صخب الرماد - صبحي دسوقي

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

غرفـــة الإنعـاش

أشرف على المدينة من فوق قلعتها، أنظر إلى بقاياها بشغف، أحدق في أعمدتها المهدمة، أتأمل أقواسها وكتلها الصخرية، يهبط الظلام وأنا أتابعها بإعجاب وأتساءل في داخلي:‏

ـ كيف لمدينة مثل هذه أن تموت... ولا يبقى منها سوى هذه البقايا التي تشير إلى عظمتها.‏

أقول لحبيبتي:‏

ـ انظري إلى ذلك المدرج الضخم.‏

فلا أسمع إجابتها، ألتفت إليها فلا أجدها قربي، أنادي عليها ولا أسمع سوى صدى نداءاتي.. أقف مرعوباً، أرنو إلى الأشياء من حولي، أركض بحثاً عنها فأجدني أنزلق من فوق صخرة.‏

المدينة تفرش أعمدتها وأقواسها وساحاتها ومدرجها لاحتضاني، أهوي، أنادي حبيبتي:‏

ـ نارا.........أنقذيني..‏

فأهوي.... أسقط من العلياء...... استغاثتي لا تصلها، أتشبث بالصخرة فأجدها تسترخي، تلين بين ذراعي وأحس حرارتها، تفقد الصخرة ثباتها وتتحول إلى كومة من تراب أتشبث بها عبثاً وأهوي من شاهق، أصرخ مرعوباً:‏

ـ نارا.........‏

أصل الأرض محطماً، أحاول تجميع أجزائي المتألمة والنهوض، دمائي تنفجر، تخرج من مساماتي وأحس الألم يتسرب من خلاياي. بعد وقت طويل أتمكن من النهوض، أقول بثقة:‏

ـ عليَّ أن أجدها.‏

وأسير مترنحاً، أستجمع قواي وأعدو وأنا أصرخ باسمها، الأزقة تفتح ذراعيها لي، أعدو، الدروب تتسع، ونداءاتي تملأ جوف المدينة الميتة، ولا أسمع في جنباتها غير صوتي، فجأة تضيق الدروب وترغمني على الحدّ من اندفاعي، ألمح وجه "نارا" ينير لي الدرب فأعدو يندفع رجال خلفي، يحملون سكاكينهم ورماحهم، أركض بأنفاسي الخائفة، أصوات خيول وأبواق تأتي من خلفي، أستميت في بحثي عنها، أقول في داخلي:‏

ـ عليَّ أن أجدها قبل أن يصلوا إليها، ليقتلوني إذا شاؤوا....ليس مهماً...أريد حمايتها من خطرهم وإخراجها من هذه المدينة، عندها عليَّ أن أواجههم بجراحي وحبي.... وسأنتصر مهما تكاثروا.‏

العرق يهطل من جسدي، يلامس جراحي، فيتضاعف الألم، أمد يدي لأزيل العرق والدماء من فوق عينيّ، ألمح امرأة تمد يدها إليَّ بقماشة بيضاء، أنتبه إليها، أجفف عرقي ودموعي ودمائي، تتسع ابتسامة المرأة:‏

ـ نارا........بخير.‏

أفتح عينيَّ على اتساعهما، أنظر إلى الكراسي والطاولة برعب، أثب إلى المرأة:‏

ـ أين نارا؟..‏

وتشير إلى غرفة بعيدة، أركض إليها، تحاول المرأة منعي فتفشل، أدفع الباب وأدخل، الطبيب والمخدرة يتبادلان الأحاديث، والممرضة واقفة قرب سرير عليه جسد المرأة التي أحب، أندفع إليها، تتحرك الممرضة لإيقافي فيشير لها الطبيب أن تدعني، ويصلني صوته مطمئناً:‏

ـ إنها بخير.‏

امرأتي ممدة على السرير، ودماؤها النازفة تغطي الشراشف وأرضية الغرفة، أنظر إلى إناء ممتلئ بدمائها أدنو منها، أمد يدي المرتجفة إلى وجهها الساكن، تصرخ المخدرة:‏

ـ نارا.........‏

فأداعب وجهها، أتلمسه، تستكين يدي بين خصلات شعرها ويأتي صوت الطبيب حازماً:‏

ـ مدي لسانك.‏

ويقترب منها، يضرب وجهها، أنظر إلى يده بحقد، وتنتصب المشارط والسكاكين والرماح أمام عينيَّ، أشدُّ على يد حبيبتي وأسمعها تتمتم باسمي، يبتسم الجميع، تقول الممرضة بنشوة:‏

ـ إنها تهذي باسمك طوال العملية.‏

أمسك حبيبتي، أعانقها، يقول الطبيب بمرح:‏

ـ لا يزال تأثير البنج مسيطراً عليها... ستصحو بعد قليل..‏

أناديها بألم:‏

ـ أتسمعينني؟‏

وترف أجفانها، تتفوه بكلمات، وتجاهد في رسم ابتسامة على شفتيها، فأنحني عليهما وألثمهما، تفتح عينيها فتبتسمان لي، تمد يدها، يهمس الطبيب:‏

ـ لقد زال الخطر... تستطيع مساعدتنا في إنعاشها.‏

الممرضة تتشاغل عنا في مسح بقع الدماء، يشير لها الطبيب فتحمل الإناء الممتلئ دماءً.‏

وتغادر الغرفة، وأظل أحملق في وجه رائعتي، أتابع ارتعاش شفتيها:‏

أنهضها من السرير، وتساعدني الممرضة في تغيير ملابسها، تستند إليَّ بجسدها المرتجف، أسير بها ببطءٍ.... أقول لها برجاء:‏

ـ تماسكي.‏

فتعانقني وتبكي:‏

ـ لقد عدت إليك..‏

أكفكف دموعها بشفتي، أحيط خصرها بذراعي ونسير معاً باتجاه المدينة المتهدمة، تنهض من موتها، تمتلئ بالسيارات والرجال والنساء والأطفال، ونمضي في ضياعنا بين الحشود المتدافعة.‏

حلب ـ 1993.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244