومعان موحية تحمل في ثناياها ما يمكن أن يهدئ النفوس المضطربة.. سوى.. يسوي.. تسوية.. لكن شيئاً لا يحدث ولا أحد يجيء.. وسرعان ما يستعيد الوضع حالته الطبيعية مع اختفاء الطيف من وراء الحاجز الزجاجي المعتم.. تذوب الهمهمات.. أزيز النحل يتلاشى.. الرؤوس تعود إلى مواقعها الاعتيادية فوق الرقاب.. الأجفان ترتخي.. وتسود من جديد سكينة الانتظار.. تمر لحظات فتنتعش من جديد أصداء الهمهمات والتأففات.. وتستمر الأرض في الدوران.. الشمس تنتصف السماء ويمر الزمان ساعة بعد ساعة.. بعد ساعة.. وليس ثمة ما يشي أن الانتظار لن يطول.. سعال جاف كدمدمة تخرج من بطن طبل أجوف يملأ القاعة فيما التوى عنق شيخ كان يقتعد كرسياً خشبياً عتيقاً وراح في سبات عميق.. وكأمل مشرق في صباح ندي، يلوح من جديد من وراء الحاجز الزجاجي المعتم، الطيف.. يأتي.. يقف.. يداه تتحركان تقلب أوراقاً.. تنتقي بعضاً.. ويختفي الطيف.. ثم يعود.. يقلب أوراقاً.. يستبعد البعض.. ويروح ثم يجيء.. أوراق ترتفع.. أخرى تنخفض.. يُنحى البعض وعيون الحشد تتابع مأزومة ما يجري وراء الحاجز الزجاجي المعتم.. مثلما تتحرك رؤوس جمهور كرة التنس.. ومن جديد تتزاحم الأجساد.. تتحرك.. تنداح يميناً.. شمالاً.. تتقدم.. تتراجع.. الرؤوس تعلو والرقاب تستطيل وعلى حين غرة ينفتح الشباك الصغير في الحاجز الزجاجي.. لا رأس هناك وإنما يد سمراء تمتد عبر شباك ممسكة باضمامة من الورق.. وللتو تعلو في الجو غابة من الأيدي.. تتدافع.. تتقاطع.. تتعانق.. ثم تعلو.. تعلو وتعلو في غمرة مسعاها للوصول إلى الشباك الصغير بغية الإمساك بإضمامة الورق.. وفي فضاء القاعة تتطاير كلمات.. انتبه.. انتبهي.. رجاءً.. اليد الممسكة بالورق ترتفع وفي الآن نفسه ينفتح باب القاعة.. قادمون جدد يدخلون ومع مقدمهم تجتاح القاعة، على غير انتظار، هبة ريح عاتية تحمل معها رائحة كتلك التي تفوح من بئر نفطي.. تدور في الفضاء.. تلفح الوجوه.. تقتحم الرئات.. تنخر الأجساد كما الإبر.. الدماء تغلي في العروق وتكتسي الوجوه حمرة بلون الشفق.. وكصخب البحر تندفع غابة الأيدي إلى الأعلى محاولة الإمساك بالورق.. الريح تدور.. تدور وفي غفلة من القوم تختطف الأوراق من اليد الممتدة عبر الشباك.. تدور الريح في الفضاء مدوِّمةً نحو الأعلى فتبدو بما تحمله وكأنها عمود ورقي يدور مسرعاً حول محوره فتندفع الأيدي وراء الريح.. تلاحق الورق.. تدور معها.. الأجساد تدور أيضاً مع حركة الريح والورق.. وفيما كان الحشد يدور مسحوراً كتلة واحدة، امتلأ جو القاعة على حين غرة، ولدهشة الجميع، بمناديل ورقية متطايرة، وجرائد وأشرطة ضفائر الصغار. وإذ كان الحشد يتابع مبهوراً ما كان يجري راحت تلك الأشياء الملونة تتلوى كالأفاعي في الفضاء مشكلة مع الورق الطائر مشهداً فريداً باهراً يقطع الأنفاس، بل قل سمفونية لونية أخاذة ما فتئت أن اجتذبت إليها تشكيلة أخرى ملونة من الإيشاربات المتطايرة والمناديل التقليدية التي تشبه رفيف الحمام.. والكوفيات الحمراء والسوداء التي تركت رؤوس أصحابها حاسرة وراحت تتراقص برشاقة رائعة.. تتلوى كالأفاعي.. تعلو ثم تهبط.. تلامس الرؤوس ثم لا تلبث أن تندفع إلى الأعلى فيقفز جمهور المنتظرين أملاً في الإمساك بها.. لكن الريح تدور في الفضاء دورة أو اثنتين وتهبط بالورق من جديد لتمس الوجوه والضفائر.. تدغدغ الصغار فتعلو في الجو كركرات رقيقة لها رنين أجراس الميلاد.. وشيئاً فشيئاً تهبط أيدي الجمع.. مجموعة إثر مجموعة فيما راحت العيون تتابع مشدوهة الرقصة السمفونية.. والصغار يتقافزون.. يهزجون ويرقصون على إيقاع تلك الرقصة السحرية المعلقة في الفضاء بل إن الجمع كله راح يتماوج دون أن يعي ما كان يفعله.. كان الكل مسحوراً.. نسي الجميع ما جاؤوا من أجله.. وفجأة وقبل أن يفيق القوم من دائرة السحر تلك ارتفع من بين الحشد صوت مولول متطير داعياً الناس أن يغلقوا الباب.. وتراكض نفر من الصغار نحو الباب.. وما أن أوصد الباب بوجه الريح حتى خيم هدوء غير اعتيادي وساد صمت مريب.. عندها توقفت الأشرطة عن رقصتها الأفعوانية وبدأت تتساقط.. والايشاربات كذلك والجرائد واليشامغ والمناديل الورقية وتلك التقليدية أيضاً.. وإذا بالجمع كله.. صغاره وكباره.. نساؤه ورجاله يتقافز.. يتعثر.. يتراكض هنا وهناك وكل واحد يسعى لاستعادة ما يعود له.. لكن أغرب ما في الأمر وما أثار الذهول والحيرة.. أن الأوراق بدلاً من أن تتساقط هي أيضاً، ارتفعت إلى الأعلى لتلتصق بالسقف وكأنها كانت ممسوحة بمادة صمغية ممغنطة... ارتفعت بعض الأيدي تريد الإمساك بالورق.. لكنها تذكرت أنها لا تستطيع أن تطال السقف.. فهبطت بهدوء من جديد فيما كانت العيون تتطلع إلى الأعلى عسى الله أن يلهمها ما يمكنها من استعادة ما ضاع منها. تشرين الثاني 1999 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |