صخب الرماد - صبحي دسوقي

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ســــاعتي

أنا متأكد أنكم جميعاً قد شاهدتم تلك الساعة الجميلة، المثيرة بأناقتها، وأنكم تمنيتم الحصول عليها، أو على واحدة تشبهها.‏

أذكر أنني ومنذ اللحظة الأولى لوضعها على معصم يدي، أثارت غريزة أشقائي لامتلاكها، ثم سرت العدوى إلى أصدقائي ومعارفي، وكلَّ من رآها.‏

نسيت أن أخبركم أنها جاءتني هدية، أنتم لا تصدقون، طيب سأقسم لكم بكل الأيمان التي حفظتها على يد الشيخ الذي علمني قراءة القرآن..‏

لقد أرادتها زوجتي مفاجأة لي، فأوصت شقيقي بشرائها من بلد مجاور، ودفعت له ثمنها من النقود التي ادخرتها لشراء خاتم ذهبي لها، وقد قدمتها إليَّ مبتسمة:‏

ـ هدية غالية بمناسبة مرور عشر سنوات على زواجنا..‏

تمتمت شاكراً لها، وأنا أتفحصها بفرح متزايد، يومها أحاطني إخوتي، وأخذوا يتأملونها، ويسألون عن ثمنها ومصدرها.‏

لقد كانت ساعة أنيقة، وغالية الثمن، وتحمل اسم أهم شركة عالمية لتصنيع الساعات.‏

ومن وقتها رافقتني المآسي، والمواقف المؤسية التي أخذت تبعد الأصدقاء وخسرانهم، وبدأت أحفظ سيلاً من الأعذار أبديها لمن يرغب باصطيادها من يدي..‏

وذات يوم دعاني مدير المدرسة إلى غرفته، وقدم لي سيكارة، وفنجان قهوته:‏

ـ يا أخي الحياة أصبحت لا تطاق... نحن نستدين من أجل تأمين الحد الأدنى من الطعام لاستمرار حياتنا..‏

وبأخوة ومحبة لم يسبق لي ملاحظتها عليه، انفرجت أسارير وجهه العابسة دوماً، وشرع يستفيض بعرض منغصات الحياة التي يعيشها وهمومها، أطفاله وبناته، وطلبات زوجته التي لا ترحم، وفواتير الماء والكهرباء والهاتف و....‏

وفي حركة شعرت أنها مدروسة من قبله، تصنع المفاجأة وهو يتأمل الساعة، وتابع بحبور:‏

ـ بصراحة.... أريد الساعة... لا تظنّ أنها رشوة لا سمح الله... سأعطيك ساعتي القديمة هذه... هي عملية تبادل لا أكثر... أنت تعلم أنني أقابل الكثير من المسؤولين...‏

وساعتي القديمة هذه تشعرني بالدونية أمامهم..‏

ولمّا أبديت له اعتذاري وأسفي، احمرَّ وجهه، وعادت قسماته للانقباض ولاستعادة ملامح القسوة التي ألفتها، ثم أشار إليَّ بالذهاب إلى تلاميذي لأنهم ينتظرون تأدية واجبي أمامهم..‏

وعندما ذهبت إلى مديرية المحاسبة لقبض راتبي، وجدت حسماً باسمي لتلك الأيام الثلاثة التي غبتها مرغماً لسفري مع جثة صديقي إلى قريته، وانشغالي بمراسم دفنه، وتقبل العزاء لفقدانه. وعندما واجهت المدير مستفسراً عن الحسم وذكرته أنه اعتبر تلك الأيام إجازة إدارية منه، لأنني كنت غائباً من أجل موقف إنساني وفق تعبيره، هزَّ رأسه دون أن ينظر إليَّ.‏

ـ يا أخي بصراحة... الرقابة جاءت... وعدت تلك الأيام انقطاعاً.. ليست بيدي حيلة..‏

المأساة الثانية جاءت مع زيارة الموجه التربوي إلى المدرسة لحضور الدروس النموذجية من أجل وضع العلامة النهائية للترفيعات المنتظرة في بداية العام القادم.‏

وعندما جاء دوري، قمت بإعطاء الدرس الذي بقيت أسبوعاً أتدرب عليه وأحضره وفق التعليمات الوزارية الحديثة، إلا أنه اختصر الزمن المحدد وطلب مني أن أنهي الدرس وأخرج التلاميذ، وأن أجلس إلى جواره لتلقي تقييمه.‏

لحظتها لمح الساعة اللعينة، وأبدى استعداده لوضع العلامة التي أريدها، فقط عليَّ أن أقدم له الساعة كهدية صداقة، لأنها تليق به كموجه تربوي، اعتذرت منه بلطف، وأنهى لقائي به شاكراً حسن إدارتي لمجريات الدرس، وإشراكي للتلاميذ في كل خطواته، وصدرت الترفيعات بحصولي على نسبة 5% بينما جاءت نتائج جميع المعلمين في المحافظة 9%..‏

قلت لزوجتي: لابدَّ من إخفاء الساعة المشؤومة..‏

إلا أن زوجتي استاءت، وأعلنت أنني أختلق الأعذار للتخلص من أي شيء يذكرني بها، فحتى خاتم الزواج بعته من أجل تسديد ثمن فاتورة الهاتف كما أدعي..‏

المهم، يا أحبتي، جاءت الضربة الثالثة حين قام السيد مدير التربية بزيارة تفقدية إلى مدرستنا، وقبل أن ينهي اجتماعه، طلب مني البقاء في غرفة الإدارة، وبعدها اتجه إليَّ يسألني عن أحوالي، ثم وجه حديثه إلى مدير المدرسة:‏

ـ هل تعرف أن الأستاذ (غريب) هو صديقي الوحيد في هذه المدينة، علاقتنا تعود إلى سنوات. وبعد الاطمئنان على صحتي وسؤاله عن متطلباتي، طلب الساعة التي تعرفونها. وقال وهو ينهض من خلف مكتب المدير ويقدم لي سيكارة:‏

ـ صدقني يا (غريب) لقد بحثت عن واحدة مثلها في كل المدن التي سافرت إليها... ولم أجدها..‏

خرجت بعدها من غرفة الإدارة مطروداً من قبله، شاتماً تلك الساعة، واللحظة التي دخلت فيها حياتي، وبعد أيام جاءني توبيخ من صديقي مدير التربية، مع حسم من راتبي لمدة ستة اشهر، ووقف ترفيعي مدة سنتين.‏

لم أستطع الاعتراض لأنني أصبحت في نظر الجميع سبباً لتدني مستوى التعليم في بلدنا. وسارعت إلى إخفاء الساعة في جيبي خشية من زيارة مرتقبة لوزير التربية إلى مدينتنا. وكنت كلما أخرج من المنزل، أضعها في جيبي منعاً للإحراج، وقبيل عودتي إليه أعيدها إلىمعصمي لكي لا أغضب زوجتي.‏

أعتقد أنكم ستتنفسون الصعداء، وستقولون لي لقد ارتحت من مأساة الساعة وأرحتنا، لكن الأوضاع سارت خلافاً لتوقعاتكم وآمالي..‏

لقد أخذت الساعة تحرن في الليل، وتتوقف لساعتين أو ثلاث، ثم تعود إلى دقتها المعتادة، أخذتها إلى خبير في تصليح الساعات، وبعد فحصها أكد أنهامحافظة على مواصفاتها العالية وكأنهاخرجت لتوهها من المصنع الذي أنتجها، واستمرت الساعة في زوغانها، وتوقفها عند الثالثة صباحاً، وعندما أنهض من نومي أعاود وضعها على الزمن الذي تشير إليه الساعة الجدارية، فتستمر في سيرها المنتظم، ودقتها المثيرة للأعصاب، فشلت كل محاولاتي في استمالتها للاستمرار ليلاً، وضعتها في جيبي، لكنها كانت تتوقف هكذا، وكأنها أصرت على موقف لا تراجع عنه، قال لي صديقي (فرحان):‏

ـ لم لا تجري بعض التحليلات، فربما ارتبطت الساعة بجسدك وروحك.. وهي تتوقف لأن شيئاً ما في جسمك يتوقف عند ذاك الزمن..‏

أرعبتني الفكرة لكنني قدرت أنني لن أخسر أكثر مما خسرت في انتظار ما قد يحدث، وهكذا نفذت مشيئته، وارتحلت إلى أكثر من طبيب، ومخبر تحليل، ثم أكدت النتائج أنه لا وجود لشيء يثير الريبة، فأموري الصحية منتظمة، وهي تسير كالساعة..‏

بربكم أليس الأمر مضحكاً...؟؟ وكيف لي أن أقنع الأطباء أن مأساتي هي ساعتي التي لا تسير كالساعة..‏

وهكذا غدوت موضعاً للتندر من قبل معارفي وأصدقائي، فكلما شاهدني شخص مايبادرني بسؤاله عن ساعتي، تمنيت مراراً أن يخطئ أحدهم ويسألني عن صحتي مثلاً أو أموري المالية المتردية.‏

وتدريجياً أخذت حياتي تسير بطرق مغلقة، حملت أوهامي وعذاباتي إلى صديقي (خليل) وعندما بسطتها أمامه، ضحك من سذاجة موقفي، ومدَّ يده مقدماً إليَّ ساعة بديلة وقال مازحاً:‏

ـ جرب هذه فتنسى تلك.. أم أنك نسيت المثل القائل "وداوها بالتي كانت هي الداء".. ثم ذكرني بتجارب الحب الفاشلة التي عشتها وعرضتها أمامه، وعذاباتي التي كنت أعانيها بعد انتهاء كل علاقة، ثم نسياني لها عند تعرفي على أنثى أخرى... وهكذا...‏

أعدت الساعة إلى معصم يدي، ووضعت ساعة (خليل) في معصم يدي الأخرى، وصممت على إجراء مقارنة قد لا تكون في صالح ساعتي الأنيقة.‏

عدت إلى منزلي بعد أن أنهكني السهر، غمزت زوجتي إلى الساعة الجديدة، وأشارت بيدها إلى رأسها:‏

ـ أعتقد أن جنونك قد بدأ... ساعتين يا رجل...‏

واندسست في فراشي لاهثاً وأنا أحس اضطراباً في دقات قلبي، وبعد استيقاظي حدقت بالساعة، كانت متوقفة تماماً في موعدها، أعدت النظر إلى ساعة (خليل)التي كانت تشير إلى توقفها في الساعة ذاتها، أغمضت عيني، ثم فتحتهما على اتساعهما لأتأكد أنني بكامل استيقاظي ووعيي..‏

لكن الساعتين كانتا هامدتين وتشيران إلى ذات الساعة والدقيقة التي توقفتا عندها‏

وهكذا مرت الليالي عليَّ متثاقلة، بطيئة، وأنا أحدق بالسقف والجدران بانتظار توقف الساعة، واستمرت في توقفها وتأجيج عذاباتي وحيرتي..‏

وظهر الشحوب على وجهي، وضمور جسدي بات لا يخفى على أي عين تقع عليه، وما تركت صديقاً أو عابراً في شارع إلا وسألته المعونة في حلّ معضلتي، وكان الجميع يظهرون تعاطفهم ثم تذمرهم، وحتى شتمهم لي ولساعتي، وصار الأصدقاء يتهربون من لقائي أو السهر معي، لأن الحديث شاؤوا أم أبوا سيبدأ بالساعة وسينتهي بها حكماً.‏

وهكذا بقيت وحيداً مع ساعتي، أضعها أمامي، أحدثها عن انكساراتي وخذلانها لي وفقدان الأصدقاء، وطلب زوجتي الطلاق، وطردي من المدرسة.‏

قد تقولون وقد نفذَ صبركم:‏

ـ لماذا لا تكسرها.... أو تقذفها إلى النهر... أو تضعها في مكان ما وتنساها...؟؟ لقد فكرت مراراً بهذا، لكن مأساتي التي تتنامى كانت في بحثي عن حل للغزها، لاشك أن وراء توقفها سبباً، وأنها لا تتوقف فقط لأنها تريد إغاظتي، دلوني على السبب فأتنازل عنها لأي واحد منكم، وفوقها قبلة حارة كحرارة عذاباتي.‏

عدت منهكاً إلى منزلي أحمل وحشة العالم، خلعت الساعة ووضعتها إلى جانب الفراش، قرب زجاجات الخمر وعلبة السكائر، ثم همست لها:‏

ـ أنا وأنت وهذه الليلة أمامنا..‏

لقد قررت وضع حد لها، ولحياتي المضطربة، كان القرار يسري في دمي بهدوء، وشيئاً فشيئاً أحست الساعة باستنفاري لكل قدراتي من أجل مواجهتها.‏

ـ قلت لها مازحاً: نحن معاً حتى الصباح.‏

وتمنيت وقتها لو كانت آلة التسجيل التي بعتها موجودة، أوحتى التلفاز، ولكنني ورغم خلو البيت إلا من فراشي صممت على مواجهتها، وكلماحاول النوم مباغتتي، أسارع إلى صنبور الماء راشقاً منه رشقات متلاحقة على وجهي، طارداً النعاس، معاوداً الاستعانة بالقهوة والسجائر، ناظراً بحقد إلى الساعة معلناً لها بصوت عال أنني قبلت تحديها، وأنني أهل له.‏

الساعة تتجاوز الثانية صباحاً، أنظر إليها بإرهاق وإلى الساعة الجدارية، وساعة (خليل) فأجد الزمن واحداً، تمر الدقائق بطيئة أغالبها بالغناء، أو تذكر قصص الحب التي عايشتها ومضت وأصبحت زمناً يذوب في البعيد..‏

وقبل أن تقترب الساعة من موعدها، شعرت بخفقان في القلب، ورعدة استشرت في جسدي وسرعة تتزايد في نبضات تدفق دمائي، اندسست في الفراش محاولاً تلمس الدفء، إلا أنه كان ينأى عني بعيداً، وكان الصقيع يطبق بإحكام على أصابع قدمي اليسرى، ويرتفع ببطء إلى أنحاء جسدي، جذبت الساعة إليَّ، رأيتها تترنح في مشيتها، وتفقد انتظامها، تزايدت دقات قلبي، ارتفعت، بينما عقارب الساعة تخبو محتضرة من الثالثة، وتتوقف ولا تعود إلى دورانها أبداً.‏

الرقة عام 1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244