|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الـهـــارب صباحاً كنت أتجه بهدوء إلى موتي، شربت قهوتي، ووضعت يدي داخل جيوب سترتي، وتركت سيجارتي معلقة بين شفتي، قلت: عليّ أن أباغته بقدمي المتعبتين وجسدي الذي يزداد نحولاً، فرحاً كنت أعبر الشوارع، أنظر إلى الوجوه بحثاً عنه، قلت في داخلي لا بد أنه ينتظرني في مكان ما، وعليّ أن أسارع إلى لقائه، لا شيء يثير في الرغبة لانتظاره. هو مقرف ومخيف، ويثير الفزع في قلوب الآخرين، أعرفه وأعرف جيداً الحزن الذي يخلفه في الأمكنة التي يعبرها، لكنني قررت أن أرسم الكآبة في مقلتيه، وأثير الفزع في تعابير وجهه حين أقابله بوجهي الشاحب وسيجارتي التي تقترب من انطفائها وأصرخ في وجهه: -ها قد وجدتك. وأقابله كفارس يبغي النزال، أحملق في عينيه بثبات، وأحصي انفعالات الرعب في مساحات وجهه، وأستمع إلى صرخات استغاثته بي كي أتركه يمضي إلى غايته. أربعون عاماً وأنا أسير حاملاً جسدي، باحثاً عنه، روحي تئن من ثقل ما تحمل، وفي كل يوم وليلة وفي مختلف الفصول، وتحت الشمس وضوء القمر، اسمع بمروره وأرى المآسي والدموع التي يتركها دليلاً على مروره العابر وخلال تجوالي تعب الجسد وما تعبت روحي، كانت أقوى منه، وهي تملك الجرأة لتواجهه وتصرخ في وجهه: -أنا الأقوى. لكنه خائف وجبان، هو يدري أن روحي تبحث عنه لهذا فهو يمضي في تخفيه وهربه. سألت الكثيرين عنه، وكانت عيونهم تتسع ويملؤها الرعب وتتمتم شفاههم بأدعية حفظتها من كثرة ما رددوها أمامي، أوقفني رجل تجاوز الثمانين من عمره بسنين قليلة: -يا بني.. الموت حق.. إنه الهدوء والسكينة لأرواحنا القلقة. أنزلت سيجارتي المطفأة من بين شفتي ووضعت غيرها ثم أشعلتها بهدوء وأناأنظر إلى تغضن وجهه وانطفاء الحياة في عينيه، أدرت له ظهري وسرت باتجاه آخر، وبعد ساعات رأيت ورقة نعي باسمه تعلق على حيطان مدينتنا: -لقد ارتاحت روحه الخائفة. ضحكت بقوة، وشرقت بضحكتي، وكانت الوجوه تتابعني، وترتفع أيدٍ لترسم إشارات تدل على شيء فقدته فازداد ضحكاً. سمعت بكاءَ يأتي من بعيد، فوقفت متأهباً، صراخ امرأة يعلو: -لقد غرق ثلاثة أشقاء في النهر. وثبت فرحاً: -يا الله.. وأخيراً وجدتك.. وأسرعت في العدو باتجاه النهر، لمحت امرأة تسرع في خطواتها، سألتها: -هل رأيت الموت يا امرأة؟؟ وسمعت صوتها يأتي من خلفي -أنا ذاهبة للبحث عنه. تسمرت في مكاني، حاولت استجماع ما تبقى من قوتي كي أدير وجهي إليها، كي أرى ملامح من تسعى إلى غايتي، وما تمكنت من ذلك. بعد زمن لمحت جسدها يمر بي حزيناً، منكسراً، اقتلعت قدمي من الإسفلت وأسرعت وراءها، مددت يدي وشددتها من كتفها، كانت عيناها تبكيان: -يا امرأة.. من يبحث عن موته لا يبكي أبداً. حاولت أن تبعد يدي عنها، لكنهما ازدادتا تمسكاً بها: -أربعون عاماً مضت يا امرأة وأنا أبحث عنه. قالت وهي تواصل محاولتها التخلص من يدي: -سأصرخ.. سأستنجد بالآخرين. قلت متوسلاً: -غريمنا واحد.. فلنبحث عنه معاً. وكمن يخسر معركة في مواجهة الحياة ويرفع راية استسلامه، رفعت يدي عن كتفها، وابتعدت عنها مخذولاً، وصلت النهر متعباً، العشرات تدافعوا إلى ضفتيه يرقبون عملية انتشال الجثث وأخذت أبحث عنه بين الوجوه المصفرة، وبين الأشجار المحيطة والتراب ومياه النهر. ولمحت المرأة تقترب مني، تمد يداً دافئة إلي، وبثبات أعطيتها يدي، وأطبقت أصابعنا العشر بعضها على بعض، تركنا النهر وراءنا وسرنا باتجاه مدينتنا نواصل بحثنا عنه.. وكانت أجساد تتراكض وراءنا.. بعضها يسبقنا.. وآخرون يلحقون بنا.. وقسم يبدو مهرولاً.. ارتسمت ابتسامة النصر على وجهينا.. ومضينا معاً باتجاه المدينة النائمة. الرقة 1992 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |