|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:05 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
رسائل امرأة ساحلية -1- انفصالك عني خرافة فشعرك الأسود امتداد لأحزاني يا مارد الألم، تمنيت لو أستطيع حمل هواء البحر إليك، لو أستطيع محو حروف الحزن ومشاعر الألم من سطور قدرك المبهم، لا حاجة لأن تخبرني بأنك تعيش ضمن ظلام حالك، فالظلمة هي التي منحتك قوة الضياء، وأنا طوال عمري أحب التضحية على الاحتفاظ بالأشياء، جوهر العطاء الحقيقي هو الذي يكون دون مقابل. بداخلي رغبة مجنونة لأعرف ما إذا كانت برودة الجليد ستطفئ نار صحرائك أم أن لهيب صحرائك سيذيب الجليد المترسب في أعماقي.؟؟ كم أحن إلى سماع اسمي من فمك، اسمي الذي يغرق ببطء في أعماق ذاكرتك المتعبة فما بال جغرافية العالم قد اختلطت، بائسة هي المدن التي تفصل بيننا. صوتك، كتاباتك، عيناك وثمة أشياء أخرى تجعلني سعيدة حتى الشقاء وتعيسة حتى الفرح، ليتك تعلم وليتك لا تعلم. مشاعر الحزن هذه هاجت في داخلي مع حنيني إلى سماع كلماتك الدافئة لتكون المعادل لصوت فيروز ضمن جدران زنزانتي "غرفتي" لأن الشتاء جاء مبكراً هذا العام قبل أن أكمل مؤونتي من حنانك ودفء عينيك. يا مسافراً أتعبه الوصول إلى مدائني وأرهقه الرحيل، يا صديق عمري أحرق الزمن وهذه المشاعر اليائسة التي خلفتها في قلبي وذاكرتي، شوقي لرؤيتك دام أربعاً وعشرين سنة "سنوات عمري" عرفتك قبل أن أراك، كنت أعيش بك وتعيش في داخلي من خلال أشعة الكلمات ووهج الألم الصادق، ذلك المعبد الذي ضمنا إليه لنبدأ صلاتنا غرباء وننتهي منها أصدقاء أحبة إلى انتهاء الأبدية، أنا لن أكون عبئاً عليك، دعني أعش معك على طريقتي، دعني أكن حرفاً في دفترك، دمعة في عينيك، وتراً يغني نغمة الحزن في أعماقك الواسعة الغامضة كالبحر الذي أحبه وأخاف الغوص فيه، كم أتمنى أن أبقى لقاربك شراعاً تمزقه عواصف القدر شرط أن تعود إلى الشاطئ سالماً كي تستطيع رثائي بكلماتك النافذة كالخنجر في صدر الزمن وذاكرة الأيام. لك حبي -2- يا أيها الصبح اليتيم الذي أشرق في ليل أحزاني، يا منارة ألم لا ينتهي، كم أنا حزينة، مشتاقة إليك، أحتاج دفء عينيك والبكاء على صدرك. يا سفر الخنجر في ذاكرتي وغلغلة السكين في أعماقي، يا نزف شراييني، آه لو أستطيع انتزاعك من جرحي، لو أستطيع إبقاءك فيه، إنك في الحالتين الموت الذي يسبق الولادة. كم حاولت الرحيل إلى بلاد بعيدة تمنيت لقاءك فيها، ولكن رغم كل شيء سأحميك سأخبئك في قلبي إلى أن ينطفئ، سأوهم الآخرين أني أبحث عنك لأمنعهم من الوصول إليك، سأبكيك أمامهم، أرثيك بحزن، ألبس السواد حداداً عليك وأعود إلى غرفتي أغلق الباب والنافذة وأخرجك لأتحدث إليك وأتطلع في عينيك، سأخرجك من قلبي لتحيا من جديد في عالم بعيد عن الضجيج والمراقبة، كم سأكون سعيدة حين لا يستطيع قدر ولا بشر اختطافك مني، سأطمئن عليك فأنت لن تموت، لا يمكن أن تموت، سأواجههم، أصرخ في وجوههم، لن أدعكم تأخذونه مني، ردّوه إلى صدري، أنا أطلب قلب طفلي، خلايا جسده المشتعلة حباً، سأعيد ولادته من جديد ليترك أوجاعه وأحزانه في أعماقي ويأخذ منها النار لتدفئه وتنير له عتمة الطريق، وإذ شاء القدر وأسلمه للموت، لن يموت كما تريدون، سيموت واقفاً كما الأشجار في وجه العاصفة، وكالنسور في حضن الشمس. لك اشتياقي -3- الأرق شيء لا يطاق، الدروب مقفرة، الكؤوس فارغة، الوحدة قاتلة والحصار شديد أيها الحبيب، أعد النوم إلى عيني. اصرخ، أهوي، أتلاشى ولا شيء سوى السكون، سوى العدم. يمضي الليل بطيئاً يحتضر النوم فيه، أطلب النوم لكن لا جدوى، أحلم في إغفاءة هانئة على صدرك لكن أين صدرك..؟ إنه بعيد إلى درجة الانصهار في خلايا جسدي ولا أعلم متى سأتمكن من فصله عني لأنام طويلاً من جديد. يا نورسي المهاجر، يا حلماً تجسد حقيقة تأبى الفناء، لو تعلم كم من المرات اغتالني الموت خلال لحظات وداعي لك، هناك على الصخور التي لانت تحت وهج حنيننا الحارق وفي الكؤوس التي امتلأت بدموع معتقة وعلى طول الشاطئ المهجور، في كل ثانية كان هناك رحيل بين القلب والشرايين، لو تدري كم مرة اشتهيت الموت لكي يتأخر موعد رحيلك عن مدينتي، كم تمنيت أن تنشغل بمراسم الدفن وتطول فترة بقائك إلى جانبي، تغسلني دموعك التي أعبدها، وتعمّدني يداك في ملوحة العرق المتصبب من جبينك العالي، لكن القدر لم يحقق لي هذه الأمنية، وجرت رتابة الزمن بقسوة ودارت العجلات تختصر اللقاء بين الأحبة وتسابقت قطرات الدمع مع العيون تغسل الجفون المطبقة بصمت قاتل كالأبدية، كالفناء، ولأول مرة في العمر تتشابك سواقي الدمع لتصنع المعجزة: نهر الخلود. لن يكون بعد اليوم مستحيل بيننا، لم يبق سوى التوحد بين البحر والصحراء. لن يبقى عاشقان سوانا. لك حنيني -4- ضجيج المدينة أرهقني بعد رحيلك، ما العمل لقد أغلقت باب السيارة وغاب وجهك في زحمة الصف الطويل للسيارات، غاب وجهك وراء ستار الدموع في عيني، غاب صوتك، أصابعك، غبت وغاب كل شيء بعدك، غابت مدينتي، البحر، الأهل، الأصدقاء لم يبقَ بإمكاني التمسك بك ومنعك من السفر، أحسست أن راحتك في سفرك، تابعك قلبي وهو يصرخ بجنون بين أضلعي: -أمسكي به أيتها الأصابع، انغرسي فيه، ألغي سفره، امنعيه بقوة. وحاولت بشيء من اليأس أن أوفق بين راحتك وبقائك قربي وفي ثوان مرت كأنها الدهر تمكن حبك من حسم الصراع وترعرعت راحتك كزهرة ياسمين فوق شظايا قلبي المحطم، على الأرصفة، فوق بلّور السيارات والمباني الشاهقة التي زادت في ضغطها عليّ حتى كدت أختنق. آه لو تعلم كم أكرهك، أعبدك حتى الموت وأحبك حتى الولادة، أذكرك حتى الفناء ولكن هل تعتقد أنني أقوى على الرحيل يوماً بعيداً عن ذاكرتك التي تحيا في أعماقي، وهل يمكن حقاً أن أكون أقرب إليك مما أنا..؟ هل يمكن أن أكون أبعد مما أنا...؟ رحلت إلى مدينتك وتركتني وحدي.. وحدي في ظلمة ليل طويل. لك سعادة العمر -5- يا نورسي الذي سيهاجر يوماً بعيداً عني، يا أملاً سيسرقه الموت، كم ستترك من الفراغ في عالمي، كم سيؤلمني النزف في أعماقي، كم ستحزنني الليالي الباردة المظلمة وذكراك في الصدى الفيروزي وفي كل غروب بحري حزين. حاولت أن أكتب لك في الوقت الذي كان يضمنا عبق اللقاء، أكتب عنك، لكن قلمي تبعثر في أبجدية الفرح، حاولت أن أقول لك أشياء كثيرة إلاّ أنني فشلت لم أكن أعلم أن حضورك يعني أن أفقد الأشياء إلى درجة العدم، إلى درجة الذوبان فيك ولا شيء آخر. بعد رحيلك عدت إلى غرفتي وحيدة، مثقلة الخطا، جسداً فقط، روحي بقيت في حنايا صدرك في أعشابه، في الشامة السوداء، عيناي لم تزل هناك معلقة في أفق البحر الذي تمنيت أن نغوص فيه ونكمل بقية عمرنا في مملكة الماء، بعيداً عن العالم كله، لا أعلم ماذا أقول لك؟ إنها المأساة التي تحيل لغتي إلى رماد، ما بقلبي أعجز عن التعبير عنه، لا أجيد سوى الصمت، فهل شعرت بروعة الأشياء التي أقولها عندما لا أقول شيئاً. لك صمتي -6- يا أيها الخدر الذي يهدد أجفان الألم، أيها الألم الذي يوقظ الأحاسيس من غفوتها الهانئة، يا حباً منه ولدت وفيه سأدفن، حتى في أعذب اللحظات المميتة أذوب شوقاً إليك، إن أكثر ما يعذبني في حبك هو أنني لا أستطيع أن أحبك أكثر. لازلت أذكر وأكاد أحترق بمس من الجنون حديثنا مع البحر، ذلك المعشوق الأزلي لروحي المنفية في جلدي عندما أعلنت تحديك له وبدأتما الصراع للحصول على قلبي، ذلك الذي خان حبيبه الأول "البحر" ومال إليك، نسي غربته، نسي الأعماق الزرقاء التي طالما جال فيها بحثاً عن أمل امتصه ببطء سكون القاع وقبل الغوص فيه لاصطياد الأمل والرجوع به إلى شواطئي. وظهرت أنت، ظهرت بقوة بركان هزّ رتابة الحزن في نفسي، ظهرت بفرح نورس عاد من المهاجر البعيدة، أدرت وجهي صوب الضوء الذي فاجأ عيوني وحملت وجع خيانتي وسرت واللهفة تسرق الدمع من عينيّ وتراميت على صدرك هلكى أقصد التوبة والتكفير عن خطيئتي لحبي الأول بحبي الأخير، حبي الكبير لك، أيها الصحراء التي لا ترتوي، أيها المحارب العنيد، كم أحبك. ويا صديقنا "غريب": -أرجو أن تغفر ذنبي هذا... ماذا أفعل لقد أحببت شقياً عنيداً...؟ لك أحاسيسي الصادقة -7- ما أوسع الكون وأضيق فرحي، بدأ الظلام يلف المكان، هدير العتمة طاغٍ، تشابكت خيوط الآفاق وأنشبت الذكريات أظافرها في عينيّ وبدت كشريط يمر أمام الوعي وهو يحترق، حريق لا ضوء لناره. أبتسم لأطعن ظلمة أحزاني في جسدي المجلود حتى الموت، تراءى لي غيابك على شاشة الحلم، لا أستطيع أن أصدق أنك رحلت عن شاطئي وتركت لي الكأس الأخيرة لأثمل منها في ذلك المقهى المنسي على البحر. صديقتي الغالية شفيقة، اقتربي مني قليلاً، دعيني أضع رأسي على كتفك. الدوار أرهقني، أسرعي قبل أن أقع عن الكرسي فالصقيع يسري في عروقي ما بالك تحدّقين في وجهي، هل حقاً رحل من هنا..؟ أليس موجوداً مع الساهرين في هذا العرس..؟ أرجوك، تصفحي الوجوه بدقة فلربما ينتظرني على إحدى الطاولات، لابد أنه هنا... دعيني أشرب نخب حبه، نخب حنانه وحزنه وضياعي. الموسيقا تعزف لحن أغنيتي المحبوبة "دخل عيونك" الأصابع تشير إليّ، تحيطني الأيدي أرفض أن أرقص في المكان الذي شربنا فيه كؤوسنا الدامعة قبل لحظات وداعك، تتطلع إليّ صديقتي العروس بعتاب له وجع المحبة ويدعوني وفائي لصداقتها إلى الرقص، تسحبني الأيدي، توصلني إلى ساحة الرقص، تتعالى الموسيقى وتنهمر دموعي، ضربات قلبي المجنون تفضحني أمام الجميع، تهاديت بثوبي الأسود الطويل، درت حول نفسي، وفجأة تفجر في أعماقي مزاجك الذي يحب الفرح والرقص والغناء وشعرت بجسدي يذوب مع قسمات اللحن وتعالى التصفيق من الساهرين وصيحات التشجيع. رقصت طويلاً وبكيت، الرؤية في عينيّ أصبحت غبشاً رمادياً، اللهيب في القلب يشتدّ احتراقاً، أضع يدي فوق قلبي وأصرخ: -تعال يا حبيبي قبل أن ينطفئ قلبي. أمعن النظر في الوجوه حولي فلا أرى وجهك، أسقط وأستسلم لغيبوبة طويلة، طويلة. لك أنا عواطف البحر اللاذقية -1991 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |