صخب الرماد - صبحي دسوقي

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المقبرة

اليوم الأول كان أصعب، وتدريجياً تمكن الناس من الاعتياد على سماع الأصوات الغامضة القادمة من طرف مدينتنا الشرقي.‏

بدأت الأصوات على شكل استغاثة خافتة ثم ما لبثت أن تعالت وحطمت صمت المدينة.‏

تراكض الناس وكأن قوة خفيّة تقودهم إلى مصدر الأصوات، ركضت وأمي تحاول جاهدة اللحاق بي، صرخت:‏

-انتظرني.‏

وما كان بإمكاني التوقف، أردت معرفة مصدر الصوت ورؤية المسبب في خلخلة حياة أقرب إلى البلادة، استكنا إليها فزحف الترهل إلى أجسادنا وقلوبنا ووصل حتى إلى أحلامنا.‏

وأمام باب المقبرة، وقف الجميع خائفين من الدخول إليها، حاولت الوصول إلى داخلها أضعت والدتي بين الآخرين، ومن بعيد سمعت صوت شقيقي يناديها، حاولت استجماع قواي ودفع الناس كي أصل قبلهم إلى مصدر الصوت.‏

بعد ساعة أو أكثر، ما عرفت الزمن وما استطعت له تحديداً، وصلت إلى منتصف المقبرة الأجساد تلهث، تنزف عرقاً، والجميع يضغطون بأيديهم على آذانهم لإخفاء الأصوات أو تخفيفها.‏

-إنهم الأموات.‏

كدت أضحك من إجابة رجل عن تساؤل آخر، عقبت على كلماته ساخراً:‏

-وهل يصرخ الأموات؟!‏

حدقت في القبور الممتدة على مساحات كبيرة من الأرض. السكون الذي حلّ فجأة، أرسل الخوف إلى داخلي، خشيت من انفجار الأصوات مرة أخرى، الناس خلفي تتدافع، تمكنت بعد زمن من الوصول إلى قبر شقيقتي، أبعدت الغبار الذي كسا ثيابي، فسمعت صوت نشيجها نظرت بقهر إلى اللوحة الكبيرة المثبتة في منتصف المقبرة.‏

-عليكم نقل قبور موتاكم خلال أسبوع، وإلاّ سنقوم بإزالتها بالجرافات.‏

ارتجفت من الكلمات المتوعدة، جثوت قرب قبر شقيقتي، شدتني أمي من كتفي.‏

-ماذا حدث؟‏

أشرت بيأس إلى اللافتة.‏

-علينا نقل قبر أختي سريعاً.‏

وانفجرت الأصوات مجدداً، جاءت هذه المرة من خارج المقبرة ثم تلاها بكاء وعويل النسوة، حاول الرجال إسكاتهن، ومع فشلهم في تنفيذ أوامرهم بضرورة التزام الصمت، استسلموا أيضاً لبكاء صامت، الدموع تسقط على التراب فتحيله إلى طين مختلف، له رائحة غريبة، رائحة الموتى.‏

قال أحدهم باكياً:‏

-لن أنقل قبر أبي من مكانه حتى لو قتلوني.‏

ثم أردف آخر:‏

-نحن مضطرون يا صاحبي إلى تنفيذ رغبتهم.. هل نسيت ما فعلوه في المقبرة الغربية؟ تساءلت امرأة وهي تنتحب:‏

-وماذا سيفعلون أيضاً بهذه المقبرة.. تلك حولوها إلى ناد ليلي، وهذه.. ماذا..؟‏

همس لها زوجها:‏

-لا أدري يا امرأة.‏

وصلني صوت شقيقي مستنجداً:‏

-تعال ساعدني على حمل أمك خارج المقبرة.‏

ركضت إليها، كانت أمي على الأرض وهي مستسلمة لغيبوبة هي أقرب إلى الموت. ساعدني عدد من الرجال في حملها وتوصيلها إلى المنزل.‏

صباحاً قادتنا خطواتنا الثقيلة باتجاه المقبرة، عدد من الرجال يحملون أدوات الحفر توزعوا على امتداد المقبرة، وتسارعوا إلى نبش القبور واستخراج جثث أقاربهم.‏

رائحة التراب تختلط برائحة الأجساد المتفسخة، الدود يزحف خارج القبور. حمل بعض الرجال أكياساً قماشية بينما أحضر غيرهم أكفاناً جديدة لحمل ما تبقى من أمواتهم.‏

عدت إلى المنزل وأنا أرتجف، قال شقيقي الأصغر:‏

-إنهم جادون في تنفيذ أوامرهم في إزالة القبور.. علينا أن نسارع لإخراج شقيقتنا من قبرها.‏

ومن خلال دموع شقيقي وعويل أمي استسلمنا جميعاً للبكاء. بعد أيام أيقظتنا أمي ببكائها.‏

-لقد دخلت الجرافات إلى المقبرة.‏

حملنا أكياسنا ومعاولنا وركضنا نحوها، الجرافات تقف حول المقبرة لتؤكد للآخرين أن التهديد يقترب من الجدية والفعل‏

نادى جارنا "أبو محمد":‏

-أسرعوا واستخرجوا شقيقتكم قبل أن يبدؤوا.‏

وتابع البحث عن عظام والده.‏

اندفع أخي وبدأ يحفر، فتهالكت أمي على كومة تراب استخرجت من قبر مجاور، أسرع شقيقي الآخر لمساعدته، وبقيت عاجزاً أحدق برعب إلى العظام والديدان التي انتشرت على امتداد المقبرة.‏

المئات نزلوا إلى داخل الحفر، بعض الجثث تحول إلى كومة عظام، وغيرها لا يزال محافظاً على هيئته وتماسك الجسد البشري.‏

صرخ أخي بنا:‏

-الجثة لا تزال كاملة:‏

ضربت أمي على صدرها:‏

-أواه يا ابنتي.. لقد أرغمونا على إخراجك.. لقد قتلوك وأنت ميتة.‏

أسرع أخي وأحاط الجثة بكفنها الجديد، طالبني شقيقاي بمساعدتهما، حاولت النهوض لكنني سقطت، حملاها ووضعاها خارج المقبرة بانتظار السيارة.‏

بعد ساعات انتهينا من إعادة دفنها في المقبرة الجديدة، قلت لإخوتي:‏

-خذوا أمي إلى المنزل واعتنوا بها، سألحق بكم بعد قليل.‏

استندت إلى شاهدة قبرها، تحركت الشاهدة، سحبت جسدي ومشيت متثاقلاً والأصوات المتداخلة تتابعني.‏

سارعت إلى دخول أول بناء صادفته، صعدت الدرجات لاهثاً، السلالم ترتفع، ركضت وأنا أحس أن جثة شقيقتي تلاحقني بكفنها الجديد، وعندما وصلت إلى سطح البناء، شاهدت طفلي الوحيد يلعب بكرته، ناديته فركض مذعوراً، أسرعت خلفه، فقذف بنفسه من سطح البناية مددت يدي في محاولة لسحب جسده لكنني أخفقت.‏

أبصرت الديدان تملأ سطح البناية وتقترب مني، رائحة الديدان والجثث تغزو أنفي، هبطت درجات السلم مسرعاً، شاهدت سيارة تقف أمام المبنى، ركبتها، فانزلقت السيارة بي وأوصلتني إلى طريق جبلي متعرج، حاولت إيقاف السيارة فلم أستطع.‏

انقضّ طائر ضخم عليها وحملها بين مخالبه، تشبثت بمقعد السيارة خشية السقوط منها، وفوق غيمة سوداء أسقطها الطائر، سرت في الفضاء، شاهدت امرأة ترتدي السواد وترتل أغنية حزينة، ركضت هارباً منها، وصلت إلى منزلنا مرهقاً، حاولت إغماض عيني، فما استطعت النوم، استعنت بكل ما في صيدلية المنزل من مهدئات، وظل الأرق يلازمني. أغمض عيني فتتقافز العظام فوقي، أفتح عيني فأجد غرفتي ممتلئة بها.‏

أهرب إلى الأزقة، الأبواب مشرعة، والرجال والنساء يركضون هرباً من الجثث.‏

تابعت العدو، كانت القبور في كل الأمكنة التي أصل إليها، وقبل أن يتهاوى ما تبقى من جسدي، شاهدت اللوحة ترتفع وترتفع لتغطي سماء المدينة.‏

-عليكم إزالة القبور وإلاّ...‏

الرقة 1995‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244