صخب الرماد - صبحي دسوقي

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

موعـدنا

أعرفك عنيداً كبغل، ومع ذلك تصرفت معك كمراهقة بلهاء، أتيتك فرحة أعطيك موعداً لتقترب فيه من ثمار جسدي، أشعرتني بلهفتك إلى اللقاء، وما كنت أظنك ممثلاً بارعاً فقد بدوت أمامي كعاشق مشتاق لموعد.‏

قلت لك مبتهجة: نلتقي في حلب بعيداً عن أعين أبناء مدينتنا في كافتيريا "بابل" بين العاشرة والحادية عشرة صباح يوم الخميس القادم.‏

أجبتني مسرعاً: سأصل مع أول سيارة تنطلق من الرقة وسأكون بانتظارك قبل العاشرة.‏

ارتديت أجمل ثيابي، وفردت شعري الغزير كما تحبه، نظرت إلى المرآة ورأيت نفسي في صورة بهية تتمناها كل فتاة، نظرت إلى الساعة مبتسمة لا زال الوقت مبكراً...‏

قلت في نفسي: علي أن أباغته قبل حضوره، أو أصل إلى مكان موعدنا مع بداية ارتشافه لكأس النبيذ الذي يحبه.‏

سرت في الشوارع منتشية من الهواء الصباحي اللطيف، وقفت أمام واجهات المحلات أرنو إلى المعروضات دون مبالاة، دخلت أول محل لبيع الزهور واشتريت وروداً لك، أمعنت في تجوالي ووجدتني أمام الكافتيريا، دخلتها مسرعة وأنا أنظر إلى الجلوس القلائل، وما وجدتك بينهم، استرخيت على الكرسي مبتسمة ووضعت علبة التبغ مع أعواد الثقاب فوق الطاولة، جاء النادل سريعاً، طلبت القهوة لشخصين وأنا أرمقه فرحة، انحنى مبتعداً عني وعلى شفتيه طيف ابتسامة، أشعلت سيجارة ووجدت طعمها حارقاً لكنني تابعت امتصاص دخانها، حدقت في الأشياء المحيطة، على الطاولة المقابلة شاب في الثلاثين من عمره يرتشف من كأس البيرة الموضوع أمامه، وينفث دخان لفافته.‏

قلت في داخلي:‏

ـ إنه ينتظر أنثاه، ولا زلت أمارس انتظاري لفتاي.‏

انتهيت من احتساء قهوتي، نظرت إلى الباب غير مرة ولم تجئ... داعبت فنجانك، ثم انسقت إلى ارتشافه بمتعة.‏

ـ ستدخل بعد قليل..... ستسبقك ابتسامتك الدافئة...... سأنهض مرحبة بك.....حاملة شوقي إلى لقياك... كم أحن الآن إلى حضورك... لم تأخرت....؟؟‏

نظرت إلى ساعتي مستغربة، وكانت نظرات الشاب تتابع السفر في ملامح وجهي واضطرابه.‏

أخرجت أوراقي ووضعتها أمامي، قرأت الكلمات الولهى التي كتبتها إليك، الكلمات تجري أمام عيني دون ترابط... يجذبني الباب للنظر إليه وألمح وجهُ الشاب معلقاً بي، أبعده عني، وأشعل سيجارتي الخامسة بعصبية، أصرخ على النادل.... أطلب فنجاناً من القهوة وأقول له بإصرار:‏

ـ واحد فقط..‏

ويقترب من الفناجين الفارغة ليحملها، فأطالبه برجاء أن يبقيها، غادرني دون أن يعقب على رغبتي.‏

منفضة السجائر تمتلئ، أنظر إلى حقيبتي بتشنج، لا زالت فيها مؤونتي من التبغ، أحس الخواء يحاصرني، ألمح رجلاً يركض من بعيد، ابتسم، لكن ابتسامتي تجهض حين يركب سيارة صغيرة ويمضي بعيداً:‏

ـ إنه ذاهب إلى موعد ما..‏

لكل الناس مواعيدهم، فلماذا يخذلني موعدك..؟؟... مراراً كان الرجال ينتظرونني ويتلهفون على اللقاء بي... مابك أيها الأحمق..؟؟... لماذا تنسف الجسر الذي بنيته بيني وبينك...؟؟..‏

ألمح النادل يتجول بين الطاولات.. أومي له بعيني وأطلب منه كأساً من النبيذ..،.. وأقول له بتحدٍ:‏

ـ مع المازة إذا سمحت..‏

تلتقي عيناي بعيني الشاب، أحس الدفء يتسرب منهما، أرشف من الكأس بمتعة وأنا أراقبه، يبتسم فأبعد وجهي عنه ببطء، لن أغفر لك خطيئتك هذه.. سأهشم وجهك إذا التقينا وسأنهي كل ما بيننا... يا إلهي... كم أنا حمقاء حين وثقت بك وكم أنا ساذجة حين دعوتك إلى هذا الموعد.. هل كان فخاً منك نصبته لي بذكاء..؟؟.. ولماذا..؟؟.. ما الذي ستربحه من بقائي هنا بانتظارك.. هل تظن نفسك ستسجل نصراً عليّ؟.. وهل نحن في حرب أصلاً..؟؟‏

الساعة تجري بتباطؤ... تنتهي الكأس فأطلب أخرى... وأخرى، وأشعر بالدوار... أنا ثملة.. أسهم موقفك في إرهاقي الساعة تتجاوز الثالثة بعد الظهر... أشير إلى النادل... أدفع إليه النقود، ألملم أشيائي، يقف الشاب أمامي، أمسكه من ذراعه وأغادر المكان مكسورة، والورود التي حملتها لك بقيت على الطاولة تنتظرك.‏

حلب ـ 1992‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244