|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
نخلتنا نخلتنا نخلة عجيبة.. إنها لا تشبه أية نخلة من نخلات جيراننا.. هي طويلة فارعة ممشوقة القوام كغادة أشرقت على محياها، منذ أن جاءت لدنيانا هذه، شموس سبعة عشر ربيعاً.. لا التواء فيها ولا اعوجاج ولا انحناء.. وأعقاب كربها متناسقة طولاً وعرضاً.. تفوح طيباً وكأنها قدت من عنبر.. وإن هبت الريح لا تستطيع أن تهز عذقاً من عذوق تمرها. فجذعها يغور بجذوره حتى يصل قلب الأرض.. وحين يطلع من سطحها تراه يعلو ويعلو حتى يلامس سعفها الأخضر السماء الأولى.. وجذعها هذا الذي تنفلق الأرض عنه. ورأسها الذي في السماء تغفو عليه دوماً قطرات من الندى تلتمع في ضوء الشمس فتبدو نخلتنا وكأنها فنار نور أو عمود من مرايا مزار مقدس تنبعث عنه، مع ارتعاشات شعاع الشمس، ألوان تشع بهاء كألوان قوس قزح. حينما كنا صغاراً، وكان ذلك قبل أربعين أو خمسين عاماً، حكت لنا جدتي لأبي، حكاية نخلتنا العجيبة، كنا حينها نقضي ليالي الصيف فوق السطوح. وفي كل ليلة كانت جدتي تحكي لنا حكاية.. مرة من ألف ليلة ومرة من السيرة الهلالية.. ومرة عن الزناتي خليفة.. وأحياناً تقص علينا حكايات الآباء والأجداد.. وحين كنا نسألها من أين تأتي بتلك الحكايات الجميلة لم تكن تدري.. وما كنا نحن أيضاً نعرف آنذاك مصادرها.. لكنها كانت تقول إن جدتها كانت تروي تلك الحكايا.. في إحدى الليالي حكت لنا حكاية أبي الأسير وتمر نخلتنا التي تشبه فناراً من نور.. قالت جدتي: حين عاد ابني من الأسر في أيام "السفربر" وكان قد أسر مع رفاق له في "الغربية"، كان عمر نخلتنا ثلاثة أعوام. وبحكم قانون الطبيعة ما كان بمقدور نخلتنا أن تحمل تمراً لكن ابني كان في شوق عظيم لا يقاوم لتناول حبة تمر طازجة من تمر نخلتنا.. حتى أنه حينما كان في الأسر، كان يحلم كل ليلة -كما قال- بطبق من التمر. كان هو ورفاقه الأسرى يحيطون جلوساً بطبق التمر.. يأكلون منه ويأكلون ويأكلون والتمر لا ينفد.. ومن كان منهم جريحاً سرعان ما كانت جراحة تشفى بعد أن يأكل تمرة أو اثنتين من تمر نخلتنا. قلت لابني العائد من الأسر ولكننا الآن يا بني في فصل الشتاء، والنخل، كما تعلم، لا يحمل تمراً في الأيام الباردة فمن أين آتيك يا ولدي بتمرة طازجة من تمر نخلتنا؟ وكان شتاؤنا، يا أولادي الصغار، ليس كمثل شتائكم.. فالمطر كان غزيراً غزيراً، والرعود والبروق لا تكاد تبارح سماءنا ليلتها لم يغمض لي جفن.. أيعود ابني من الأسر في حرب هي ليست حربنا، ويشتهي تمراً طازجاً من تمر نخلتنا ولا أستطيع أن أقدم له تمرة واحدة.. كنت أتقلب في فراشي حين أسر لي صوت هامس ما أشاع في قلبي فرحاً كبيراً: "لا عليك.. غداً انهضي عند طلوع الشمس وستجدين على نخلتك ما تريدين سألت الصوت: "تمراً"؟ قال: "أجل" قلت له غير مصدقة: "لكنها ما تزال طفلة.. ليس لها من العمر غير سنوات ثلاث كيف تحمل بربك"؟ قال الصوت: "إن الله على كل شيء قدير. انهضي، كما قلت لك، عند طلوع الشمس وسترين.. فهي هنا منذ ألف ألف عام". وأفقت من نومي والفرح يملأ قلبي.. دعكت أذني.. فركت عيني.. التفت حولي.. لم أجد أحداً.. كان بيني وبين الصبح غلالة رقيقة من ضوء الغبش.. توضأت وصليت صلاة الفجر ثم قلت سأهبط إلى حوش دارنا أوقدت سراجاً وسرت إلى حيث تقوم نخلتنا وإذا بي أرى، في ما بين ضوء الغبش الشاحب وبقايا عتمة ليل زائل ما لم تصدقه عيناي.. فركت عيني وفتحتها من جديد.. لأرى نخلتنا وقد تدلى منها ما خلته عذقاً من التمر ذهبي اللون.. فركت عيني مرة أخرى وفتحتها.. إنه رطب حقيقي.. لم أصدق ما رأته عيناي وقلت في نفسي: "لعله حلم جميل.. فالبرد يكاد يجمد الدم في العروق.. كيف تحمل نخلتنا في مثل هذا الموسم". تراجعت إلى الوراء.. خطوة.. خطوتين.. توقفت وأنا أتطلع إلى عذق التمر الذهبي.. ثم اقتربت على وجل والسراج بيدي.. قربته من النخلة.. رفعته ومددت يدي إلى العذق.. تلمسته... شممته.. كانت تفوح منه رائحة كرائحة ريحانة من الجنة.. إنه والله تمر حقيقي.. وبين مصدقة ومكذبة ناديت ابني أن انهض وانظر إلى هذه المعجزة.. لم يصدق هو أيضاً ما رأى.. فالحمل كان تمراً عجيباً.. الواحدة منه تساوي بيضة دجاجة لها من العمر خمسة أعوام أو ستة حين عاد ابني من الأسر، كان عوده قد ذوى.. وأصابه هزال يملأ قلب الناظر إليه مرارة وحسرة.. قطفت حفنة من التمر وتناولناه قبل الفطور وجلسنا نبارك صنيع الله.. وسرعان ما اكتست وجنتا ولدي حمرة وردية وشاعت في وجهه علائم الصحة والعافية. هذا الذي حدث هزني حتى الأعماق وذكرني بحكاية من حكايات جدي لأمي. قال: حين أصاب مدينتنا وباء الطاعون شاهدت بأم عيني.. وأقسم، أني شاهدت بأم عيني نخلتنا وهي تبكي بكاء له طعم الفجيعة لكني لم أكن أسمع نشيجها. فقط كنت أرى دمعها.. وكان دمعها دماً.. أجل كان دماً.. صدقيني يا صغيرتي كان دمعها دماً.. كان ينحدر بين أعقاب الكرب التي قدت من عنبر.. لكن نخلتنا لم تكتف بالبكاء مواساة لنا وإنما همست بأذني "سأحمل لأبناء أخوتي رطباً جنياً" وقد فعلت ما قالت وهل تدرين يا صغيرتي كم حملت من التمر! أظنك لا تصدقين.. فقد حملت ما تحمله مائة نخلة.. وكنا نحن وجارنا الذي إلى اليمين من بيتنا وجارنا الذي إلى اليسار وما بعدهما حتى الجار السابع من كل طرف من أطراف بيتنا، ومن يقابل داره دارنا وحتى الجار السابع من كل طرف من أطراف دار جارنا، كنا نحن وكل هؤلاء الجيران وجيران الجيران نعيش على التمر الذي حملته طيلة أيام المحنة. وما كان التمر لينفد أو أن يصاب بما ينفثه الطاعون من سموم. فكلما كنا نقطف تمراً منها، كنا بعد أيام ثلاثة أو خمسة، نصاب بدهشة تأخذ منا الألباب، إذ كنا نرى تمراً جديداً صار ينمو في موضع ما قطفنا. كنا نصنع من تمرنا ما لذ من الحلوى وطاب.. وقد لا تصدقين يا ابنتي أن تمر نخلتنا هذا هو الذي حمانا من الوباء.. ونخلتنا منذ ذلك الحين لم تتوقف، ولا سنة واحدة عن حمل ثمارها. ويوم أن استشرى في النخيل داء بفعل ما انتشر في الجو من أدواء أحالت التمرة الواحدة على غير نخلتنا إلى ما يشبه قشرة بندقة صغيرة، ظلت نخلتنا شامخة تزهو بتمرها الذهبي الذي تفوح منه رائحة الجنة. حتى أن أهل حينا كلهم لم يصدقوا ما كانوا يرون بأمهات عيونهم.. وكانوا يقولون إنها أعجوبة الدنيا التي لا يأتي الزمان بمثلها إلا كل ألف عام أو أكثر. لكننا هذا العام لا ندري ما الذي أصاب نخلتنا.. فقد صحونا صبيحة يوم من الأيام على ما بدا لأسماعنا نواحاً يملأ الأجواء.. لم نكن نعرف ما كان ذلك الصوت المفجوع. لكنه بدا لنا كما لو كان نواح أمٍ أثكلها ابن عزيز.. رحنا نبحث عن مصدر الصوت.. ركضنا غرباً لكن مصدر النواح لم يكن هناك.. كان يبدو وكأنه آتٍ من الجهة المقابلة.. هرعنا شرقاً، لم يكن هناك أيضاً.. وإنما كان كما لو كان ينبعث من جهة أخرى.. هرعنا شمالاً.. ومرة أخرى لم يكن مصدر النواح هنا.. وما كان في الجنوب أيضاً.. بقينا حيارى لا ندري من أين كان يجيء.. كل ما هناك كان يبدو وكأنه يملأ قبة السماء.. ألقى الوجوم بظلاله على وجوهنا.. فقد كنا عاجزين عن أن نؤاسي ما حسبناه أماً ثكلى.. صعدنا إلى سطح دارنا باحثين.. وكانت المصيبة في انتظارنا... فقد رأينا نخلتنا وقد حل بها ما أشاع في قلوبنا الحزن والأسى.. فقد التوى رأسها وجفت على جذعها قطرات الندى فبدت كذرات ملح مصفر أفسده الزمان.. وحال لون سعفها الأخضر فصار بلون التراب.. وانكمش ثمرها وصار لونه الذي كان ذهباً بلون قشرة بندقة يابسة. وكانت نخلتنا تبكي وكان دمعها دماً يسيل متعرجاً بين أعقاب الكرب.. وعندها أدركنا أن الكون كله، بشموسه وأقماره ونجومه، كان ينوح حزناً على نخلتنا.. وقفنا هناك واجمين تعصرنا الحيرة والحزن والألم.. كانت نخلتنا قبلئذٍ تقف هناك سامقة مرفوعة الرأس لا تعبأ بالسنين ولا بما كان يحل بدارنا من مضرة بين حين من الدهر وحين، يجيء بها غرباء طامعون.. وإن نالها شيء من الوهن بفعل ذاك.. سرعان ما كانت تستعيد عافيتها لحظة يرحلون، وتعود إليها الحياة من جديد، وتعود هي فتعطينا رطباً حلو المذاق.. كانت كذلك، كما قال أبي، منذ ألف عام.. وأمي قالت ذلك أيضاً.. حاولنا أن نستجلي ما حصل، ونكشف السر وراء ما أصاب نخلتنا، لم نصل إلى شيء يشفي غليل الفؤاد.. فمن قائل إنها قد تعبت لثقل ما حملته من سنين.. ومن قائل بل هي عين حاسدة.. وقال ثالث لا هذا ولا ذاك.. إنما هي العناكب السود التي تحلق في سمائنا وتنفث المرض والوباء.. مكثنا حيث كنا لا نعرف حقيقة الأمور ولا ندري ماذا نفعل.. إلا أن ثمة هاجساً كان يسكن أعماقنا.. أن نخلتنا لن تموت وأن يوماً سيأتي، حين تصفو سماؤنا وتموت العناكب السود، تعود الحياة إلى نخلتنا من جديد وتعود هي لتعطينا ثمراً ذهبياً له رائحة العنبر... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |