|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:07 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
تساؤلات 1- الباز ربيعٌ خيّرٌ هلّ على غابةٍ خيّرة أزهر كلُّما ماعلى الأرض من عشب وشجر وبشر وخلقٍ آخر. نسيم عليلٌ داعب الوجوه والزهر والورق. فسرى حفيفٌ عطرٌ أنعش شذاه كلّ منْ وما وصل إليه. كنارٌ جميل أفرحه كل ذلك. وأطربه ناي راعٍ قريب زادت أنغامه النشوة نشوةً والفرح فرحاً. فأطلق حنجرته بغناء عذب. تجاوب وإياهما كل حيٍّ سمعهما. فساد صمت جائعٌ راغبٌ بالمزيد. الكل سكن وأصغى وانتشى الكل هدأ واستعذب وطرب دقائق أرادها الجميع دهراً يدوم ويدوم. ولكن!!! بازٌ محوّمٌ اخترقت عيناه الزهر والورق والأغصان. بازٌ ما عرف غير حشو البطن حياة. وإعمال المخلب لغة. انقضّ على رقبة الكنار وحلق به عالياً مبتعداً. فانقطع حبل الجمال وتمزّق السكون. انتفض كل من كان ساكناً وصاح غاضباً محتجاً: ربّي لماذا خلقت البزاة؟! *** 2-الثعبان يمامةٌ بريةٌ، بل وردةٌ متحركةٌ، بادلت ذكراً من بني جنسها حباً بحب غرقا في بحر من السعادة لم يذقها غير المحبين. بنيا عشّـاً زرعاه سعادةً وبيضتين صغيرتين غمرتاهما بحنان شديد. تفتحت البيضتان عن يمامتين ذواتي زغبٍ ناعم ناعم. زقزق الطيران فرحاً. ورفرفا سروراً. وجلبا من الحقول طعاماً للصغيرين الحبيبين. فكبرا يوماً بعد يوم في خيمة من سعادة لا مثيل لها. فرح الأربعة بالحياة فرحاً لا يعرفه إلا من شابهت حياته حياتهم. ويوماً!!!.. جاء ثعبان دار حول العش السعيد فما عاد سعيداً. وابتلع الصغيرين فما عاد لهما وجود. حزن كثيف هبط على الطيرين فأعشاهما فصاحا حزينين: ربّنا لماذا خلقت الثعابين؟؟!! *** 3-البرْق حرث الفلاح حقله جيداً، وبذره بذراً نقياً. والشتاء كان كريماً فسقى الزرع والضرع غيثاً مدراراً. ودفء الربيع سرى في عروق كل شيء. فانتشى البذر وتطاول بعنقه وزيّن الأرض وزخرفها. استغلظ ساق الزرع واختال منتشياً، فطرب الفلاح ورأى خزائنه تمتلئ غلالاً. وثقوب جيوبه وحياته تنغلق واحداً بعد آخر. واصفرّ الزرع، وانحنت السنابل ثقيلة على سوقها، فملأ الفلاح دنانه سمناً وعسلاً. ويوماً!!!... وقبيل الحصد، اكفهرّت السماء وعصفت وأبرقت وأرعدت غاضبةً مزمجرة. شرارة برقٍ ألهبت الزرع فصار رماداً. انسكبت دنان السمن والعسل، واتسعت ثقوب الحياة والجيوب، فصاح الفلاح محتجاً: ربّي لماذا خلقت البروق؟؟!! *** 4-قابيل فتاةٌ الربيع عمرها. بل عمرها ربيعٌ كله. سارت بجانب زهر ربيعها، وكانت زهر ربيعه. سارا على الدروب وبين الحقول وفي البراري يعبّان أريجاً وسعادة. اليدان متشابكتان في حديثٍ عذبٍ على أنغام قلبيهما، أنغامٍ هي سر الحياة كلّه. كلا مهما نظراتهما، فما عادا بحاجةٍ لكلام، إذ ما عاد أحدهما يدري أهو الآخر، أم الآخر هو. سكن أحدهما الآخر واستسكنه فما عادا يدبّان. حلّقا في أجواءٍ عطرةٍ ما عرفها إلا العشاق المتبتّلون. ولكن!!!. ومن حيث لا يدريان، انطلقت رصاصاتٌ مجنونة، رصاصات حمقاء انطلقت من زغاريد في مكان ما، رصاصات سكنت جسداً ندياً فرحاً فما عاد ندياً، فتثاقل وهبط من عليائه وتثاقلت رجلاه فما عاد يستطيع دبيباً، فتكوّم وتكوّر. ذهل الجسد الآخر وأحس بالأرض تشدّه شداً، وتكومه إلى جانب الجسد الهامد كومةً جديدةً. وحين فهم الثاني ما جرى وحين أحس بالجفاف يمزّق حلقه وعينيه وحين رأى قابيل يتبختر غير بعيدٍ شامتاً. رفع يديه إلى السماء وصاح حزيناً: ربّي لماذا تركت قابيل بيننا؟ ** 5-الجدة بيدين راعشتين حملت الجدة غصن آسٍ وزرعته في تراب قبر حفيدها الصغير. رأته حين كان يثغو رأته حين كان يحبو رأته حين كان يضع رأسه الصغير فوق صدرها الكبير كبر البحر، ويقول: جدتي. عينا جدتك اللتان تبصر بهما. -أحبّك يا جدتي. وتطرب الجدة، تطرب طرباً لا مثيل له، وتحمد الله بهذا العوض، عوض وحيدها الذي رحل في ليلة حزينة حزينة. في صباح خيّم الظلام فيه فما عاد يبين شيءٌ من شيء. وما أشرقت الشمس إلا حين بزغ الحفيد إلى الدنيا، ففرحت الجدةُ فرحاً وفرحاً وفرحاً. وها هو ذا الحفيد يرحل. الحفيد الذي ما أتقن الكلام بعد. الحفيد الذي لم يتّسع ظهره لحقيبة المدرسة بعد. الحفيد الذي لا تدري الجدة دنيا غيره. حين أنهت الجدة زرع غصن الآس الصغير في تراب القبر الصغير، رفعت يدين راعشتين إلى السماء. ومن خلال الدموع التي غشت السماء الزرقاء فما عادت زرقاء ومن قلب مفطور نزف آخر قطرة فيه ومنه، صاحت: ربّي لماذا تأخذ الصغار وتترك الكبار؟ ** 6-فرات على ضفة نهرٍ فرات أقف، أرقب الماء يجري، غزيراً يجري. صافياً لمّاعاً كعيني صبية أشِعل فيهما العشقُ قناديله. قطرات بعدد رمل الصحراء ونجم السماء تتزاحم، خلق لا حصر له يجتمع نهراً دائم الجريان، من البعيد يأتي وإلى البعيد يمضي. متدافعاً في سباقٍ للوصول، كما نهر الحياة بخلقه المتدافع. خلقٌ يراه متلاصقاً غيري، وأراه واحداً واحداً، وأسمع هسيسه. قال رجلٌ من خلق نهر الحياة: أو قالت قطرةٌ من خلق نهرٍ فرات: ذوبتني الشمس، أنزلتني من القمة حيث كنت، ناصعة منعشة سرت، مع سربي وتربي فرحةً سرت. غسلتُ وجه كهلٍ، وعرق عاملٍ وهمَّ فلاحة. سقيتُ طيراً، وأينعتُ زرعاً، وأنعشتُ طفلاً. فرحْتُ لاغتسالهم، وتطايرتُ رذاذاً سعيدةً لسعادتهم. وفجأةً!؟. حزنتْ. حزنتُ كثيراً حين غسلت يدين ملوثتين!. يدين ملوثتين بدمٍ بريء، أو عرق عاملٍ، أو دمعة طفلٍ، أو آهة مظلوم. وخجلت مما فعلت، فجريت، مسرعة جريت لأدفن وجهي في حضن أمي، أبكي وأسأل ربّي: ربّي لماذا خلقت الأيدي الملوّثة. *** العروس أكلا سمناً وعسلاً من دنان العشق شربا كؤوساً مترعة من رأس عين الحب. حلّقا فرحين حول عش بنياه لتبيض فيه السعادة وتفرّخ انتظرا سعيدين تباشير أول بيضة تدفئ العش السعيد ولكن العش ظل بارداً فاغراً فاه، منتظراً زائراً جميلاً. انتظرا طويلاً شغوفين ملهوفين، ولكن الزائر لم يأت فقررا البحث عنه وإحضاره قالت: سأبحث شمالاً وشرقاً قال: سأبحث جنوباً وغرباً وانطلقا!.. دار بلاداً وقطعا وهاداً، صعدا جبالاً ونزلا ودياناً لا رأتها أعين ولا وطئتها قدم بشر، دارا حول الأرض دورة كاملة ينظران خلف كل جدار، تحت كل صخرة، وفي ثنايا كل دغلة. قبل أن ينطلقا، قال لها: سأجده يا حبيبتي، سأجده وآتيك به، جميلاً مضيئاً كبزغة فجر، يطفح نوراً وبشراً، عيناه خابيتا عسل مصفّى، وصوته زقزقة عصفور سعيد، أراه أمامي وأسمعه يناديني بابا ويلقي بنفسه في حضني فأضمه في حنايا قلبي وأسكنه عش صدري. قالت باسمة: لا، لا، هذا ليس زائري الحبيب، زائري الحبيب الذي سأجده صافٍ كماء زلال، أبيض كحليب دافئ، شعره سنابل قمح يداعبها النسيم، طويل ميّاس كعود خيزران، أعرفه جيداً ولن أخطئه، رآه قلبي قبل أن تراه عيني، أسمعه يناديني ماما فأضمه بجفوني وأرضعه نسغ شراييني حليباً حنوناً ما أرضعته أم لرضيع، لأهدهده كما لم تهدهد أم طفلاً. لأشمه حتى تتنسم خلاياي رائحته الأذكى. أشمه حتى ترتاح نفسي وتقر عيني وينتهي سهادي. فضم رأسها الجميل الصغير إلى صدره الواسع الكبير، مسح عليه بحنان وقال لا بأس يا حبيبتي، سنجد اثنين إذاً، واحد طويل شعره سنابل قمح يلعب بها النسيم، وواحد بزغة فجر، وعيناه خابيتا عسل مصفّى. وانطلقا!.. عشرين عاماً ظلا منطلقين يبحثان عن زائرين ضائعين، واحد طويل شعره سنابل قمح، وواحد بزغة فجر وعيناه خابيتا عسل. عشرين عاماً ظلا عروسين يبحثان ويبحثان. زاغت أعينهما وتراخت أرجلهما وهما يدوران من مكان إلى مكان يبحثان. دون أن يجدا ولديهما الضائعين. مرة قالت العروس لأمها: ماما، لماذا أنا الوحيدة من دون رفيقاتي جميعاً لا أجد ولديّ الضائعين؟ لماذا أنا الوحيدة من بينهن أظل أبحث ولا أجد أحداً؟. لماذا أنا الوحيدة أظل أجري حافية حاسرة، أجوب البلاد والوهاد والأصقاع ملهوفة لرؤية صغيريّ فلا أجد حتى أحدهما؟ ردّت الأم بدموعها مغرغرة: اصبري يا بنيتي وستجدينهم جميعاً. فرحمة ربك واسعة، ومرة قالت العروس لأمها: أمي أعرف أن رحمة ربي واسعة، ولكن! هدّني التعب وأضناني طول المسير! عشرين عاماً يا أمي وأنا أبحث وأسير، الشوك أدماني، والريح جففت عروقي وذرتني، فإلى متى يا أمي أظل أسير؟ فضمتها أمها إلى قلبها الكبير، وغسلت بدمعها شعرها الذي كان جميلاً قبل عشرين عاماً، وبيدها الراعشة الحنون راحت تمسح عنه أحزانه. حين بدأت شمس العروس التي ظلت عروساً عشرين عاماً بالميلان غرباً، وأيقنت أن الظلام قادم قادم. انزوت في كوخ عتيق. أسندت ظهرها إلى جدار ما عاد عليه طلاء. ونحو السماء رفعت يدين ناحلتين أتعبهما البحث والتقليب وبلسان أعيته الأسئلة والالتماسات. صاحت: ربّ لماذا لم تشملني برحمتك الواسعة!؟. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |