|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
آخـــر المتعـبين قبيل منتصف الليل، أنهى "غريب التعبان" عمله اليومي، وحث خطواته باتجاه منزله البعيد، آلام قدميه ترغمانه على الإبطاء في سيره، استرجع إرشادات الطبيب له: -إنها "المناقير" في قدميك.. عليك أن تستريح، لا تقف طويلاً.. همس في داخله ساخراً من نصائح الطبيب: -وكيف لي أن أستريح.. وأين أجد الراحة..؟ خمس ساعات في المدرسة.. وعشر ساعات في العمل.. وكلها تتطلب الوقوف خشية من العقوبة في المدرسة والطرد من العمل.. وارتسمت صورة المدير أمام عينيه وتكشيرته الدائمة: -أنت لا تخرج من صفك خلال الفرص.. وهذا مخالف للأنظمة، لماذا لا تشارك زملاءك وزميلاتك في الحوارات أثناء الراحة.. أم أنك ضد الاختلاط؟ وتألم من موقفه واعتذاره من المدير غير مرة خوفاً أن يعرف المدير أنه يستريح في غرفة الصف أثناء الفرص، ويغمض عينيه ويستسلم لنوم قصير يقطعه أصوات ضجيج التلاميذ وهم يصعدون الدرج، وعندما ينتظمون في أماكنهم داخل الصف، يرسم الابتسامة على شفتيه وينهض ليؤدي واجبه أمامهم. في آخر زيارة للموجه التربوي إلى المدرسة، استدعاه إلى غرفة الإدارة، وقال له في ودٍ يخفي تهديداً صريحاً: -كثرت شكاوى المدير منك.. أنت تتأخر دائماً في الحضور إلى المدرسة، وتهمل دفتر التحضير.. ولا تحادث زملاءك وزميلاتك خلال الفرص. انعطف إلى شارع فرعي كي يختصر طريقه، مرّ أمام العمارات الشاهقة والقصور الفاخرة التي شيدت حديثاً، تأمل الأضواء المتراقصة والحدائق المليئة بالألعاب، ابتسم حين تذكر أطفاله وطلباتهم وإلحاحهم الدائم بضرورة زيادة مصروفهم اليومي. أحس بالاكتئاب حين تذكر المشهد اليومي المتكرر والذي سيواجه زوجته فيه، وسيستمع إلى اتهاماتها الدائمة له بإهماله لها، وإلحاحها بضرورة شراء ثياب جديدة كي ترتديها أمام الجارات وقائمة المتطلبات التي تصفعه بها كل مساء. بدأ يدمدم لحن أغنية فرحة كان يغنيها منذ سنوات: -إنها الحياة.. لماذا استسلم لهذه الأفكار السوداء..؟ أغلب الناس يعملون ويتعبون ويعانون مثلي من ضغط الحياة عبرته سيارة مسرعة، ومن داخلها انبعث صوت مطرب يغني أمه: -يا أمي.. ردد اللحن رغم رداءة صوته، انقبض داخله حين تذكر أنه لم يزر أمه منذ أسبوع، ولم يحضر لها الأدوية التي طلبتها منه: -لقد بت تهملني يا غريب.. أنت أناني.. لماذا يلجأ إليك أخوتك في مشاكلهم وتتقاعس عن حلها لهم؟ تمتم بكلمات مرتجفة: -آه.. آخ.. زوجتي.. أخوتي.. أطفالي.. أصدقائي. طلباتهم لا تنتهي.. وعليك يا غريب أن تنفذ رغباتهم. ازداد ألمه بعد أن تيقن أن علاقته مع الآخرين تكون جيدة بمقدار ما يقدمه لهم، وعليه دائماً أن يكون عبداً لرغباتهم كي يكسب ودهم، أربعون عاماً مرت، الآلام أرهقته، والخيانات وغدر الأحبة والأصدقاء حتّ من قدرة جسده على المقاومة، ترنح في مشيته واصطدمت قدمه بحجر كبير ملقى في منتصف الطريق، أنّ من ألمه: -أنت يا غريب أشبه بالحمار، تسير دون هدى، ولا تنظر أمامك. كزّ على أسنانه كي يخفي ألمه: -آه كم تمنيت لو كنت حماراً.. الحمار بعد أن ينتهي من عمله يطلقه صاحبه في الحقل كي يأكل حتى يشبع ثم ينام ملء عينيه حتى الصباح، أما أنا.. خمسَ عشرة ساعة من العمل المجهد يومياً، ولا أحد يسألني إن كنت أشكو من شيء، أو يحاول الاهتمام بي، ويشعرني بإنسانيتي. قرر أن يمر على صديقه الذي التصق به منذ عشرين عاماً.. وكان يجاهر أمام الآخرين: -إنه توأم روحي. لكنه سرعان ما أبعد الرغبة من مخيلته حين تذكر أن صديقه قد سافر إلى العاصمة منذ أيام دون أن يمرّ عليه أو يتصل به، لعن في سره روحه وتوأمها حين ارتسمت في ذاكرته تلك الرحلات التي قطعها إلى العاصمة لتلبية طلبات وأوامر ذاك الصديق. غاصت قدماه في بركة ماءٍ، شتم الموجودات، وكل من مرّ في حياته وأضاف إليها المزيد من الآلام. لا زال بيته بعيداً، وئيداً جرّ قدميه، ثم جلس على حافة الطريق حين أرهقه التعب: -أنا مطالب دائماً بخدمة الآخرين.. وإذا قصرت يوماً فهي إدانة تلتصق بي ما حييت نهض متألماً من جلسته، وشعر بمياه ساخنة تداعب وجهه: -أيبكي الرجال يا غريب..؟ سأل نفسه، .. ثم شد على شفتيه بقوة: -وهل أنا رجل حقاً..؟ جاهد كي يحافظ على توازن سيره: -تماسك يا غريب التعبان.. قالها بصوت مرتفع وصعقه اسمه: -نعم.. أنا غريب ووحيد حتى العظم.. وتعبان منذ ولادتي.. يا إلهي.. كيف لم أفطن سابقاً إلى هذا التشابه بين حياتي واسمي..؟؟ مرّ أمام منزل المرأة التي أحبها ملء دمه.. نظر بألم إلى منزلها: -آهٍ يا أسماء.. حتى أنت؟ وتذكر آخر لقاء لهما قبل أن تهجره.. وكلماتها القاسية: -أنت ما عدت تحبني.. كنت أشعر بعشقك ودفئك لي حين تداعبني.. وحين تهاجمني مراراً في كل لقاء.. كنت لا ترتوي.. ولا تتركني إلاّ بعد أن تتعبني وبعد أن أتوسل إليك: كفى يا غريب.. لقد انتشيت. مسح دموعه التي أخذت تسيل بغزارة، وهاجمه ذاك المشهد الجارح حين دفعته عن فراشها بحقد: -منذ أشهر وأنا أحتملك.. هل انتظرك كل الأسبوع من أجل أن تأتي وتبثني أحزانك كرهت أعذارك وأمراضك.. لقد بت عاجزاً فاغرب عن وجهي.. أدار وجهه الممتلئ بالدمع بعيداً عن منزلها، وقدر أنها الآن في فراشها مع رجل آخر يكمل ما أخفق في إيصالها إليه مؤخراً. سار طويلاً.. والأفكار تتقاذفه.. -يا إلهي.. أريد صدراً لأبكي عليه.. ويداً تسندني وتكفكف دموعي. أفلح في الوصول إلى منزله، فتح الباب، استقبلته زوجته -أين كنت..؟؟ لماذا تأخرت..؟ ماذا أحضرت..؟ استلقى بكامل ثيابه على الفراش دون أن يجيبها.. غصّ بدموعه، أدار ظهره وغفا بعمقٍ. صباحاً أيقظه أطفاله كي يأخذوا مصروفهم منه.. طالبته زوجته بالنهوض كي يحضر الخبز والطعام.. جاءت أمه تسأله عن دوائها الذي لم يحضره.. دخل أخوته وكل منهم يهمس له كي يستيقظ وينفذ ما يريدونه.. مرّ توأمه به وسأله إن كان سيسافر قريباً فلديه بعض الأشياء التي يتوجب أن يقضيها له اتصلت أسماء وسألت إن كانت قدراته تمكنه من المرور عليها مساءً. الصرخات ترتفع.. تملأ المنزل وتتسرب إلى المنازل المجاورة.. النداءات تطالبه بالنهوض إلاّ أنه ولأول مرة في حياته ظل عنيداً وكان يغفو بعمق والابتسامة ترتسم على شفتيه ولم ينهض بعد. الرقة 1993 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |