صخب الرماد - صبحي دسوقي

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

لقـــــاء

نظرت بارتياح إلى عمالي الذين يتراكضون من أجل تنفيذ رغبات الزبائن، أشعلت سيجارتي بهدوء، ورشفت من فنجان قهوتي الذي أحضرته سكرتيرتي، "أسماء" والتي ظلت واقفة قربي تحدق بي بانتظار إشارة مني كي تنفذ ما أريد.‏

"السوبر ماركت" الذي أملكه مليء بالرجال والنساء، وأنا أجيل عينيَّ في الوجوه، وأتابع الأيدي التي تقوم بدفع النقود ثمن المواد التي حصلت عليها.‏

كانت "فريدة" جالسة وراء آلة الحساب تقبض النقود وهي تنظر إليَّ بابتسامة دافئة.‏

إحساس بالرضى، داهمني وأنا جالس وراء المكتب الفخم، أشير فتستحيل إشارتي إلى أوامر سرعان ما ينفذها الجميع.‏

قلت لـ"أسماء" هامساً:‏

ـ هل مررتِ على الشقة وقمتِ بترتيبها...؟؟‏

ابتسمت عيناها:‏

ـ أجل يا سيدي.‏

تابعت وعيناي تشردان بعيداً خارج المكان:‏

ـ لقد أثرنا الفوضى فيها البارحة.‏

اتسعت ابتسامتها وهي تجيب بنشوة:‏

ـ أجل يا سيدي.‏

لمحت امرأة تعبر الطريق مسرعة باتجاهي، أثارتني ثيابها الرثة، والشبه الكبير بينها وبين امرأة أحببتها ذات زمن.‏

ـ يا الله.... كم تشبه "هدى"!!‏

وشدني الماضي إليه، لكنني سرعان ما تراجعت عنه، وعدت إلى ارتشاف قهوتي، أجلت النظر في المكان، كل شيء يمضي بهدوء، طلبت من "أسماء" إحضار كأس من العصير، فسارعت إلى إحضاره.‏

ومن وراء الزجاج أبصرت المرأة تحدق بي باستغراب، أشرت إليها بالدخول، وقدرت أنها امرأة متسولة، ولكن الشبه بينها وبين تلك المرأة استفزني، مرعوباً نهضت إلى استقبالها وهي تتجه إليِّ بارتباك، مدت يدها بخجل، استبقيت يدها بين أصابعي، وصلني صوت "أسماء".‏

ـ العصير يا سيدي..‏

أشرت إلى "هدى" بالجلوس وطلبت من "أسماء" أن تحضر كأساً أخرى، ظلّت "أسماء" واقفة تجيل النظر بنا، رمقتها بقسوة فأدارت ظهرها ببطء وهي تسحب جسدها بتثاقل:‏

ـ أهلاً "هدى" أين أنتِ؟؟‏

ارتسمت ابتسامة على وجهها فظهر لي كما كان رائعاً أيام عشقنا:‏

ـ على الأرصفة.... أبحث عن طعام لأولادي..‏

واسترجعت أيام الشباب، وقصة هيامي بها التي تناقلتها الألسن، وتلك اللحظة المدمرة التي تقدمت فيها إلى طلب يدها، وموقفها الذي أثار استغراب أهلها قبل أن يدهشنا:‏

ـ نعم.... أنا أحبه.... لكنني لا أريد الارتباط به.... إنه فقير.... من أين سيؤمن لنا منزلاً نأوي إليه..؟؟.. وطعاماً... وثياباً.. أنا أرفض الارتباط به..‏

وتذكرتُ كيف تركتنا في الغرفة نعاني من الصدمة التي أطاحت بنا، وكيف نهضت مع عائلتي بعد زمن، ومغادرتنا منزلهم نجر خيبتنا وانكسارنا.‏

نظرت إليها بتشفٍ:‏

ـ لقد حققت حلمك.... وتزوجت من رجل ثري يكبرك بأربعين عاماً.. ماذا حدث لك....؟‏

تمتمت بكلمات سريعة ووجهها يكتسي بلون أصفر باهت:‏

ـ أرجوك... هل لديك مكان أحدثك فيه...؟... أكاد أختنق... أريدك أن تستمع إليَّ.... إنني أموت من القهر.‏

أشرت إلى "أسماء" بالاقتراب، وطلبت منها أن تأخذ "هدى" إلى الشقة، اتسعت عيناها وكأنها تقول:‏

ـ هذه!..‏

لكنني تشاغلت عن نظراتها وقلت بحزم:‏

ـ هيا..‏

تابعتهما وهما تبتعدان، كانت هدى تسير منكسرة، ممزقة الثياب، إلى جانب "أسماء" الأنيقة الممتلئة حيوية وجاذبية.‏

جاءت "فريدة" مسرعة وابتسامتها الشبقة تسبقها:‏

ـ ماذا يشغلك يا عزيزي...؟..‏

نظرت إليها بحدة، فامتقع وجهها:‏

ـ عفواً يا سيدي..‏

وسحبت خطواتها باتجاه مكانها حزينة...‏

أشعلت سيجارة أخرى وأنا أعبث بالأوراق الموضوعة أمامي، عادت "أسماء" مرتبكة:‏

ـ ولكن... لماذا يا سيدي؟؟.. عندك الكثيرات أجمل وأروع... وَ...‏

نهضت بتثاقل وأنا أحدق في ذبول عينيها:‏

ـ هل هي رقم آخر تود أن تضيفه؟؟‏

وتركتها دون أن أجيبها، استرخيت وراء مقود سيارتي، وأنا أفكر باللحظات التي تنتظرني، ثم انطلقت بالسيارة، وصلت إلى شقتي مسرعاً، نهضت "هدى" حين رأتني، ابتسمت لها مرحباً:‏

ـ وها نحن معاً... وجهاً لوجه مرة أخرى.‏

جاهدت كي تعطي لابتسامتها ألقها الراحل، لكن الذبول طغى على وجهها:‏

ـ لقد أحببتك... جننت بك... لكن المال أغراني... واستسلمت لبذخه.‏

ارتميت على الأريكة وأنا أخلع حذائي:‏

ـ وماذا بعد....؟؟‏

اغرورقت عيناها بالدموع:‏

ـ أتوسل إليك أن تصدقني... لقد كنت صغيرة... وبهرتني أمواله... لذلك لم يستطع حبي الصمود... كنت ضعيفة.‏

هززت رأسي وأنا أواصل خلع ثيابي:‏

ـ ما استطعت الاستمرار... كانت الأيام التي قضيتها معه أشبه بالكابوس.... إلى أن اقتحم حياتي أحد عماله... طلبت الطلاق وخضعت إلى شروطه.... تركت له كل شيء وغادرت مع رجل أحببته..‏

كفكفت دموعها بيدها فأشرت لها إلى علبة المحارم...‏

ـ زوجي الحالي معدم... يعمل ليلاً ونهاراً ولا يقوى على تأمين الحد الأدنى من القوت، أشعلت سيجارتي وشعرت بتناقض مشاعري تجاهها، سعادة لرؤيتها حزينة بائسة، وألم لوضعها المؤسي، التصقت بها وشددت الغطاء عن رأسها فتبعثر شعرها:‏

ـ أرجوك..‏

أوغلت أصابعي بين خصلات شعرها الذي طالما أحببته:‏

ـ أنا أعمل في بيوت الآخرين من أجل المال... تمنيت لو كان زوجي الحالي يملك جزءاً من ثروة ذاك... ولكن هيهات أن تحقق ‏الحياة رغباتنا..‏

أنزلت أصابعي إلى وجهها وشفتيها:‏

ـ من أجلك يا "هدى" تركت مدينتي وسافرت إلى بلاد بعيدة... عملت باستماتة طوال سنوات كي أحقق الثروة التي تستطيع شراء كل شيء.‏

وهاقد حققت ما يرعبك إذا ذكرت لك رقم ثروتي... أنا أدير محلات للمرطبات والحلويات... وأخرى لبيع الملابس والأحذية... و"سوبر ماركت"... وأتاجر بالعقارات والأراضي... أسكن في قصر... ولدي آخر في العاصمة... وثالث يطل على البحر.. وآخر في المدينة المجاورة... وهذه الشقة لاستراحتي... وسيارة أستبدلها بأخرى كل عام و.........‏

شرقت بدموعها، ملأت كأساً من الخمرة.‏

ـ كل شيء أصبح متاحاً لي... لدي العديد من السكرتيرات والموظفات... وهناك الكثير من الصديقات العابرات.... لكنني أقولها صادقاً... لقد قرفت من كل ما أملك حين رأيتك على هذه الحالة..‏

مدت يدها إليَّ مستجدية التوقف، فجذبتها إلى السرير، وضعنا معاً في لحظات لاهثة قصيرة أوصلتنا إلى نوم طويل.‏

نهضت من قربها واسترخيت على الأريكة أراقبها وهي ترتدي ملابسها، أمسكت برزمةٍ من النقود وقذفتها بها، اصطدمت النقود بجسدها وتبعثرت على السرير، مضت في ارتداء ثيابها وهي تجمع النقود، وكانت نظراتها تبتعد عني:‏

ـ أغلقي الباب خلفك..‏

وقفت مرتبكة تنظر إليَّ، ماتت الكلمات على شفتيها وأنا أحدق إليها ببرود، ارتج الباب خلفها بقوة، وغفوت من جديد.‏

الرقة ـ 1994.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244