|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:05 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
شتات القلب قلت: عليَّ أن أباغت حزني بلقاء امرأة.. حضرت كلَّ ما يلزم لاكتمال الحلم، أخرجت خوابي الحزن المعتقة من داخلي، وأعطيت لقسمات وجهي أوامر صارمة بالابتسام، وأبلغت عصافير قلبي إشارة البدء للمناداة باسمك، وأفسحت لها الفضاءات كي تطير بأشواقي إليك، هي اللحظة المشتهاة التي رتبت أوراق عمري لبلوغها، ابتسامتك تشع في ليلتي الطويلة هذه وكأنها قمر يأبى الأفول، ناديتك بكل عذاباتي: ((نارا)) أيتها العصية البعيدة.. القريبة من آلامي.. وهكذا سفحت لأجلك خطواتي فوق طرق أليفة وكنت أسمع صوتك يناديني، أقطع المسافات حاملاً تعبي الأزلي وحزني الذي أشعر أنه سيتهاوى بين يديك ويرتحل إلى عوالم لا أود أن أعرفها . همست للأشجار مداعباً وسائلاً إياها عنك، فجاوبتني وهي تواصل استرخاءها: ـ إنها تبحث عنك.. وتابعت بحثي المحموم، قلت: سأجدك في الشوارع الفرعية. لكنها كانت مقفرة كروحي الجائعة العطشى إلى لمسة حنانك، وكنت أوقن أنني سأجدك مع إحساس يتعاظم في داخلي بأن أنفاسك قريبة مني، وهي تلفح أشواقي فتزيدها تأججاً. من هنا قررت أن أمضي في عبوري إلى عالم النشوة حتى النهاية، أعددت كلَّ الوسائل التي تمكنني من تخطي الرحلة هذه، أفرغت في جوفي زجاجات مختلفة الألوان والطعم والرائحة، ومضيت إلى فراشي محملاً برغباتي القاتلة. قالت زوجتي: أنت ثمل... وأدرت لها ظهري.. قالت روحي: أبحث عن أنثى بحجم عذاباتي.. وصرخ جسدي: أريد امرأة تستوعب جوعي لها. مراحل الانتقال إلى عالم الحلم أعدت باقتدار، وها أنا في الفراش أستسلم له، وأعطي لجسدي الموافقة النهائية كي يسترخي ويرمي أثقاله وأتعابه، انطفأت شعلة اليقظة من عيني، وشعرت أنني أنتقل إلى عالم أعرفه، سرت في أزقة مختلفة، وعبرت شوارع متسعة، تسكعت في حدائق مقفرة، وشربت حتى الارتواء من مياه نهر قريب. وعند مفترق طرق تسمرت قدماي، لمحتها تعبر الشوارع مسرعة باتجاهي، كانت هي المرأة التي رسمتها وحلمت بها، جعلت صدري أشرعة مهيأة لاحتضانها، وقفت أمامي ببهائها مقطبة الجبين، وهمست والغضب يزيد وجهها ألقاً: .. ـ لقد تجاوزت الساعة العاشرة. اغتبطت حين تيقنت أنها انتظرتني، وبحثت عني باستماتة كما فعلت، أفردت جناحيَّ لها فارتمت بينهما منهكة: ـ لقد أتعبتني خلال بحثي الطويل عنك... وأنشد الراحة بين يديك. فأجابتها شفتيَّ: ـ عمري منذور لإسعادك.. مدت يدها الصغيرة الدافئة ولامست يدي، داعبتها بخشوع، وجذبتها إلى فمي، طالت القبلة مختصرة عذابات انتظاري. شدتني إلى صدرها، وبعثرت شعرها على وجهي، كنت أتوق إلى قبلتها، وسارعت للبحث عن فمها، لكنها أبعدتني معاتبة: ـ أنت تدرك أن الساعة العاشرة موعد مقدس للقائنا.. فِلَمَ تأخرت..؟؟ أردت أن أتذكر لحظات لقائي السابقة بها، أو أي شيء يرتبط بنا أو بالساعة العاشرة، ففشلت، فتوجهت لالتماس الأعذار أبسطها أمامها، وعندما لم تقتنع عيناها، وقفت أمامها بانكسار، وتمتمت بتوسل: ـ لقد نهضت من راحتي الآنية... واتجهت إلى حلمي كي ألتقيك. فبادرتني بتشنج: ـ ومن قال لك أنني ألتقيك الآن دون معاناة... لقد اختلقت الكثير من الأعذار كي أستسلم للنوم.... ثم أسارع إلى لقائك.. شددتها إلى صدري، دفعتني بعيداً مشيرة إلى الآخرين، همست لها بود: ـ حتى في أحلامنا نخشى عيونهم وعتابهم. أسكتت أصابعها الرقيقة تدفق كلماتي: ـ الحلم جمعنا.. لكن الواقع سيفرقنا.... لا تنسَ هذه الحقيقة. تمنيت لو أمتلك القدرة على الاحتيال على قدري كي أظلَّ متشبثاً بها، مستسلماً لحلمي العذب هذا وأن تبقى قربي بأنوثتها الطاغية تاركةً رأسها ملقىً على صدري حتى انتهاء الحياة. جذبتني يدها إلى كافتيريا قريبة، طلبت القهوة لها والخمرة لي، واستسلمنا لمتعة التدخين، وكانت موسيقى حالمة تدغدغ أحاسيسنا فتنتشر نشوتنا لتحمل العدوى إلى الآخرين، سألتني وهي تشير إلى الوجوه القريبة الأليفة: ـ هل يشاركنا الجميع حلمنا.... أم أنهم في الواقع سعداء...؟؟ خمرتي أمامي تتلاشى في الكأس وهي تمعن التحديق في فنجان قهوتها بحثاً عن إشارات غيبية تهبها السعادة، قلت لها يائساً: ـ ((نارا)) أنت منذورة لوقف انهياري.. وعادت الكآبة تظللني كطير خرافي، وما أجابتني عيناها، داعبت صدرها، اختلج نهدها تحت أصابعي، ارتجفت، سرت القشعريرة في أوصالها، همست باستجداء: ـ كفى.... سيتوقف قلبي عن خفقانه. ناولتها قطعة حلوى فرمتها على الطاولة، رفعت عينيَّ متسائلاً، فهمست: ـ كنت قد قدمت لكَ حلوايَ فقذفتها كنواة البلح. ثم وقفت بانفعال وأعلنت: ـ سنذهب إلى مطعم البرج. هاجمتني الرغبة في تقبيلها حين أغلق باب المصعد علينا، كانت واقفة مستسلمة واكتفيت بجذبها إلى صدري مع محاولة مني لرسم ابتسامة، لكنني لمحت تعابير وجهي على مرآة المصعد، كانت الابتسامة تشبه ابتسامة رجل ميت ودع الحياة لتوه دون أن يتمكن من اقتناص لحظات متعة خلال حياته، جلسنا بمواجهة البحر، صرخت: ـ يا الله.. هل هذا هو البحر.. أم أنا في حلم...؟؟ فغصت بضحكتها: ـ إنه البحر.. ولا زلت في حلمك.. البؤس يسحبني من لحظات الفرح، أحاول الهرب منه، التخلص من شبكته التي أخذت تنسج خيوطها حولي، استنجدت بها، لكن عينيها ظلتا ملتصقتين بامتداد البحر، قلت لها: ـ ابتسمي يا صديقتي كي ترحل هذه الغيوم الداكنة التي تخيم فوق سمائي.. أبعدت نظراتها عني، فعاودت حصاري لها: ـ روحي نورسة تحوم حول بحرك... اتركي لشراعك متعة الإبحار في عالمي.. وثقي أنك ستعودين إلى الشاطئ آمنة... ثملة بلحظات سعادة أبدية.. وتابعت لاهثاً: ـ أنت امرأة جديرة بأن أعطيكِ مفاتيح قلبي. ترنح رأسها، واغرورقت عيناها بالدموع، كانت اللحظة الأقسى والأشد إيلاماً خلال لقائنا عندما رَّفت شفتاها بكلمات متقطعة: ـ وداعاً... نلتقي.. وشرقت في كلماتها، تابعت وعيناي تتمسكان بتفاصيل وجهها: ـ حين أسمع لهاث البحر وهو يتمطى في طريقه إلى صحرائي.. سألتقيك مجدداً.. وشدت انتباهي نقاط دم تتساقط على أرض المطعم، ثم بدأت تتجمع وتأخذ طريقها منحدرة إلى الصخور القاسية، وتتسرب إلى مياه البحر، أطلت التحديق باتساعه، وظننت لوهلة أن اللون الأحمر قد طغى على زرقته، أخذت المقاعد تهتز وترتفع، وكانت الدماء توالي هطولها، وبين النظرات المتسائلة من عيون الآخرين أردت سؤالها، لكنها عاجلتني بذات السؤال: ـ دماء من هذه...؟؟؟ وتدفقت دموعي في محاولة أخيرة مني للتخفيف من هدير الدماء المتدفقة بصخب إلى أعماق البحر، وما استطعت الإجابة عن تساؤلها العذب المحير: ـ من جرح الآخر...؟؟ ـ آو حتى كلماتها التي تركتها على الصحيفة: أيها الجزار.. ـ إلا أنني كنت متيقناً أن الدماء استمرت في هطولها، ولا زالت، وأنا ضعت في حلمي، وما عدت أستطيع تلمس الطرق للعودة إلى اليقظة، أو حتى رؤية حبيبتي ((نارا)) مرة أخرى. اللاذقية صيف 1998. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |