تسـاؤلات - عبدو محمد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الأقــــدام

لم أكن جائعاً تماماً، ولم أكن عاشقاً ولهان، ولكن رغيف الخبز المدور الساخن كان وجه حبيبة جميلة.‏

لم يكن جوعي قديماً، ولا حبي مبرّحاً عاتياً، ولكن الرغيف، وجه الحبيب كان شهياً لا يقاوم، فمددت يدي.‏

الرغيف لم يكن ساخناً جداً، يدي هي التي كانت ناعمة جداً، فاحترقتُ وتلوّعتُ وتدحرجتُ.‏

السفح لم يكن شديد الانحدار، والوادي لم يكن غوراً، ولكن أشواكاً كثيرة شاكتني في انحداري، فصرت قنفذاً، ورضّتني صخور وحجارة كثيرة، فتهلهلت في مقام القعر.‏

في القعر أخذ غلاظ شداد رأسي، نتفوا شعره فصار أملس، وسحبوا إحساسه فصار أجوف، ولم أعد افرق بين الرغيف الساخن وطاقة العشب، فأطلقوني.‏

حين رأت الحبيبة رأسي وخبرته أهدتني مشطاً، ونظرة ازدراء فلم أبالِ، لصغري وصغاري واحتراق لساني.‏

قال لي من كان صديقي يوماً، حين تشتهي رغيفاً مدوراً ساخناً شهياً، ادخل تحت الطاولة وانسل كتفاً، أو فخذاً، أو ما تيسر من لحم أو عظم، لا تهتم بغير ذلك، فالمهم ملء المعدة، والجيب الملآن خير من الجيب الفارغ.‏

وصديقي الذي كان، كان يعرف تماماً ما يقول وما يفعل، ولذلك أطال المكوث بين الأقدام، فامتلأ خرجه، واندلقت معدته، وظل شدقه فاغراً وعينه جاحظة ترمق ما تحت الطاولات، ومكاناً شاغراً بين الأقدام، وصار خبيراً بالأقدام ومقاساتها وثقلها وحجم السيقان فوقها.‏

وصار رضاها مطلبه ومناه، وسخطها رعبه القاتل،وركبه ذاك الهم في صحوه ونومه، ولم يعد يأبه لغيرها، فوجه الحبيبة ليس سوى ساقٍ ناعمة في رضاها، غليظة في سخطها، بل وجه الحبيبة ما عاد يبين، شغلته الأقدام تحت الطاولات وملأت عينيه كتل اللحم فوقها، فرازته الحبيبة باشمئزاز، وزورته بازدراء، ودفعته بقرف، فضحك ولم يشمئز، فساقها دقيقة، وقدمها خفيفة.‏

أمام القصر الأخص لشاه إيران المخلوع، قال لي مرافقي (موسى بيدج) مشيراً إلى قدمٍ ضخمة تعلوها ساق مبتورة: كان هنا تمثال ضخم للشاهنشاه اقتلعه الناس وظلت قدمه هذه ثابتة، فتركناها عبرة وعظة.‏

قلت: يبدو أن للأقدام مكانة في تاريخ الشعوب ودور؟‏

قال: لولا الأقدام ما اندلقت معدٌ ولا امتلأت جيوب.‏

قلت: ولكن الأقدام تظل أقداماً، هكذا قال لي أبي مرةً.‏

قال: من استمرأ أمراً هان عليه فعله.‏

وعدت إلى رأسي، أو عاد رأسي إليّ، تلمّسته وربتُّ عليه، فربت من كان صديقي وصار قدماً خبيرة، على ساقه ومعدته، ورأيت ساقيه تمتدان لتشملا كل ما حولي، وتهت في بريةٍ حدودها المدى والسيقان والحيتان وأسماك القرش وأولاد الحرام، إن وقفت أكلت، وإن مضيت أكلت، وإن عدت أكلت، ورغيف الخبز الساخن صار وجه حبيبة أسيرة، وليس لي رجلان للوصول إليها، ولا يدان تطولان قيودها، ومسحت على رأسي وربتّ عليه من جديد، فبصّ فيه بصيص، وأخذت يدي قبساً، ومن وراء الحجب أطل وجه الحبيبة باسماً راضياً، ومن وراء الحجب والستور أطل وجه أبي شفيفاً صافياً كما كان، وحزيناً كما لم يكن.‏

قال: وجهك حزين يا ولدي، ونايك حزين؟‏

قلت أو عرف قبل أن أقول: رأسي فارغٌ والأقدام تتقاذفني يا أبي.‏

قال: لا يفرغ الرأس إلا برضى صاحبه، والأقدام لا تتقاذف سوى الكرات.‏

قلت: (مداساً صرت لأرجل الصيصان التي تصقّرت يا أبي).‏

قال: (الصيصان تظل صيصاناً يا ولدي).‏

وصمتُّ، لم يكن عندي ما أقول، فأضاف أبي: قلت لك مرة: (يا ولدي الأقدام تظل أقداماً مهما غلظت وعلت السيقان التي فوقها، والقامات السامقة لا تنحني).‏

قلت: يداي قصيرتان يا أبي ولساني ملتاع؟‏

قال: اليدان القصيرتان تطولان بخطوتين، واللسان المحروق يحيا بوقفة عزّ، ومضى خلف الحجب وجه أبي، رحل حزيناً كما جاء، وظل وجه الحبيبة مطلاً وفي عينيها أمل.‏

وتلفتُّ حولي، باحثاً عن طريق ومنفذ بين السيقان والأقدام، ومن حيث لا أدري تكوّمت فوقي جحافل الجوع وزحفت إلى معدتي، وراحت تعضّه عضاً لا رحمة فيه ولا شفقة، فأسرعت وعضضت الساق الأقرب.‏

عضتي لم تكن قوية، ولكن الساق كانت رخوة، فأدميتها ورحلت إلى بغداد، لأرى جند هولاكو يروحون ويجيئون متبخترين في الشوارع، ملقين التيبس في قلوب الناس، فمجزرتهم الكبرى ليست بعيدة.‏

ورأيت داخلين يدخلون داراً، فدخلت لأرى فرحاً وغناءً، ودخل مغولي فحطت طيور مرعبة على رؤوسهم المتيبسة.‏

قال المغولي: صوت فرحكم كدّرني، سأقتلكم جميعاً، انتظروا ولا تبرحوا لأحضر سيفي#. وساد صمت رهيب، وزاغت نظرات ووجفت قلوب، إلا قلباً واحداً دفعه الجوع لعض الساق الممدودة على المدى، فتلقف المغولي وأغمد سيفه في بطنه.‏

وسقط المغولي مضرجاً لا حياة فيه، فدبت الحياة في العيون الزائغة والقلوب الواجفة، وصاحت بعدما تلمست الجثة الباردة (المغولي يقتل، المغولي يموت) وانطلقت تملأ شوارع بغداد صياحاً، فقُتل المغول وولوا راحلين عن بغداد.‏

وانغرزت أسنان كثيرة في السيقان والأقدام الكثيرة، أسنان كانت تنتظر طعنة المغولي، أسنان لا حصر لها انطلقت تعض وتعض، والسيقان الممتدة على المدى تتقلص وتتقلص، والأقدام تصغر وتتصاغر.‏

ونهضت، كان رأسي سليماً، ويدي مضرجة وطعم مالح في فمي، نظرت حولي فلم أجد سيقاناً ولا أقداماً، فعجبت وتساءلت عما رأيت وتساءلت عما لم أرى.‏

# حادثة تاريخية جرت في بغداد أيام حكم المغول.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244