صخب الرماد - صبحي دسوقي

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مدن تحتضر

1 ـ مدخل‏

كان الرحيل عن محيط مدينتي وهماً، أو حلماً يصعب تحقيقه،مرة قالت إحدى العرافات لأمي:‏

ـ سيموت خارج وطنه...!‏

أفزعتني نبوءتها، وطويت أحلامي بالسفر، وكنت أهمس لأصدقائي مداعباً:‏

ـ لا أستطيع السفر خارج مدينتي... أنا كالسمكة..‏

فينصرفون عني ويرتحلون إلى البلاد البعيدة، ويعودون محملين بالذكريات التي يفرشونها أمامي، فتتغلغل تلك الذكريات في دمائي، وتستوطن في خلاياي، واشعر أني أختنق فعلاً حنيناً إلى السفر.‏

أدور في الحانات، أفرغ الكؤوس، أمتص المزيد من التبغ عبثاً، ... وسدىً ضاعت كل محاولاتي في ردّ حواسي إلى الاهتمام بالقضايا المعاشية التي تشغل الآخرين.‏

وسرعان ما استسلمت لدعوة "خليل" المغرية:‏

ـ نرحل معاً إلى البلاد البعيدة.. ستتعرف من خلالها إلى عوالم مختلفة... و... ابتسمت مدارياً خوفي:‏

ـ نرحل يا صديقي..‏

2 ـ يريفان(1):‏

قال خليل مداعباً:‏

ـ هي المرة الأولى التي تسافر فيها بالطائرة.. سجل منذ الآن عدد الأشياء التي ستتعرف بها للمرة الأولى في حياتك.‏

أجبته بفرح:‏

ـ أجل.‏

وأنا منصرف عنه كليّة إلى النظر إلى الغيوم... استغرق الركاب في تناول الأطعمة التي قدمتها المضيفات، بينما تابعت ملاحقة الغيوم وهي تتراكض، تقترب من الطائرة، ثم تبتعد، قلت: لغيمة مسافرة:‏

ـ احمليني معك..‏

فضحكت وهي تبتعد عني:‏

ـ عندما تتعرف إلى النساء الجميلات هناك.. ستتركني.‏

ضحكت من إجابتها، شدني "خليل" إليه وسألني بعصبية:‏

ـ لماذا تضحك؟‏

قلت له:‏

ـ أضحك مع تلك..‏

وأشرت إلى الغيمة الهاربة..‏

بعد قليل بدأت الغيوم تبتعد وتظهر الجبال فالأشجار، ثم القرى المتناثرة، وأخيراً ظهرت "يريفان"..‏

وصلناها، كان الجو كئيباً، والغيوم تغطي السماء، أحسست أنني أدخل مدينة ميتة، شوارعها متسعة ونظيفة أكثر مما تحتمله أعصابي، وفارغة إلاّ من عدد قليل من المارة المسرعين.‏

دخلنا الفندق مساءً، وقفت في الشرفة أنظر إلى شوارعها التي زادتها مياه الأمطار نظافةً. وكانت البيوت مظلمة..‏

نمنا ليلة مضطربة، استيقظنا صباحاً على صوت المطر، السماء تمطر بغزارة، دعانا أحد أصدقاء خليل إلى غداء في منزله، وقدم لنا "الكونياك الأرمني الشهير"، خرجنا من منزله منتشين، درنا في الشوارع، الجو بارد قليلاً، والغيوم تغطي السماء بكثافة، درنا في ساحاتها وشوارعها وأزقتها، المحلات والشرفات والباعة والنساء والشيوخ والأطفال كل ذلك يوحي بأنهم يعيشون مأساة الحرب.‏

قلت لِـ"خليل":‏

ـ إنها مدينة تعيش رعب الحرب.. فلنغادرها..‏

وقفت أمام نافذة القطار أتابع "يريفان" وهي تبتعد عني زممت شفتي:‏

ـ سحقاً للحروب.‏

3 ـ تبليسي(2):‏

الطبيعة على امتداد أراضي "جورجيا" أكثر جمالاً، إنها رائعة وممتعة، ظللت ساعات أقف محدقاً في الحقول والأشجار والجبال المزدانة بالخضرة، ثم توقف القطار في محطة "كومبي" جاء مرافق العربة وأغلق الأبواب وطلب من الجميع عدم فتح النوافذ.‏

القلق يسيطر على الوجوه، سيارات كثيرة تأتي من جهات مختلفة وتقف حول القطار، ثم تفرغ عدداً من الرجال وتمضي لتعود مجدداً.‏

الخوف سكن العيون، أغلقت النسوة الأبواب عليهن وتعالى صوت نحيبهن، وبقي الرجال ينظرون إلى خارج القطار بقلق ظاهر.‏

سألت خليل:‏

ـ ماذا يجري؟..‏

قال بكلمات مرتجفة وقد اكتسى وجهه بالاصفرار:‏

ـ إنها العصابات.. إمّا أن يقتلونا أو يأخذوا كل أمتعتنا ونقودنا...‏

الظلام يهبط بطيئاً، والدقائق تمضي بتثاقل مميت ونحن أسرى في قطار ماتت الحركة فيه وسكنه الخوف والترقب،سألت مرافق العربة:‏

ـ ولماذا لا ينطلق السائق بسرعة مبتعداً عن اللصوص؟‏

أشار إلى الحاجز الموضوع بعيداً على سكة القطار، وقال:‏

ـ من يدري... قد يكون ملغوماً!..‏

في الظلمة الحالكة بدأت إشارات ضوئية تنطلق من البيوت البعيدة، قلت لخليل مرعوباً:‏

ـ إنها الإشارة لبدء اقتحام القطار..‏

سمعنا صوت تحطم زجاج النوافذ، وكان يأتي من بعيد، صرخت:‏

ـ أين الشرطة؟‏

فحدق فيَّ أحد الركاب مستفسراً، ترجم له خليل تساؤلي، فزمَّ الرجل شفتيه:‏

ـ قد يكونون بينهم... أو أنهم ينتظرون حصتهم من الغنيمة...!!‏

بعد زمن من الرعب جاءمرافق العربة مضطرباً:‏

ـ لقداقتحم اللصوص عربة المطعم وسرقوا كل شيء، أخذوا النقود والأطعمة والمشروبات.‏

نزل سائق القطار ليفاوض اللصوص، وقبيل منتصف الليل سمحوا له أن يعود بالقطار إلى أية محطة يختارها، أدار السائق عربة القيادة وعاد بنا إلى "تبليسي"، استسلم الركاب للخوف من المجهول، وقال أحد الركاب لخليل:‏

ـ قد تكون هناك عصابات أخرى بانتظارنا..‏

همست لخليل يائساً:‏

ـ أريد العودة إلى مدينتي...‏

ربَّت على يدي بيده المرتجفة:‏

ـ وأنا كذلك أرغب في العودة.. ولكن من يدري، قد نتمكن من العودة أحياء..‏

في محطة القطارات الكبرى في "تبليسي" جثم القطار بانتظار الصباح والخوف يسرق النوم من الجفون التي أطفأها الرعب.في العاشرة صباحاً أبلغنا سائق القطار أن الطريق أمنة وسنغادر حالاً...‏

ترنح القطار في مشيته وكان بطيئاً إلى الحد الذي يزيد اشتعال الخوف في الدماء وصلنا أخيراً إلى محطة الرعب "كومبي" وتوقف القطار، قلنا:‏

ـ لقد عدنا إلى الموت بأرجلنا.‏

لكنه سرعان ما أسرع في سيره باتجاه "سوتشي"..‏

الحرارة لا ترحم داخل القطار، الماء نفذ والعطش والجوع مزّقا الجميع، فبدأنا نحدق في عيون بعضنا ببلاهة..‏

وقبل مدينة "سوخومي" آخر مدينة جورجية، سقطت فتاة من القطار، توقف القطار وهرع الركاب إلى حملها، قلت لخليل:‏

ـ سأذهب لأراها...‏

نظر إليَّ بوجوم وأشار بيده إشارة الرفض، لكنني تابعت سيري بين العربات حتى وصلت إلى حيث ألقوها، وجدتها مكوَّمة على أرض القطار وقربها صبي يقاربها عمراً ينظر إليها بحزن..‏

وصل القطار محطة "سوخومي" ونقلت الفتاة إلى سيارة إسعاف يرافقها صديقها، ولم يعرف أحد هل كان سقوطها محاولة ما لقتلها، أم كان انتحاراً، أم احتجاجاً على احتجازنا في تلك المحطة؟!..‏

نزلنا مع الركاب لشراء الأطعمة والمشروبات، ثم تابع القطار سيره وأنا أنظر إلى الخلف باتجاه تلك المحطة التي كدنا أن نقتل فيها:‏

ـ تباً للصوص..‏

سوتشي (3)‏

نزلنا في محطة قطارات ((سوتشي)) بعد منتصف الليل، وجدنا عدداً كبيراً من النساء يقفن أمام المحطة يعرضن على المسافرين المبيت عندهن، وافقنا على السعر الذي طلبته المرأة، وسرنا وراءها باتجاه شقتها، أدخلتنا إلى الغرفة المعدة لاستقبال المستأجرين، ثم نمنا بكامل ألبستنا. صباحاً كان علينا البحث عن شقة مستقلة، وبعد مفاوضات طويلة مع النساء اللواتي يقفن أمام المحطة حصلنا على شقة صغيرة نظيفة في حيٍّ قريب من مركز المدينة.‏

انتقلنا إليها نحمل تعبنا وخوفنا، دخلنا الحمام واستسلمنا طويلاً للمياه الباردة في محاولة للتخلص من آثار الرحلة.‏

مساءً جاءت ((لوبا)) صديقة خليل، احتفينا بها، شربنا ((الشمبانيا)) احتفاءً بها، وقبل أن تغادرنا همس لها خليل مداعباً:‏

-((غريب)) لا يجيد التحدث باللغة الروسية.‏

أجابته ضاحكة:‏

-إنه بحاجة إلى معلمة.. وسأبحث له عن صديقة.‏

خرجنا ظهراً من الشقة إلى شاطئ ((البحر الأسود)) الذي يعج بالأجساد المستسلمة لأشعة الشمس، ركضت إلى البحر بنشوة، وبقينا حتى المساء نتأمل السماء والماء والنساء، ثم عدنا إلى شقتنا متعبين، وبعد فترة قصيرة اتصلت صديقته تدعونا إلى العشاء.. دفعني خليل بيده:-قم واستحم وارتد ثيابك.. معلمتك بانتظارك.‏

وصلنا إلى شقة ((لوبا)) وجدنا فيها عدداً من الفتيات والمائدة عامرة بكل شيء قالت لوبا ضاحكة:‏

-اختر معلمتك بنفسك!‏

جلسنا حول الطاولة وكنت مشدوهاً بما امتلأت به وما حولها.‏

تناولنا الطعام والشراب، ثم نهضت ((لوبا)) ووضعت شريطاً راقصاً في آلة التسجيل، قام خليل ودعاها إلى الرقص ثم غمزني:‏

-قم يا أهبل وادع أية واحدة منهن.‏

أمسكت بكأسي حائراً وبدأت أنظر إلى العيون، شدتني واحدة منهن وبدأت تراقصني، همست في أذني:‏

-اسمي ((لينا)).‏

واستسلمنا للرقص على أنغام الموسيقى الهادئة، التصقت بها، دفعتني عنها ثم عادت وشدتني إليها بحرارة، نظرت إلى وجهها، فلمعت عيناها ولمحت ابتسامة مشجعة ترتسم على شفتيها. عندما انتهينا من الرقص، كانت الفتيات الأخريات قد انسحبن من الغرفة دون أن نشعر بهن، خرجت مع لينا إلى الشرفة لندخن، وبقي خليل مع لوبا، تلمست أصابعها في الظلام فنفثت دخانها بوجهي بنشوة، التصقت بها وغبنا في قبلة طويلة دافئة، لمحتنا ((لوبا)) فجاءت مبتسمة وقالت لـ لينا:‏

-عليكما الذهاب إلى شقتك.‏

قلت لخليل:‏

-أنا مضطرب.‏

أجابني بنزق:‏

-يا لك من معقد.‏

اصطحبتنا ((لوبا)) إلى الشقة، ثم طلبت مني إغلاق الباب من الداخل والاحتفاظ بالمفتاح وأومأت باتجاه لينا:‏

-إنها ثملة.‏

جلست على السرير بارتباك، نظرت ((لينا)) إليّ مبتسمة وهمست:‏

-يمكنك التدخين في غرفتي.. سأعود إليك.. لا تهرب.‏

بعد دقائق سمعت صوت المياه في الحمام، وجلست أستمتع بالدخان الذي يغطي سماء الغرفة، جاءت ((لينا)) بعد قليل مثيرة ومعطرة ومبللة بالمياه، انحنت بحركة مسرحية:‏

-شهرزاد بين يديك يا مليكي.‏

فتحت لها ذراعيّ فارتمت على صدري منتشية، ثم بدأت من خلالها التعرف على جسد المرأة الروسية..‏

ظللنا حتى الصباح مستيقظين.. تذهب لتأخذ حماماً سريعاً ثم تعود.. وأذهب أيضاً وأعود سريعاً.‏

صباحاً جاءت لوبا وخليل، شربنا القهوة معاً، قالت ((لينا)) لخليل ضاحكة:‏

--ممكن أن تنسى صديقك عندي.‏

فضحكنا بسعادة ثم خرجنا إلى صباحات ((سوتشي)) هذه المدينة المليئة بالحركة، كرنفالات‏

للأجساد والألبسة الخفيفة، الطبيعة رائعة الحسن أشجار وجبال وبحر يمتد حولها ليعطيها ألقاً متزايداً، أمطارها متقطعة لكنها مثيرة.‏

أجلس مأخوذاً بمتعة الشمبانيا مع "أنجيلا" إحدى صديقات خليل، تابعته وهو يحادثها ثم سرعان ما استغرقت في تأمل الأشجار ومياه المطر التي تتساقط عليها..." سوتشي "مدينة الأحلام والشباب.‏

الحمام يلهو في الشوارع، والعازفون والمطربون على الأرصفة، بائعات الورود واللحوم والخضار والفواكه، وكل شيء.‏

مساءً عرّفتني "أنجيلا" على صديقتها، كانت شقراء وطويلة وجميلة، ذهبنا إلى المقهى فشربنا المزيد من الشمبانيا احتفاءً بتعارفي على "لودي".‏

بقيت طويلاً صامتاً أنظر إليها، سألتني:‏

-ما بك؟‏

قلت لها:‏

-جمالك يرعبني.‏

ضحكت وشكرتني.‏

-مجاملتك لطيفة.‏

ثم اقترحت أن نغير المقهى.. سرنا معاً، أمسكت بيدها حتى وصلنا إلى مقهى بحري جميل، هطلت أمطار متفرقة ونحن نجلس تحت الأشجار، شربنا المزيد، قالت "أنجيلا":‏

-غريب ثمل.‏

قلت للودي:‏

-عيناك رائعتان.‏

ضحكت بصوت عال، ثم طلبت منها أن تنظر في عيني، قلت لها:‏

-كلما أبحرت في عينيك أبعدتهما عني مبتسمة.‏

ثبتت عينيها في عيني وكانتا تضحكان وتبرقان بمتعة.‏

سرنا في الشوارع والساعة تتجاوز منتصف الليل، أمسكت يدها ثم قبلتها وشرعت بمداعبتها، أحطت خصرها بذراعي، ضحكت بصوت مرتفع، سألتها:‏

-ما بك؟.‏

وأشارت إلى ظلينا على الأرض، كنت أبدو قزماً بجوارها، فشاركتها الضحك بألم، وقبل أن نفترق، شدّت على يدي بحرارة وقالت:‏

-سأراك غداً وسأتعرف عليك جيداً.‏

صباحاً تغير الطقس، ازدحمت الغيوم في السماء، وهطلت أمطار غزيرة غسلت كل شيءٍ، مسحوراً أركض تحت المطر بحثاً عن مكان يقي جسدي من المطر.‏

اتصل خليل بـ "أنجيلا ولودي" فاعتذرتا من رداءة الطقس، ثم عاد واتصل بـ "لوبا ولينا" فاعتذرتا للسبب ذاته.‏

جلسنا نحضر أمتعتنا ونحن نشتم بصوت مرتفع الطقس المتقلب.‏

5-موسكو:‏

صباحاً صعدنا إلى القطار المتجه إلى موسكو، مرافقة العربة جميلة جداً، داعبتها فضحكت، ثم جاءت امرأة مع ابنها الصغير إلى غرفتنا... وبعد أن عرّفتنا على اسمها، سألني خليل عن رأيي فيها؟ قلت له:‏

-الطريق إلى موسكو طويلة ولا يمنع أن أقضي أوقاتاً ممتعة معها.‏

قال لها خليل:‏

-غريب يحتاج إلى معلمة، وهو لا يجيد الروسية.‏

جذبتني من يدي وأوقفتني أمام النافذة وسألتني إن كانت هي زيارتي الأولى إلى روسيا؟ أجبتها وأنا أنظر إلى وجهها، ثم أخذت تشير إلى الطبيعة وتسمي الأشياء بالروسية، ثم تعود وتطالبني بلفظ المسميات، قضيت الليلة مع "أولا" بمتعة، وكانت تضحك للفظي المفردات الروسية وتعود إلى تصحيحها لي.‏

وصلنا إلى موسكو بعد منتصف الليل، وكان علينا البحث عن فندق نقضي فيه ليلتنا.‏

أمام المحطة وجدنا رجلاً يصرخ في عدد من الرجال الذين يحيطون به، عرفناه غريباً من سحنته ولهجته، سأله خليل بالعربية عن سبب احتجاجه؟ قال:‏

-إنهم يطلبون مني خمسة آلاف روبل لتوصيلي إلى الفندق مع أمتعتي.‏

حادثهم خليل فرفضوا توصيلنا إلى الفندق دون أن ندفع المبلغ الذي حددوه.‏

وصلت سيارة الشرطة، ركض الرجل إليها، وأخبرهم عن الطلب الغريب للرجال. قالت الشرطة:‏

-ادفعوا ما يريدون وأعطونا ألف روبل.. أنتم سيّاح أليس كذلك؟‏

خضع الرجل ودفع النقود وصعدنا السيارة، قال السائق متذمراً:‏

-إنهم رجال المافيا.. لقد أعطوني ألف روبل فقط!‏

كل شيء في روسيا أصبح مباحاً، المتاجرة في كل شيء، حتى الإنسان. السيارات الحكومية تعمل بالأجرة، والمفاجأة التي مازلت مذهولاً منها، هي حين توقفت سيارة إسعاف أمام موقف السيارات، وأقلتنا إلى وجهتنا وأخذ الطبيب المرافق الأجرة!‏

لا قانون في روسيا إلا قانون المافيا والتجارة، المافيا تتحكم في كل شيء، والأسعار غير ثابتة والمرأة الروسية تعمل منذ الثامنة صباحاً حتى منتصف الليل، من أجل طعامها وتأمين القليل من المال احتياطاً لأيام سوداء مرتقبة.‏

وصلنا فندق "الكوزموس" فرفضت العاملات فيه إعطاءنا غرفة إن لم ندفع مبلغاً كبيراً رشوة لهم.‏

صباحاً ذهبنا إلى فندق بعيد يدعى "الكونكورد" وعدنا إلى موعد مع مترجم من أصدقاء خليل. التقينا بالرجل، ثم ذهبنا إلى الكرملين، جلسنا على أحد المقاعد، وبدأ الرجل يحدثنا بألم عن الأوضاع المأساوية التي يعيشها الناس.‏

تحدث عن المجاعة والمافيا واللصوصية والدعارة، ثم أردف بيأس:‏

-الراتب الحالي لا يكفي الحد الأدنى للعيش.. لذلك يلجأ الناس إمّا إلى السرقة أو إلى التجارة بالرقيق الأبيض.‏

قلت له:‏

-وهل تتوقع أن تعود الأمور إلى سابق عهدها؟‏

ضحك بسخرية:‏

-لا... لا يا صاحبي.. رغم أننا إذا أجرينا مقارنة بين وضعنا الحالي ووضعنا سابقاً لوجدنا أن الماضي أفضل بكثير.‏

ثم تابع بحزن:‏

-الزمن يمضي إلى الأمام، ونحن باتجاه الهاوية ولا شيء يستطيع إيقافنا.‏

نزلنا الأدراج لنركب المترو، أحسست بخوف وانخفض ضغطي.. الدرج الكهربائي يهبط بنا ببطء إلى المحطة، وسرعان ما شاهدت عالماً مختلفاً تحت الأرض... الآلاف يتحركون بآلية، يدخلون ويخرجون من المترو.‏

قلت لخليل:‏

-أنا متعب وخائف.‏

أطبق حاجبيه:‏

-اصمت.‏

وبعد زمن وصلنا إلى حيّ بعيد عن المدينة، استأجرنا غرفة عند سيدة جميلة.‏

صباحاً تجولنا في موسكو، كاتدرائية القديس فاسيلي، شارع غوركي، الكرملين، ثم وقفنا أمام الساحة الحمراء، كنت مرهقاً وكئيباً، وشعرت أن هذه العوالم لا تعني لي شيئاً.‏

الساحة امتلأت بالبائعات اللواتي يبعن كل شيء حتى أجسادهن.‏

شعرت بحنين إلى مدينتي الصغيرة الهادئة.‏

لاشيء هنا يغري بالبقاء ضمن جو يفتقد فيه الإنسان الأمان ويقضي ساعات يومه بالجري في أنفاق المترو.‏

دعانا "توفيق" أحد معارف خليل إلى طعام عربي، ومساءً زرنا الدكتورة "ناديا" في شقتها، استقبلتنا بلطف، ولأول مرة خلال هذه الرحلة أحسست بإنسانيتي تعود إليّ من خلال ابتساماتها وحديثها عن وطني، أحضرت صوراً لها عن سورية ثم بدأت تغني "ركه... ركه... دير الزور" وعلى الخارطة وضعت إشارات حول المدن التي زارتها "دمشق -حمص- حلب- اللاذقية" وأشارت إلى مدينتي "الرقة".‏

أحسست بحنين إلى تلك الأسماء التي رسمت بحروف صغيرة على الخارطة، قلت لها:‏

-في روسيا أحس بالخوف والغربة.‏

قالت:‏

-نحن جميعاً أسرى الرّعب هنا.‏

ثم أصّرت على توصيلنا إلى محطة المترو.‏

-أخشى عليكم من العصابات، وأنا معروفة هنا.‏

في اليوم التالي ذهبنا إلى "توفيق" الذي عرّفنا على صديقته وقدّم لي صبية قالت:‏

-اسمي "أنجيلا".‏

وانصرفت إليّ تحادثني، دعوتها إلى كأس في الشقة التي نسكنها، وافقت وذهبنا معاً.‏

شربنا العديد من الكؤوس ثم أشرت لها إلى غرفتي فنهضت معي، ألقيت بوجهي إلى صدرها، وكانت حاجتي إلى النحيب في ازدياد، شدتني إليها بحرارة وغبت معها في لحظات من المتعة القصيرة.‏

أوصلتها إلى موقف التكسي وتواعدنا على اللقاء ظهراً، عدت إلى الشقة لأجد صاحبتها غاضبة، قلت لها:‏

-إذا رغبت سنترك الشقة غداً.‏

قالت:‏

-أنا خائفة عليك... أنت لا تدرك خطر الإصابة بـ "السبيد"(3) لا تتورط مع أية امرأة لا تعرفها.‏

ظهراً جاءت "أنجيلا" في موعدها، أعددت لها احتفاءً يليق بها.. وقبيل منتصف الليل أعلنت رغبتها في الذهاب إلى منزلها، قلت لها برجاء:‏

-ابقي معي.‏

ابتسمت وفردت لي صدرها.‏

صباحاً حضّرت القهوة لها ثم أيقظتها، أعلنت أنها ستلازمنا حتى سفرنا، عانقتها في المترو والتصقت بها، شعرت أن الرعب الذي أحاطني قد خلصتني منه بدفئها وحنانها رغم أنها أكثر خوفاً وقلقاً مني، قالت:‏

-أرى الحزن في عينيك.‏

قلت لها:‏

-كثيرة هي الأسباب التي تجعلني حزيناً.‏

ابتسمت بمرح:‏

-هل تريد أن أشتري لك وروداً لتفرح؟‏

شددت على يدها بامتنان:‏

-أنت أغلى وردة شاهدتها في موسكو.‏

بعد أيام سألتني عن تاريخ ميلادي:‏

-متى تحتفل بعيد ميلادك؟‏

ضحك خليل من سؤالها.‏

-غريب لم يحتفل بعيد ميلاده حتى الآن.‏

هرعت إلى حقيبتي وأخرجت جواز سفري لتسجل المعلومات المكتوبة فيه:‏

-أنا وأنت يا غريب من مواليد شهر تشرين الأول.‏

ثم تابعت بألم:‏

-سأحتفل بعيد ميلادي وحيدة هذا العام إلاّ من ذكراك؛‏

حاولت تغيير مجرى حديثها الكئيب لكنها تابعت:‏

-سأتصل بك.. لأخبرك أنني أتذكرك أيها الرجل الدافئ.‏

ورنّ صوتها بألم:‏

-لا تنسني وأنت تحتفل بعيد ميلادك.‏

القهر والحزن والعذاب وأشياء أخرى هطلت عليّ كمياه المطر...‏

شربت بكثرة ثم داعبت أصابعها وشعرها، عانقتها... قال لها خليل:‏

-لن يعود "غريب" إلى موسكو مرة أخرى.‏

أجابته بثقة:‏

-إنه يعرف أنني أنتظره... وسيعود.. أنا واثقة.‏

وجذبتني إليها:‏

-هي ليلتنا الأخيرة.‏

سحبتها إلى الغرفة، وبقينا حتى الصباح، وما استرحنا، صرخ خليل:‏

-لم يبقَ إلاّ القليل على موعد طائرتنا.‏

وكانت الخيول المتسابقة في جسدينا لا تزال تلهث وتعدو متسارعة باتجاه خط النهاية.‏

أوصلتنا إلى المطار، وفي القاعة الرئيسية تواعدنا على اللقاء، تبادلنا قبلات حميمة، ثم اندفعت إلى خليل تقبّله.‏

-حافظ على "غريب".‏

ثم عانقتني بحرارة.‏

-سأنتظرك.. وسأتصل بك.. لا تنسَ ذلك.‏

نظرت إلى مباني "موسكو" الشاهقة التي أخذت تبتعد عني، وهي تكتسي بألوان صفراء باهتة، تشبه صفرة الموت، سمعت صوت استغاثتها، فأيقنت أنها تحتضر، أغمضت عينيّ على صورها الزّاهية التي أخذت تذبل وتغيب.‏

أرمينيا -جورجيا- موسكو 1992‏

(1) يريفان: عاصمة جمهورية أرمينيا.‏

(2) تبليسي: عاصمة جمهورية جورجيا.‏

(3) السبيد: مرض العصر المشهور بالإيدز أو السيدا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244