صخب الرماد - صبحي دسوقي

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

شــــغلــة

لقد تعودت رؤيته ساخطاً على كل الموجودات، وساخراً من الآخرين، كان كثير الشتم، يرتفع صوته عالياً، فيسمعه الآخرون ثم يغيرون وجهة سيرهم هرباً من تعليقاته اللاذعة.‏

عرفته مذ كنت طفلاً، أرتحل إلى دكان والدي لأتعلم على يديه مهنة الجزارة التي كرهتها، ثم لان والدي بعد أن استمع إلى وجهة نظر ((أبو الباهي)) ورفع يديه مستسلماً واعداً إياه بتركي أتابع دراستي رغم تأففه وإعلانه أن الراتب الذي سأتقاضاه مستقبلاً لن يفي باحتياجات الحياة، ولن يمكنني من الزواج وشراء منزل و......‏

مودة خفية نشأت بيني وبين ((أبو الباهي)) دفعته لإعلان شكواه من مرارة الحياة أمامي غير مرة، وعندما أشار له والدي إلى صغر سني، تابع وابتسامته تعطي لوجهه وهجاً جميلاً:‏

ـ إنه يفهم عليَّ .... أو أنه سيتفهم ما أقوله عندما يكبر..‏

وهذا ما أجبرني إلى أن أكون أسيره عندما يراني، في كل الأمكنة، يستوقفني ويشرح لي آلامه ومعاناته مع الواقع، ثم يستفيض في شرح مزية منصب ما وضع عينيه عليه، ويعلن واثقاً:‏

ـ لا أحد أفضل مني.‏

مرة أوقفني أمام الجامع الكبير، سألني إن كنت أديت صلاة الظهر، فأجبته بالإيجاب والارتباك يشل قسمات وجهي، وضع يده على كتفي بأبوة وتابع بزهو:‏

ـ شغلة رئيس البلدية شغلة.... إنه منصب جميل ويليق بي....سيارات كثيرة تحت إمرته....وموظفون وموظفات... ثم أن الجميع يتسابقون لكسب وده.. ولا أخفيك أنه يستفيد الكثير... معاملة من هنا.. وتوقيع من هناك... مناقصات وعقود وتعهدات كثيرة... وأرصدته في البنوك تتزايد.‏

وشدني من كتفي، دافعاً إياي للسير إلى جواره في شارع المنصور، كان يتوقف عن اندفاعه لإلقاء التحية على أصحاب المحلات، أو برد السلام على شخص يمر مسرعاً على الرصيف الآخر:‏

ـ عندما سأصبح رئيساً للبلدية.... لن يتمكن إنسان من محاسبتي... سأعين سكرتيرة خاصة بي... وأوظف أقاربي و.....‏

ثم توقف عند تقاطع شارع المنصور مع شارع 23 شباط:‏

ـ سأهبك مقسماً... وإذا أردت سأسلمك إدارة مكتبي الخاص. شكرت له كرمه، وكررت اعتذاري له، واضطراري لتركه من أجل الذهاب إلى منزل والدي، شرق شارع سيف الدولة، أبدى استعداده لمرافقتي حتى جامع عمر بن الخطاب، لكنني وبقدرة قادر تملصت منه، حين وقفت سيارة قربنا، وأطل منها أحد أقاربه.‏

وتدريجياً بدأ شعور بالرعب يتغلغل في مساماتي عند رؤيته، فأقفل راجعاً إذا قدرت أنه لم يرني، أو أدخل إلى أقرب حانوت لأبتاع منه شيئاً ما، وفي الغالب لا أحتاجه، ولن أنسى ما حييت تلك المرة التي ضبطني متلبساً لحظة خروجي من مديرية التربية في بداية الشهر، سألني عن راتبي، وإن كان يكفي احتياجاتي، حمدت الله وأعلنت له أنها مستورة، لكنه طالبني بإخراج النقود، وبدأ يعدها بصوت مرتفع مما دفع العديد من الفضوليين للاقتراب منا، ولعلعت ضحكته الساخرة:‏

ـ وهل تحمد الله على هذا الراتب الهزيل...؟‏

ثم أخذ يوزع أسئلته على الجمهرة التي أخذت بالازدياد:‏

ـ وكم ستدفع لفواتير الماء والكهرباء والهاتف... وضريبة المالية والنظافة و......؟‏

وهل سيزيد شيئاً من هذه الأوراق القليلة...؟‏

ازدادت التعليقات الساخرة من الآخرين، تصبب عرقي خوفاً من أن يراني أحد المسؤولين ضمن هذه الجمهرة، وبالتالي أكون مجبراً على الإجابة عن تساؤلاته وغضبه.‏

ابتعدت عنه متشاغلاً بإعادة النقود إلى جيبي، لكنه وبعناده الذي يمتاز به ناداني فتوقفت:‏

ـ لقد قررت أن أصير مديراً للتربية... وسأعتني بك وبأمثالك.. سأزيد رواتبكم... يا أخي منصب مدير التربية عز ووجاهة، ألوف المعلمين والمعلمات تحت إمرته... مصاريف للصيانة... والكثير من بنود التدفئة والإصلاحات المستمرة.. والمنصب فوق الشبهات.‏

تخلصت من يده بسرعة، واتجهت بعيداً عن ساحة المدينة، باتجاه مركز البريد، وتشاغلت بسؤال الموظف عن أمر ما، وفجأة وجدته متسمراً ورائي:‏

ـ والله يا بني شغلة مدير البريد شغلة مهمة..‏

ورجوته السماح لي بتركه والذهاب إلى مركز الدرعية لتسديد فاتورة الهاتف، لكنه وبأريحية أعلن استعداده لمرافقتي، قلت له بيأس:‏

ـ المكان بعيد... وجسدك لا يحتمل هذا المشوار الطويل..‏

وجذبت ضحكته المجلجلة أنظار الموظفين والمراجعين، ثم تابع بصوت قوي:‏

ـ تعال لنتعارك... ولنرى من هو الأقوى بيننا...؟؟‏

وأمام ساعة المدينة لمحت أحد أصدقائي يقود دراجته النارية ذات العجلتين، فأشرت له بالتوقف، وصعدت خلفه مومئاً لأبي الباهي بالوداع.‏

وتدريجياً صرت أتحاشى الخروج من منزلي خوفاً من لقائه، إلى أن جاءتني دعوة المركز الثقافي إليَّ للمشاركة بأمسية أدبية، وعند وصولي إلى باب المجمع الحكومي، وجدته أمامي، وكأنه كان ينتظرني، هزّ يدي مستفسراً عن صحتي وصحة أولادي سائلاً إياي عن سبب عدم رؤيته لي، شددت يدي منه معتذراً لتأخري وضرورة وصولي إلى المركز الثقافي، لكنه أسندني إلى العمود الحجري:‏

ـ فكرت طويلاً في أمور الدنيا، ووجدت شغلة المحافظ تليق بي... أنا الآمر الناهي في المدينة... سأحقق ما أريده لي ولعائلتي وأقربائي وأصدقائي و.. ستكون من الذين سأنعم عليهم بالخيرات التي ستهبط علي.‏

قلت له بتوسل:‏

ـ يا عم.. لقد تأخرت... مباركة لك هذه الشغلة... وكل المناصب التي تحلم بها.. ولكن أرجوك.. دعني أمضي إلى غايتي.‏

وبانكسار رفع يده عن كتفي، ووصلتني بحة صوته التي شعرت فيها الكثير من الألم:‏

ـ مع السلامة..‏

مشيت باتجاه المركز الثقافي، وعندما شعرتُ أنني أصبحتُ بأمان من وقع نظراته، عدوت باتجاه المدخل الشرقي للمجمع الحكومي، ومنه إلى منتزه المدينة، وبعد أن خلفت المشفى الوطني ورائي، سرت متمهلاً ودقات قلبي ترتفع، رغم محاولاتي تهدئة نفسي، والتأكيد لها أننا كنا وحدنا ولم يسمع أحد ما دار بيننا.‏

وصرت أتحرك في الأمكنة التي يفترض عليَّ المرور بها كشخص مريب، أسير بحذر اللص، وأمعن النظر في الوجوه، وأراقب تحركات الآخرين، والقبعة التي وضعتها على رأسي زادت في إخفاء معالم شخصيتي، دقات قلبي ترتفع فأحس الآخرين يشعرون بها، وأنني لا محالة سأضبط متلبساً.‏

أنا شريك في جريمة لا قدر لي في إبعادها ونفيها، أنا أعترف أنني رجل أستمع رغماً عني إلى تعليقات شخص متذمر من الحياة، وهو حالم، وأنا مضطر للاستسلام إلى المواقف المحرجة التي أرغب الانفكاك منها، والتي قد تعرضني إلى المساءلة يوماً والعقوبة لأنني كنت أستمع، والاستماع إلى الشكوى مشاركة فيها وحتى وإن كانت مشاركة سلبية.‏

أصدقائي ومعارفي وأقاربي يبحثون عن سبب عزلتي التي وضعت نفسي فيها، وكنت أقدم لهم المبررات الواهية التي لا تقنع حتى الصغير والبسيط منهم.‏

قلقي يتعاظم، ووجيب قلبي يرتفع، وصفة الشرود أصبحت لصيقة بي، وذات مرة همست لي إحدى زميلاتي في العمل:‏

ـ أنت كثير التذمر من الحياة.‏

وجمت لهذه الصفة، وتصبب العرق من مسامات جسدي، وفشلت أصابعي المرتجفة في إشعال سيكارتي،حاولت استجماع كل الكلمات المخزونة في ذاكرتي لأنفي تلك التهمة، لكن ابتسامتها أصابت مني مقتلاً:‏

ـ لماذا ترتجف..؟؟.. أنا أمزح معك، وأحاول دفعك لمحاورتي والاقتراب مني..‏

وخرجت من الغرفة مهرولاً دون أن أعطي تبريراً لرئيسي في العمل، ولجأت إلى شارع جانبي خالٍ من المارة، ورحت أقلب في مخيلتي الخيارات الكثيرة التي وجدتها أمامي، منها الانتقال من هذه المدينة إلى أخرى رغم أن هذه الخطوة لن تقنع أحداً مهما قدمت له من تفسيرات ومبررات، وبقائي خلف الباب الموصد يزيد في اتساع رقعة التساؤل عند الآخرين.‏

وصلت إلى سوق الخضرة عند مفترق شارع تل أبيض، وفرحت بالأسعار الزهيدة التي وصلت إليها الخضرة والفواكه، اشتريت الكثير من الأصناف وبكميات كبيرة، وضعتها في أكياس حملتها متجهاً إلى حيث الإشارات الضوئية لأوقف دراجة نارية ذات ثلاث عجلات لتقلني مع حمولتي إلى المنزل، وفي منتصف السوق صادتني عينا (أبو الباهي) وصرخ:‏

ـ أهلاً..‏

واندفع إليَّ يحضنني بأبوة ويقبلني، شعرت أن جميع الباعة والمشترين قد توقفوا عن مواصلة عمليتي البيع والشراء وركزوا اهتمامهم علينا..‏

صوته يرتفع ويغطي على الضجيج ويخفيه، وحتى أصوات الباعة المنادين على بضاعتهم بأسعار منافسة اختفت، أنا وأبو الباهي وجهاً لوجه، المواجهة قاسية ومحرجة، تهليلاته وترحيباته ترتفع، وأنا أتصبب عرقاً، وأرتجف من الرعب، ويرتفع صوتي يائساً متوسلاً له كي يدعني أمضي إلى منزلي، لكن صوته تعالى، حاملاً في تقسيماته رنة فرح:‏

ـ لقد وجدت أخيراً الشغلة التي تناسبني.‏

توقف البعض إلى جوارنا، وأحسست أن الجميع قد تحولوا إلى آذان تنصت لحديثه:‏

ـ ما رأيك بشغلة رئيس الوزراء... إنها شغلة تليق بي..... ولها فوائدها و....‏

وما تركته يكمل حديثه، كنت الأسرع إلى الفعل، تخلصت من ثقل الأكياس التي أحملها، أسقطتها أرضاً، وركضت دون أن أشعر بحرج العيون التي تابعتني متسائلة، ركضت بكل قواي المتبقيّة، صدمت أكثر من شخص، ووقعت فوق كومة بقدونس وضعها أحد الباعة في منتصف الطريق، ركضت دون أن ألتفت خلفي، وكان الخوف يزيد من تسارع حركة قدميّ، أسرعت في عدوي، وما زلت أعدو في كل الأزقة والشوارع هرباً من عيني (أبو الباهي).‏

الرقة 1996م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244