سميتك زهرة السوسن - بديعة أمين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ديناصورات الأزمنة البليدة *

بدت السماء من خلل دوامات الغبار وهي تتراكض متصاعدة وأسراب الهوام والزواحف والحشرات السامة الملتفة مع الغبار المدوم والتي جرفتها العاصفة الآتية من الجنوب، حمراء قانية وكأنها لوح فضي كامد تتراقص على صفحته ألسنة لهب بلون الدم.. سيول من المطر تتدفق بجنون. وفي لحظة إثر لحظة تشق السموات السبع بروق متلاحقة تخطف الأبصار يعقبها هدير رعود تصم الأذان فيما كان الجو محملاً برائحة نفاذة يشوبها مذاق مر يتسلل إلى اللسان مخترقاً الشفاه المطبقة وهو يزداد حدة وكثافة مع مرور كل لحظة وفي أصغر من جزيئة من الثانية، وإذ كانت العيون تتطلع بخوف وحيرة نحو ما كان يجري في السماء وعلى الأرض اكتظت الأجواء بضجيج اختلط فيه صرير ارتطام صفائح نحاسية وما يوحي بأنين أجراس صدئة لم تقرع منذ ألف عام واستحال الفضاء ساحة حرب تتصارع فيها كتل هائلة من غيوم داكنة ونثيث ثلج يتساقط، وأبخرة يزاحمها دخان بلون القطران. هلع أسود تجمد في العيون الجزعة دون أن يكون لأحد من الناس أن يدرك ما الذي كان يحدث في السماء اعتادوا أن تكون صافية رائقة حتى في الكوانين من أشهر السنة.. وما كان لأحد من الناس أن يدرك ما هي تلك الرائحة الحريفة التي راحت تزكم الأنوف وتعتصر الصدور، أو أن يعرف أي شيء هو ذلك الضجيج المرهق للأسماع ولم تتصارع الغيوم في سماء تتسع لآلاف الكواكب والنجوم والأقمار والشموس والمجرات.. ولا من أين جاء ذلك الدخان ليزيد ظلمة الليل ظلاماً ويختلط بألف سؤال يحوم في الأفواه ((أمعقول.. أمعقول.. غبار ومطر؟ ثلج ودخان؟ ديدان وزواحف؟ حشرات وهوام سامة؟)) وبسخرية مرة.. ((وربما أيضاً ديناصورات آتية من تلك الأزمنة البليدة.. ورمال الصحارى!))‏

وكأن كل ذلك الهول لم يكن كافياً إذ ازدحم الفضاء ما بين الأرض والسماء بكرات وشرر وخيوط ملتهبة وأجسام تجر وراءها ذيولاً من نار وهي تندفع صعوداً ونزولاً منطلقة من كل صوب من الشمال ومن الجنوب.. من الشرق ومن الغرب.. تتساقط هنا وهنا.. وهنا بعيونها العمياء وذاكرتها الذكية لتدمر كل ما تقع عليه.. من جماد وحياة.. ((من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير..)) وكأنها خارجة للتو من سفر يشوع انطفأت الأضواء وساد الظلام.. لم يبق ثمة شيء يرى غير تلك الأجسام الملتهبة والبروق المتلاحقة.. ولم يبق شيء يسمع غير هدير الرعد.. ودوي الانفجارات وعويل الريح.. بكاء الأطفال وصرخاتهم المذعورة.. ودعوات ترتفع إلى الله أن يرفق بعباده ويوقف ذلك الجنون.. وأصوات تهمس بخشوع ((إنه يوم الحشر))... ((إن الساعة قد قامت لا ريب فيها..)) فيما راحت النسوة يقرأن، سورة الدخان..‏

هبت من الفراش مذعورة.. في البدء وقفت جامدة كلوح من ثلج.. غير مدركة ما الذي يجري.. للحظات شل تفكيرها ولم يكن بوسعها أن تسمع أو أن ترى شيئاً.. لم تكن تحس بغير انثيالات ثلجية تتهاوى في أعماقها كأنها انهيارات جليد قطبي فتبعث في أوصالها رجفة تهزها حتى النخاع..‏

العالم من حولها كان يدور وقد انقلب رأساً على عقب.. الريح تزأر مقتلعة كل ما كانت تمر به من شجر وزرع وأعمدة أضوية كهربائية وأسلاك تتقاطع في سماء المدينة.. دوي هائل مزق الكون.. اهتز البيت كله.. بجدرانه وأرضه وسمائه.. ارتجت الأبواب والنوافذ.. أصوات زجاج يتكسر.. يتطاير ثم يهوي على الأرض.. وفي صدرها من موضع قرب القلب.. دم حار تدفق.. عندها وكمن يستفيق من غيبوبة تذكرت الصغيرين.. اندفعت في الظلمة تحاول أن تجد الطريق إلى غرفة صغيريها غير آبهة بالدم النازف من صدرها.. أخذت تتلمس ما في طريقها من أثاث فتصطدم تارة بما هناك وتصيب موقع قدمها تارة أخرى.. هذه خزانة الكتب.. هنا التلفزيون.. هنا مقعد.. وهذا حامل أصيص الزهور قرب النافذة الشمالية.. هي الآن في الفسحة المطلة على الحديقة حيث تتناول هي والصغار عادة شاي الصباح.. وهنا ممر ضيق يتفرع باتجاهين يقود أحدهما إلى غرفة الصغيرين ويتجه الآخر نحو غرفة الجلوس.. لكنها في الظلام ونثيث الثلج المتساقط في أعماقها.. وأجواء الرعب التي لفت الكون كله بما كان يتخللها من ضجيج ودوي وبروق فقدت إحساسها بالاتجاه.. ومضت تتلمس طريقها حتى مست يدها حاشية منضدة جانبية في غرفة الجلوس.. إذن.. هي قد ضلت الطريق إلى غرفة الصغيرين.. استدارت.. سارت باتجاه ظنته المسار الصحيح لكنها وجدت نفسها في غرفة نومها هي.. استدارت ثانية.. سارت وهي تمد يديها إلى أمام تتلمس ما في طريقها.. فإذا بها تعود إلى غرفة الجلوس من جديد..‏

تسمرت في مكانها لحظة من الزمن والخوف يتبرعم في داخلها كشجيرة حنظل خشية ألا تجد الطريق إلى غرفة صغيريها.. لكنها سرعان ما استعادت ذاتها وبدأت رحلة جديدة. انتابها إحساس أن كل شيء في جسدها قد تزعزع عن موضعه الطبيعي ولم يعد موجوداً حيث خلقه الله.. فلا الكبد بقي في موقعه ولا الرئتان ولا المعدة ولا الكليتان..‏

والأمعاء كلها انكمشت حتى غدت عقداً متشنجة تضخ على دفعات آلاماً متتالية فكان لشدة ضرباته يوشك أن ينفجر.. فيما كانت تسري تحت الجلد رعشة خفيفة متواصلة لا تكاد تتوقف.. وإن توقفت فلتبدأ من جديد..‏

حاولت أن تنادي ابنها الأكبر.. تلعثمت.. فأفأت وثأثأت.. ولم يخرج من بين شفتيها غير أصوات مبهمة لا تفقه عن شيء ذي معنى.. اصطدمت بشيء أثناء سيرها العشوائي.. تلمسته..‏

إنه سرير أحد الصغيرين.. بل هو سرير أصغر صغيريها.. ولدهشتها.. نجحت في أن تنطق باسمه بعد أن تسلل شيء من الاطمئنان إلى قلبها إثر وصولها غرفة الصغيرين. ومدت يدها تريد انتشال الصغير.. لكنه لم يكن هناك.. تلمست الفراش كله من جديد.. لا أحد هناك.. تزاحمت في رأسها الظنون والوساوس والأسئلة أين يمكن أن يكون.. ربما انضم لأخيه ليجد عنده بعض الأمان حاولت أن تشق طريقها إلى سرير الآخر.. تعثرت بلعب الأطفال المبعثرة هنا وهناك.. انبعثت زقزقة عصفور مطاطي كانت قد داسته بقدمها.. وصلت أخيراً إلى سرير الطفل الآخر.. كان هناك يرتجف رعباً وقد تجمد لصق الجدار وتكور على نفسه كأرنب مذعور ((لا تخف يا حبيبي)) مدت يديها إليه سحبته وضمته إلى صدرها.. كان قلبه يدق بعنف أشد من قلبها ((لا تخف يا عزيزي.. ولكن أين شقيقك؟)) وبصوت متعلثم ((لا أد.. لا أدري)) ((يا رب.. أين يمكن أن يكون؟)) وراحت تناديه بصوت مرتجف دون جدوى.. همست بأذن صغيرها ((قم.. قم معي.. لا تخف.. هيا.. سنبحث عن أخيك.. هيا.. هيا..)) أمسكت بيد الصغير وهي تتلمس طريقها بصعوبة مستضيئة بما تعكسه البروق والأجسام النارية المتدافعة في سماء المدينة، للحظة ظنت أنه قد يكون مختبئاً في غرفة الجلوس.. ربما خلف المقاعد أو تحت منضدة كما يفعل أحياناً وهو يلاعب أخاه.. نادته من جديد.. لا جواب هناك والعاصفة تشتد ضراوة وهياجاً.. سيوف من البرق تضرب السماء بلا هوادة.. فيما اشتد دوي الرعد والانفجارات. والمطر.. المطر يتهاوى كشلال تطوح به الريح شمالاً وجنوباً وهي تعوي كذئاب جائعة من ألف عام. راحت تحدث نفسها بصمت ((أين يكون قد ذهب في هذا الجو اللعين؟ هل خرج إلى الحديقة؟ ربما راح يبحث عن قطته الصغيرة.)) فكرت أن تعيد ابنها إلى فراشه ((اسمع.. ابق أنت هنا في السرير غطته بدثار صوفي... وتلمست طريقها نحو الحديقة.. بين لحظة وأخرى كانت تحس أن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها وأنها تكاد تسقط أرضاً.. لكنها كانت تكافح من أجل أن تبقى واقفة حتى تجد الصغير.. وصلت إلى الباب.. فتحته.. هبة ريح ثلجية لسعت وجهها حاملة معها دفقة من رذاذ المطر فيما هزت أعماقها قشعريرة باردة سرت كسرب من النمل من أسفل الظهر حتى رأسها.. انكمشت على نفسها.. ارتدت إلى الوراء.. لكنها ما لبثت أن اندفعت إلى الخارج إذ تراءى لها الصغير وقد أصابته شظية حارقة من تلك الأجسام البربرية المتفجرة.. انطلقت غير مبالية بالعاصفة حتى بلغت عريشة زهور الرازقي حيث يحب أن يلعب دوماً، وقفت تحت العريشة والخوف مطر يتساقط في أعماقها.. وفي ضوء البروق ساحت ببصرها في أرجاء الحديقة.. تحت أشجار التين والزيتون والبرتقال.. لم يكن هناك ولا حتى تحت نخلة البرحي ولا سنديانة الشمال.. المطر بلل شعرها.. وجهها.. وملابسها فيها اشتعلت في كل وريد في جسدها وشريان موجة من نيران لاهبة وهي تكرر السؤال بصمت: أين يمكن أن يكون؟ وفجأة تذكرت: ((هناك)) أجل.. لا بد أن يكون هناك..)) وانطلقت نحو الفراخ.. وفي لمعة برق أضاءت الكون كله لمحته منزوياً في بيت الفراخ وقد تقوقع على نفسه وهو يرتجف رعباً محتضناً قطته الصغيرة.. اندفعت إليه.. انتشلته من الأرض هو قطته.. كان قلباهما يدقان بعنف يكاد يمزق صدريهما الصغيرين احتضنتهما وهرعت إلى الدار..‏

أبدلت ملابسه المبتلة.. وضعته في السرير قرب أخيه.. جففت القطة.. لفتها بغطاء صوفي ووضعتها تحت السرير.. ظل ابتسامة شفتيه مر على وجهها أغمضت عينيها.. وجلست عند حافة سرير الصغيرين تنتظر مشرق الشمس وقد نسيت الجرح الغائر في صدرها على مقربة من القلب.‏

* نشرت في جريدة الزمن، بغداد، العدد صفر، 29 شباط 2000.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244