|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:05 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الـوالــي عندما وصلك نبأ تعيينه والياً في مدينتك، شعرت بالسعادة ولم تستطع إخفاء فرحتك، فغطت الابتسامة مساحات وجهك، أدركت أن حلمك الذي طال آن له أن يتحقق، لقد أصبح والياً، وأنت تعرفه منذ زمن طويل، هو متزن ولـه خبرته العملية في الحياة، ويقدر الإنسان الحقيقي، وهو صادق في تعامله مع الآخرين. كدت تسارع لتهنئته كما فعل الكثيرون إلاَّ أنك وجدت ضرورة إظهار تميزك أمامه، فهو يدرك أنك لاتنتمي إلى جموع الانتهازيين الذين تراكضوا إلى قصره. أيام وتنتهي هذه الوفود، وسرعان ما يعيد حساباته، ويجري مسحاً حول أسماء المبدعين في المدينة، عندها سيسارع إلى زيارتك ويعتذر عن تأخره. وبدأت تسجل الإنجازات التي سيحققها على الصعيدين الفني والأدبي بالإضافة إلى الامتيازات الخاصة التي ستحصل عليها مع زملائك.. فقد يأمر بتوزيع البيوت عليكم والتي ظلت زمناً حكراً على الوصوليين وأقربائهم. الأيام تمضي، والأحلام تتراكم، تجلس في منزلك منتظراً، وكلما قرع الباب تتوقع أن أحدهم جاءك من قبله ليعرض عليك لهفة سيده إلى لقائك.. ومن يدري فقد يكون الوالي بشحمه ولحمه ينتظر منك السماح له بزيارتك.. استدنت لشراء ثياب أنيقة تليق بلقائك الأول به، وكنت ترتديها حتى ساعات متأخرة من الليل فربما يتذكرك بعد انتهاء أعماله وجولاته في هذه الساعة أو تلك. ساعات طويلة وأنت تقف أمام المرآة، تعيد حلاقة ذقنك، وترتيب ثيابك ومسح حذائك، وتجميع أوراقك التي تحمل عشرات الاقتراحات التي ستقدمها إلى سيادته، وكنت تتوقع الابتسامة العريضة التي سترتسم على وجهه لتواضع طلباتك فأنت تطلب من والٍ، لا من مدير دائرة صغيرة. ألغيت مشاريع سفرك إلى خارج المدينة، أسبوعاً، ثم شهراً، وثالثاً، وكادت السنة تنتهي، قلت في نفسك: ـ عليَّ أن أذكره بي، عندها سيسارع لفتح أبواب قصره..... ويحتضنني أمام الجميع بأبوة ويعتذر بلهفة.. مررت أمام قصره غير مرة، ثم تجرأت ودخلت إلى غرفة مدير مكتبه، قدمت له اسمك بارتباك، وطلبت منه أن يسمح لك بمقابلة سيده، استفسر عن سبب المقابلة، فأجبته بتلعثم: ـ من أجل تهنئته بالمنصب الجديد... ضحك مدير مكتبه، وظل يحدق طويلاً في ملامحك، وخيِّل لك أنها لم تعجبه: ـ بعد سنة يا رجل....!! أكدت له اعتذارك. ـ أن تأتي متأخراً..... كتب الرجل اسمك على لائحة الزوار، وحدد لك موعداً في اليوم التالي، خرجت فوراً، كيف ستتمكن من النوم، ولحظات لقائك به تقترب، ستقف أمامه وجهاً لوجه، سينهض من خلف مكتبه مرحباً ويعانقك، ثم يعتذر عن عدم تمكنه من زيارتك، سيقدم لك عشرات الأشياء التي حلمت بها، والكثير الذي يتجاوز توقعاتك تكفيراً عن تناسيه لوجودك، ستحدثه عن احترام الناس له، وخاصة الفنانين والأدباء وانتظارهم مبادرة منه تعيد إليهم اعتبارهم فهم يمثلون الوجه المشرق للمجتمع. وقبل حلول الموعد بساعة كنت تطرق باب مدير مكتبه، أشار لك الرجل بالجلوس مع الآخرين، وتابع حديثه مع أحد المتعهدين، المستخدم يدخل بأدب ويعلن اسم المدعو، فينهض الرجل، يعود المستخدم بعد قليل وعيناك معلقتان بشفتيه، تململت طويلاً ثم طلبت من مدير المكتب أن يُعلم سيده بوجودك، وضع مدير المكتب ورقة أمامه وبدأ يوجه الأسئلة إليك، اسمك، انتماؤك السياسي، أسماء أخوتك وأخواتك، أسماء أقاربك... عملك، علاقتك مع رؤسائك، وبعد أن امتلأت الورقة، ابتسم الرجل وهو يعتذر لأن عليه التأكد من صدق البيانات التي أعطيتها له قبل أن يسمح لك بمقابلة سيده.. سألته بقلق: ـ وهل ستطول المدة؟؟ أجابك مبتسماً: ـ تعال بعد شهر.... ستكون الأمور على ما يرام.. خرجت غاضباً وأنت تشتم هذا الرجل، عندما ستلتقي بسيده ستشكو له فظاظة مدير مكتبه، وإساءته، وكيف عاملك بروتين ممل، ستحدثه أن أمثاله يسيئون إلى سيادته. بعد انتهاء الشهر توجهت إلى مدير مكتبه، ذكَّرته بطلبك، ثم ابتسم لك وقدم ورقة صغيرة طالباً منك أن تكتب اسمك وسبب المقابلة. سجلت ما أراد، وأعدت لـه الورقة، وضعها في مغلف أمامه، وأشار إليك بالانتظار، بحثت عن كرسي فارغ فلم تجد، الغرفة تغص بعشرات المراجعين، متعهدين ورجال أعمال، أطباء وشيوخ قبائل، لصوص ومرتشين: الهاتف يرن، يرفع الرجل السماعة: ـ نعم يا سيدي... أمرك يا سيدي.. ويومئ لأحدهم بالدخول: ـ حاضر سيدي. وتمر الساعات، وعندما تظل وحيداً في المكتب، يرن الهاتف يرفع الرجل السماعة: ـ نعم يا سيدي... أوامرك مطاعة. يغلق سماعة الهاتف ويمد يده باتجاهك، تنظر إليه مستفسراً، فيتمتم ويده لا زالت ممدودة باتجاه الباب: ـ أعمال سيدي كثيرة.... ولا تسمح له أوقاته بمقابلة أمثالك..... إذا أردت طلباً فقدمه مكتوباً وسأعرضه على سيادته... أردت الاستفسار، وتوضيح مكانتك، والتأكيد على أنه ربما لم يعرفك، فابتسم الرجل: ـ من أجل عدم إهانتك لم أخبرك بكلماته التي قالها عنك... والتي أخجل أن أسمعك إياها. شعرت أن الأرض تنسحب من تحت قدميك، المقاعد تقفز إليك، المكتب يندفع لينغرز في عينيك، يد الرجل الممدودة تتحول إلى أفعى تضغط على عنقك، تحاول التماسك، تضع يدك على الطاولة، وتحاول النهوض، تسقط الجدران والأبواب والسقف على صدرك، تدور الكراسي، تتلاشى ابتسامة المدير البلهاء. تستيقظ على اغتسالك بالمياه، وحول رأسك تدور أقدام مرافقي الوالي ومدير مكتبه!.. يسألك أحدهم مستفسراً: ـ هل تعاني من مرض ما...؟؟ إذا أردت سنطلب لك سيارة الإسعاف. تهز رأسك نفياً، تستجمع قواك وتنهض، يلوح لك باب مكتب الوالي مفتوحاً، تزحف خارجه وأنت تحمل ثقل قصر الوالي ومكتبه، وابتسامة مديره، وأقدام مرافقيه فوق رأسك. الرقة ـ 1992. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |