|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
قالت لــه -1- قالت لـه: ذات صباح التقينا مصادفة في طريق واحدة، وصرنا من دون مصادفة نلتقي كل يوم. وأردفت وعيناها تنظران إلى الضوء الذي يرسله مصباح الشارع إلى غرفتها المظلمة: -المرء يجود بما يملك... وليس لديَّ سوى روحي وجسدي وهما لك. فارتمى عليها، وكانت ثيابهما تتكوم قطعة قطعة إلى جوار الفراش وتتعانق ولا تنام. -2- في لحظة النشوة أو ما قبلها بقليل، كانت هناك أيدٍ تتدافع على الباب، تطرقه بقسوة، نهضا مذعورين، حمل كومة الملابس وركض إلى غرفتها الخلفية، لحقته مع عريها وخوفها، وكانا يرتجفان، وينتظران مدية أو طلقة مسدس تعيد النشوة إليهما. -3- وخلال ثوان كانا قد ارتديا من ملابسهما ما يمكن ارتداؤه، انسل خارج منزلها من بابه الخلفي تسلق الجدار، وانزلق إلى شارع فرعي، ثم سار متمهلاً يسبقه ذعر قلبه، وفي منزل صديقه أكمل ارتداء ما تبقى من ملابسه وغفا. -4- أضاءت وجهها بسمة فرحة: -لقد أسمعتني مرة قصيدة تتحدث عن خلاف نشأ بين عاشقين، وعندما وقفت تراقب ارتحاله بعيداً عنها، لمحت السماء تمطر بغزارة فلحقته بمظلتها. شرقت بضحكة أضفت على الطبيعة ألواناً زاهية: -أما أنا فقد لحقت بك لأعيد إليك نظارتك التي نسيتها في غرفتي. -5- قالت له: مشيت إليك في الصباح والمساء تسبقني خطواتي الفرحة إلى لقائك. استعرت من الفراشات أجنحتها كي أطير بأشواقي إلى صدرك. سأهبك حبي على دفعات رغم أنني موقنة أنه لن ينضب. وتابعت: -خاتمتك بين يدي أيها العصفور الشقي الذي تعود تسلق أجساد النساء لكنك ارتميت أخيراً بين ذراعيّ مقصوص الجناحين. وقالت: -ها صدري فراش لك فاسترح أيها المحارب المتعب. وتابعت: -العيون تترصد لقاءاتنا، وهي تتحفز للانقضاض علينا، فلنحافظ على حبنا. وقالت له: -العشق ليس ثوباً نقلع عن ارتدائه عندما نريد. شدها إليه: -أحتاج إلى الكثير من التبغ، وزجاجات الكحول، وعشرات من علب الأدوية المهدئة لأجعل وجهك يرحل عن عيني ولو للحظة كي أنام. والتحما ببعضهما والخوف يزيد التصاق الجسدين المرتجفين. -6- أسندت وجهها إلى يديها، مدَّ أصابعه المرتعشة إلى شعرها، ودَّ أن يسند وجهه إلى صدرها وينتحب، أبعدت يده عنها، ونظرت في عينيه متسائلة، وما كان يدرك إجابة ما يحدث لهما. جذبها إليه، واستغرقا في قبلة باردة، عضَّت شفته بقسوة، وكاد يصرخ من ألمه: -شفتاك تقضمان شفتيّ كهرة. همست له: -سيحولني عشقك إلى ذئبة. ثم شدته إليها بحرارة، ومن خلال دموعها شتمته: -أيها الكارثة، في لقائنا الأول جاء أقاربي، وفي الثاني لمحنا مدير دائرتنا فنقلني بعيداً عنك، وفي الثالث انفجر إطار الباص الذي يقلني إلى موعدك. ارتسمت ابتسامة ميتة على وجهه الكئيب، شدت أنفه وتابعت: -وماذا سيحدث لنا في لقاءاتنا القادمة..؟! والتحمت أصابعهما المرتعشة، ولمح دموع الأصابع تنزف ببطء، وتهطل على أرضية الغرفة وتغرقها. -7- قالت له: سأخترق قلبك، أبحر في شرايينك، أختلط مع دمائك، أشظي جسدك، ثم أعيد ترتيب حياتك كما أشتهي. وقالت: ماذا فعلت بي...؟؟... رغم الساعات التي نقضيها معاً كل يوم فأنا مشتاقة إليك. وأردفت: الوحدة قاتلة، والفراغ موحش، كم قضيت ليالي في فراشي وحيدة يمزقني صقيعي وأحن فيها إلى يديك وهما تعبثان بشعري وتلامسان وجهي وشفتي و... وتابعت: حاولت مراراً الهرب منك... نسيانك... الابتعاد عنك والانشغال عن التفكير بك، لكنني كنت عاجزة عن كل شيء إلاّ عن عشقك. وقالت: لا تتخلَ عني، لقد أتعبتني، أشعر أنني مرهقة ومريضة وأريد النوم. وقالت له: في كل ليلة وعند انتصافها، أنهض من فراشي ساعية إلى دفئك، أنتظرك طويلاً، وعندما ألمحك قادماً أفتح لك قلبي قبل أن أفتح لك بوابة منزلي، أضمك إلى صدري، أتحسس وجهك بأصابعي وشفتي ثم أقودك إلى الداخل. وفي الليلة التي لا تجيء فيها أعرف أن تعبك وظروفك القاهرة منعاك من المجيء، ومع ذلك أظل أنتظرك، وأعود وحيدة إلى فراشي قبيل شروق الشمس وكأنك تسابق خطواتي، أسقط جسدي على الفراش وأنا أحدق في عينيك، وبعد أن أهمس لك: أحبك يا صغيري أغفو بعمق لأعايش أحلامي المتواصلة بك. -8- الشجرة يبست، أو كادت، الثلوج التي هطلت عليها منذ زمن ظلت تتراكم، ناءت الشجرة بما تحمل، تململت، رفعت أغصانها باتجاه الشمس البعيدة مستجدية دون جدوى. العصافير تمر بها سريعة ثم تحط على الأشجار المزدانة بالخضرة وتطلق تغريدها، فتهطل دموع الشجرة، ولا يد تمتد لتكفكف تلك الدموع. سنوات مرَّت والثلوج لا تهطل إلاّ عليها. ذات مرة عبرها عصفور صغير، ابتسم لها، ووقف فوق أغصانها يرسل تغريده الحزين، ابتسمت له فبدأ ثلجها يذوب، تنقل العصفور من غصن إلى آخر، التحم بالشجرة، وظلت مياهها الثلجية تذوب وتسيل فوق الأراضي العطشى. -9- الغيوم غطت سماءاته، تكاثفت، طار بحثاً عن قمره، دار المدن وسافر إلى بلاد بعيدة، عبر أراضي "أرمينية" وانتقل إلى "جورجيا" ثم إلى "سوتشي"* ، وحطّ رحاله في "موسكو" وكانت هناك أقمار صغيرة تومض لليلة أو أكثر فيخالها قمره الحلم، يركض إليه فيكتشف السراب أينما ارتحل. عاد يحمل جراحاته وبقايا أحلامه، وعند مدخل مدينته وقف مذهولاً أمام قمر يرتعش من الشوق، مدَّ القمر أشعته إلى الوجه فأضاءه، تلمس القمر بقايا الجسد المتعب فنهض مكتمل العافية، هبط القمر من عليائه فاحتضنه، أضاء سماءات عمره المظلمة، ولأول مرة ابتسم وجهه الكئيب، نعم وبكل حياد أقول لكم: -لقد رأيت وجهه يشرق لكنني لمحت بقايا دموع تنفر من عينيه. -10- صباح البارحة بحثت عنهما، قلت عليَّ أن أواصل متابعة عشقهما، رأيت الشجرة واقفة وحيدة تمدُّ أوراقها اليابسة باتجاه شمس راحلة، وكانت ندف الثلج تهبط عليها، تركت الشجرة واقفة مع حزنها وسرت طويلاً أبحث عن عصفورها الغائب. رأيته يسير مطرقاً، صرخت به، هزَّ جناحيه الضامرين وأشار إلى فمه الذي احتبس فيه الغناء وغاب بعيداً وسمعت صوتاً يهمس: وداعاً. وما عرفت حتى هذه اللحظة هل قال لها، أم أنها هي التي قالت له. الرقة - 1993 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |