سميتك زهرة السوسن - بديعة أمين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حكاية قصة

وكان قطرة من دم سومري‏

تخثرت عند أبواب سومر تنتظر‏

المخاضات القادمة لتمنحها شيئاً‏

من سر الوجود ودفئه‏

ويمضي الزمان.. وتتفجر حياة‏

في قطرة الدم التي تخثرت عند‏

أبواب سومر‏

وتبزغ من‏

سر الليالي شموس مترعة‏

بالمحبة والضياء،..‏

سيطرت عليّ في وقت من الأوقات رغبة كانت على درجة من الغرابة واللا معقولية إنها لم تلق في نفسي هوى. قلت: عليّ أن أبعدها عن ذهني وتفكيري قبل أن يستفحل أمرها فلا يعود بمقدوري الخلاص منها.. ورحت أبحث عن وسيلة لذلك حتى اهتديت إلى ما ظننته طوق النجاة.. وبدأت المحاولة.. إلا أنني مهما بذلت من جهد في ما كنت أحسبه يملك من القدرة على إبعاد تلك الرغبة عن رأسي -بل وربما القضاء عليها مرة وإلى الأبد- فإنها كانت. ويا للعجب.. سرعان ما تجد منفذاً تتسلل من خلاله بهدوء، إلى رأسي ثانية، بل وتزداد تشبثاً واستبداداً وتعنتاً، إن جاز إطلاق مثل هذه التعابير عليها، ولم يكن ثمة ما يمكن أن ينهي هيمنتها على ما كنت ألجأ إليه ومن وسائل الإلهاء والتضليل الذاتي. فإن شرعت مثلاً بممارسة ما أشعر بميل طبيعي نحوه كقراءة عمل أدبي: رواية.. شعر.. مسرحية.. قصة.. أو ما كان يتناول قضايا الفكر والفلسفة أو التاريخ وغير ذلك مما لا يدخل في خانة الأدب، فإنها كانت تتلاشى، كما كنت أتخيل، أو تنزوي في زاوية خفية بين خلايا الدماغ. لحظتها، يتملكني إحساس رائع بالتحرر وبفرح صاف يأخذني حيث تحلق النجوم.. لكن سعادتي لم تكن، لسوء الحظ تدوم أكثر من دقائق.. إذ ما أن أصل الصفحة الثانية أو الثالثة، في أفضل الأحوال، حتى أجد أن ذهني لم يكن قادراً على التركيز على ما كنت أقرأ.. حتى وإن كان ذلك من أكثر المواد الأدبية والفكرية تشويقاً وإمتاعاً، وإنما كان يخوض بصمت صراعاً حقيقياً مع تلك الرغبة الغريبة.. وكثيراً ما كنت أشعر أن ضرباً من التوسل، من جانبي طبعاً، يلون ذلك الصراع من أجل أن تتخلى عني تلك الرغبة المهووسة لساعتين أو حتى لساعة واحدة من الزمن، كي أتمم بعض ما كنت أقرأ.. إلا أنني كنت أخرج من ذلك الصراع دوماً وأنا أجر أذيال الخيبة والقنوط فالمسألة مع مرور الأيام، لم تعد تقتصر على عجزي عن التركيز واستيعاب ما كنت أقرأ، وإنما الذي يحدث هو أن الكلمات تبدو وكأنها تراوغني.. فتندفع يميناً حتى تصل بداية السطر، وقبل أن أتمكن من اللحاق بها، تتدحرج يساراً حتى النهاية الثانية من السطر، بل وحتى أنها كانت تتقافز على جانبي الصفحة فتتساقط متناثرة هنا وهناك، ثم تتراكض عائدة إلى مواقعها.. والحروف لم تكن أقل شقاوة.. كانت تتراقص... تتأرجح في الهواء فتشرق شرقاً وتغرب غرباً أو تهبط حتى تصل الحاشية السفلى من الصفحة لتتسلق نحو الأعلى من جديد..‏

وعبثاً كانت عيناي تحاولان الإمساك بها.. أو أنها كانت تمارس ما يبدو أشبه بلعبة كنا نلعبها في أيام الطفولة البريئة.. حيث كنا، نحن الأطفال، نختبئ في أماكن وزوايا متفرقة ليقوم واحد منا بالبحث عنا.. هكذا كانت الحروف.. يختبئ الواحد منها خلف الآخر.. ثم تتحداني ساخرة حتى أكاد أسمعها وهي توجه الحديث لي متحدية: هه.. والآن أتستطيعين العثور عليّ؟ أتعرفين أين أنا؟ هيا.. هيا.. هلاَّ وجدتني؟ وأكاد أسمع قهقهة خافتة مرتعشة تنبعث في الجو من الكلمات والحروف تبدو في هزالها أشبه بالصرير البائس الذي ينبعث من بطل قصة قرأتها منذ زمان حيث مسخه سوء طالعه أو، ربما قلم المؤلف، ليجد نفسه في صبيحة يوم من الأيام، وقد استحال حشرة ضخمة ترقد على ظهرها وأطرافها المتعددة تتأرجح في الهواء دون أن يستطيع السيطرة عليها.. وتمعن الكلمات في مزاحها الساخر.. بل وحتى إنها ذهبت إلى مدى اتهامي بالسرقة الأدبية: فقلت لها متسائلة: أية سرقة أدبية تعنين؟ قالت: ما جئت به في المقدمة، فقلت لها: لكن ما جئت به يعود لمن خلقتني.. أقتبسته من مقال عن الفن القطري وعوالمه التي تضج بالمسرة والخلق والإبداع.‏

فتحاججني: حسناً.. أنا أصدقك.. ولكن أين مكانه في ما نحن به؟‏

فأرد عليها: سيأتي.. سيأتي والله.. كما سترين. وأفيق من شبه إغفاءة.. أمسح بقايا الحلم عن عيوني.. أبحث عن الكلمات فأجدها في مواقعها حيث أراد لها مؤلفها أن تكون.. وأعود لقراءتي.. وكلي رجاء أن أكون قادرة على التركيز على ما سأقرأ لكن عبثاً.. أحاول من جديد أن أجد منفذاً لأزمتي فأتسلح برصانة مفتعلة إذ أنني في حالات كهذه أشعر أن نيران الغضب المتأججة في صدري تكاد تفقدني صوابي وتلتهم كل ما تعلمته في سني حياتي من حكمة وصبر على الشدائد.. مما يجعلني مستعدة تماماً حتى لتمزيق الكتاب الذي أقرأ.. لكني أعود فأناشد نفسي أن تتجمل بالصبر خوفاً على ما بين يدي.. فأتظاهر بأني قد بلغت من الإعياء الفكري ما يسوغ لي أن أدع الكتاب جانباً لأستجمع طاقة ذهنية جديدة تمكنني من متابعة القراءة فيما بعد.. عندها أمني نفسي بأنني سأريح ضميري وأشعر بسعادة لأنني لم أمنح تلك الكلمات والحروف فرصة لتسخر مني وإني انتصرت على تلك الرغبة الملحاح التي تطالبني أن أكتب قصة! أنا؟ أنا أكتب قصة؟ يا للهول!! فأنا لم أفكر في يوم من الأيام أن أقوم بمثل هذه المغامرة.. ترى.. أهي نزوة؟ في البدء خلتها كذلك.. غير أن شيئاً ينغص عليّ حياتي ويلازمني ليلاً ونهاراً ويقلب كل ما أخطط له رأساً على عقب ويستبد بتفكيري الوقت كله.. لا أظن أنه يمكن أن يكون نزوة عابرة، وإن كنت أدرك تماماً أنني لست أهلاً لدخول عالم الأدب. إذن.. عليّ أن أبحث عن طريق آخر لإبعاد تلك الرغبة عن رأسي. وبعد أن قلّبت كل الاحتمالات وجدت أنه قد يكون من الحكمة أن أشغل نفسي بشيء آخر غير القراءة.. بعمل يدوي مثلاً لا يتطلب تركيزاً فكرياً عالياً.. اخرج إلى حديقة الدار.. أتجول فيها بحثاً عما يتطلب عناية خاصة..‏

أقطع الأغصان الجافة.. أزيل الأوراق اليابسة.. أجتث الأدغال والأعشاب الطفيلية التي لا تفعل شيئاً غير الاستحواذ على الشمس والهواء وما في التربة من مواد غذائية تحتاجها النباتات الأخرى من زهور وأشجار.. لكن.. ويالها من لكن تعيسة.. فكثيراً ما أجد أن هذه الطريقة العملية في الإلهاء والتضليل الذاتي، لا تصيب كثيراً من النجاح.. إذ سرعان ما أكتشف أنني غالباً ما كنت أحلق مع تلك الرغبة اللجوج حيث تريدني أن أحلق في فضاءات رحبة بعيدة ولكن دون نتيجة تذكر.. ودون ما قد أطمح إليه لو أنني استجبت لتلك الرغبة وأزحت عن نفسي خوف المغامرة الأولى وحققت لها ما تريد.. وأعود لأفكر من جديد ما الذي يمكنه أن ينتشلني من هذه المحنة.‏

وتذكرت هواية قديمة كنت ألجأ إليها حين يتملكني شعور بالوحدة أو الملل.. قلت لنفسي: حسناً يا عزيزتي.. ما رأيك أن نعيد الحياة لتلك الهواية الممتعة؟ واخترت زاوية معتمة نوعاً ما.. أوقدت شمعة وجلست أتأمل ما سميته تحولات الشمع، ذوبان الشمع يمنحني، لسبب لا أدريه، إحساساً غريباً بالرضا.. ربما كان الإحساس ذاته لأولئك الذي يحرقون ذواتهم كي يضيئوا دروب الآخرين.. دون أن تقعدهم حقيقة أنهم هم أنفسهم يسيرون في دروب الفناء.. وحين احترقت الشمعة ولم يبق منها غير ذبالة تتحدى بحيرة الشمع الذائب الذي يحيط بها كانت شمعة متألقة، ثبت فوقها شمعة ثانية ورحت أرقب تراقص اللهب ومسرى قطرات الشمع الذي بدأ يتخذ أشكالاً جميلة موحية بعد احتراق الشمعة التاسعة أو العاشرة.. كانت تلك الأشكال مثيرة إلى درجة أنني لم أتمالك نفسي أمام ما كانت توحي به من بواعث الإحساس بمواطن الجمال في تلك التشكيلات العفوية فرحت أشارك الطبيعة في عملها المدهش ذاك، بأن أجعل الشمع الذائب ينحرف عن مساره ليسيل باتجاه يقود في النهاية إلى بلورة الأفكار والتصورات التي أخذت تتزاحم في رأسي باحثة عمن يبعث فيها الحياة فيحولها من أفكار وتصورات ذهنية إلى كيانات مادية تحتل موقعاً لها في عالمنا الأرضي.. وإذا بي أمام عالم يضج بالحركة والحياة.. فثمة منارات صاعدة.. أعمدة متدلية رؤوس طفلة تخبو ثم تبرق مبتسمة في مسرى الشمع وأخرى أدركتها الكهولة... حيوانات برؤوس متعددة وبأطراف طيور غادرت مرابعها على الجدران البابلية وجاءت لتفجر في ذوب شموعي قطرة الدم التي تخثرت عند أبواب سومر.. غيلان.. حيتان.. أفاعٍ تلتف حول بعضها ومخلوقات خرافية تثير العجب وكأنها خرجت للتو من تحت أزميل منعم فرات، أو ربما كانت "فيضاً من رؤى لم ترها عين ولم يرتعش لها فؤاد.. لعلها الرؤى التي أبصرتها في غابة الأرز عينا كلكامش، وهو يخوض معركته ضد وحش الغابة تنتفض اليوم من جديد لتودع في قلوبنا سر الخلود، ميراثاً قدسياً لكل جيل آت".. بل حتى خيل لي في لحظة من اللحظات أن ذلك الشكل الذي أخذ يتشكل من ذوب الشموع إنما هو كلكامش بعينه يصارع وصديقه أنكيدو ثور السماء.. ولم تكد تمضي هنيهة من الزمن حتى بتلك المخلوقات تتزاحم.. تتباعد.. تتقارب.. تتصارع من أجل البقاء قبل أن تفنى بالتحامها مع ذوب جارف يلتهم ما كان في طريقه من كائنات مثله مثل السمك الكبير.. والسمك الصغير يزوغ يمنة فيسرة.. ينزلق نحو الأعماق ثم يعلو.. يراوغ.. ينتحب.. يبكي.. دموعه تختلط بالشمع الذائب وهو يستصرخ ضمير السمك الكبير ملتمساً النجاة من دون جدوى إذ يلاحقه هذا غير مبال وكأني أسمع ما يدور في خاطره: ما كنت قد جئت لأتفرج على مخلوقات هزيلة لا تقوى حتى على أن تموت.. يتعالى الصراخ والعويل.. العتمة تزداد كثافة-لا.. لا.. لا أريد أن أموت وتنطفئ الشموع.. أسمع حشرجة.. فثمة من يعاني الاختناق.. قلبي يزداد خفقاناً.. ويجيء الظلام.. إحساس بخوف مبهم ينهمر في أعماقي.. رعشة تسري في جسدي.. وتنبعث شهقة الموت.. أبكي حزناً على الكائنات الصغيرة.. أضيء مصباحاً صغيراً.. أحاول أن أستعيد هدوء نفسي.. أبعد الشمع وعالمه الساحر الغريب.. وكمن يستفيق من إغفاءة مسحورة.. أحسست بروحي شفافة خفيفة.. وبدا الكون كله صافياً رقراقاً تتلألأ في سمائه آلاف.. آلاف النجوم.. وذهني خال من كل هم.. عندها أدركت أن تلك الرغبة الملحاح قد توارت بعيداً..‏

وأعود لما كتبت.. أقرأه.. لأكتشف أن ما كتبته كان حقاً قصة قصيرة.. قد تصلح للنشر...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244