|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:07 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هنديّان لا أزال أراهما رؤية العين يجتازان صف أشجار الرمان والزيزفون سور بستاننا، قادميْن نحونا بثياب غريبة. ولا أزال أذكر تماماً كيف أدارت أمي ظهرها وتربصت حيث كانت، وكيف فزعت جدتي ذات الأعوام الثمانين إلى سبّحتها، وكيف تلمست عكازها الملقى إلى جانبها، وكيف تلمس أبي شيئاً صلباً تحت ثوب قربه وهو ينظر إلى القادمين نحونا متوجساً مترقباً. أما أنا ففزعت إلى جذع الجوزة المخيّمة فوقنا، ملتقطاً حجرين صغيرين أرقب المكان والقادمْين، وقلبي يرف كعصفور يريد الخلاص من قبضة صياد. توضحت صورة القادميْن حين اقتربا، رجل وشاب معقوفا الشاربين، لحية الشاب كانت أقصر وأكثر سواداً، وعلى رأسيهما عمامتان ذواتا ثنيات كثيرة متداخلة. تقدّما نحونا مبتسمين والرجل يردد: فريندْ، فريندْ، وما كنا نفهم ما يقول. حين وصلا قبالة أبي ثنيا أيديهما ورفعاها متلاصقة إلى أمام وجهيهما وانحنيا قليلاً وهما يقولان: رامْ، رامْ. وكذلك فعلاً أمام جدتي التي انحنى لها الشاب أكثر. فهم أبي أنهما يسلمان علينا، فرد عليهما: وعليكم السلام. قال الرجل بلسانه ويديه مشيراً: توماتو، توماتو، وكلمات أخرى لم أفهمها، ولم أستطع حفظها. ويبدو أن أبي فهم ما يريدان، فحمل سلتين ومضى بهما إلى زرعه اليانع، فقطف وقطفا هما ما أرادا من خضار البستان وفاكهته. كنت غير بعيد عنهم، أرقب الغريبين بالزي الغريب واللسان الغريب والبندقيتين اللتين تتدليان من كتفيهما بفضول وقلق شديدين. حين امتلأت السلتان، أخرج الرجل من جيبه قطعاً معدنية قدمها لوالدي الذي أصر على رفضها، فصافحاه مودعين.. حمل كل منهما سلته، ومضيا عابرين صف أشجار الرمان والزيزفون سور بستاننا اليانع. تنفست أمي الصعداء حين عدنا إليها سالمين، قالت: يبدوان مسالمين، لا كما سمعنا عنهم؟ قالت جدتي: ليس كل الناس سواء، فيهم أولاد الحلال، وفيهم أولاد الحرام. قال أبي موضحاً: هنديّان من جنود الانكليز، جاءا يطلبان خضاراً وفاكهة، طعام المعسكرات صلب وجاف. مضى يوم ويومان، وعند ظهيرة اليوم الثالث، ظهرا من جديد، اجتازا صف أشجار الرمان والزيزفون وأقبلا مبتسمين يحملان سلتي الأمس. ومرة أخرى رفعا أيديهما متلاصقة أمام وجهيهما وانحنيا يرددان: رامْ، رامْ. وكالمرة الأولى انحنى الشاب أمام جدتي أكثر. في هذه المرة لم أفزع إلى جذع الجوزة، ظللت واقفاً غير بعيد أرقب بفضول وقلق الهنديين وما في السلتين إذ لم تكونا فارغتين. أخرج الرجل علبة من سلته، فتحها مشيراً لوالدي معلماً وهو يردد: مِيتْ، مِيتْ. فشكره والدي شارحاً بلسانه ويديه: "نحن لا نأكل هذه الأشياء". عرف والدي أنهما لا يفهمان ما يقوله، فأفرغ السلتين ومضى بهما إلى الأرض المزروعة خضاراً، وملأ السلتين كما المرة الأولى. في المرة الثالثة صارا أليفين أكثر، وقفا عندنا أطول، نظر الرجل إلى أخي الصغير في مهده نظرات مطولة حزينة، أشار لأبي طالباً السماح له بضمه، اقترب منه، حمله بين يديه، قبّل جبينه الصغير، شمه طويلاً، ضمه إلى صدره طويلاً، وحين أفاق الصغير وبدأ بالبكاء قبله من جديد وأعاده إلى والدي شارحاً بيديه ولسانه أنه أيضاً عنده أطفال صغار في "هندو" البعيدة. وبعينيّ رأيت دمعتين تنحدران على خديه، دمعتين لا أزال أراهما رؤية العين. مسح الرجل دمعتيه، أشار إليّ لأدنو منه، فدنوت.. حبال من ود كانت تجذبني إليه، مد يده إلى جيبه، أخرج قطعة سكر وناولنيها، قطعة سكر لا أزال أذكر طعمها الطيب جداً. درتُ بلداناً، وقابلت أقواماً، وتناولت أطعمة مما لذّ وطاب ولا أزال أرى طعم قطعة السكر تلك أطيب طعام تناولته. انتبهنا إلى أن الشاب كان راكعاً أمام جدتي يقبل يدها بمحبة وهو يبكي ويردد: مامْ، مامْ. وجدتي تمسح له رأسه باكية، بل ناشجة. نظر الرجل إليهما مشيراً بيده: "هِيزْ مامْ، هندو، هندو". كنا قد فهمنا أن الشاب تذكّر أمه البعيدة في الهند، وما أظن أن الرجل فهم أن جدتي تبكي لأنها تذكرت ولدها الذي كان في عمر الشاب، عمي الذي مضى إلى حرب السفرْبِرْلِكْ ولم يعد، والذي ما نسيته جدتي أبداً. غريبان جمعت بينهما عاطفة إنسانية واحدة، فتآلفا وراحا يبث بعضهما بعضاً ما في نفسيهما. كنت يومئذ في السادسة من عمري، وكان الهنديان عسكريين من المعسكر الانكليزي القريب من قريتنا، وها قد مضت سنون كثيرة تجاوزت الخمسين، ورحل عسكر الانكليز وسنغال فرنسا القساة منذ زمن بعيد، ولا أزال أرى ذينك الهنديين اللذين جاءا إلى بستان أبي ذات يوم صيفي رؤية العين، ولا زلت أرى دمعتي الرجل وبكاء الشاب ونشيج جدتي، ولا تزال قطعة السكر تلك أطيب طعام تناولته. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |