|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:07 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
من مذكرات شهيد في تشرين أشعلت الحرب نارها، استعرت النار واشتدّ أوارها، واللهيب لسع وكوى ولظى وأحرق من حولها. وفي تشرين أمسكت أمي بأيدي شقيقاتي الثلاث الصغيرات وجلسن يبكين، قالت لهن أمي: ابكين يا صغيراتي زين الشباب، شقيقكن الذي على الحدود، فالحرب يا بناتي تطحن زين الشباب. وبكين جميعاً، دموعهن دامت وسالت، شكلت نبعاً صغيراً، نبع من أرض الدار وجرى، سال خارج الدار، رفدته ينابيع بيوت الجيران فصار نهراً، نهراً من أحزان سقى زرعاً، أينع حقداً على المغول الذين حاربناهم. وفي تشرين حاربتُ، لم أحارب كما جدي وجهاً لوجه وسيفاً لسيف، عدوّنا لم نره، قادتنا بنجومهم وهمومهم، كانوا يرسمون على الورق دوائر وخطوطاً، ويعطوننا أرقاماً، فنغير اتجاه وارتفاع أفواه مدافعنا، ونطلق، قذائفنا كانت تدوي وتهدر وتسقط لا ندري أين، قادتنا أصحاب المراتب كانوا يدرون. وقبل أن تضع الحرب أوزارها، هدرت في سمائنا، فوق مواقعنا، طيور حديدية ضخمة، طيور أسقطت علينا ما دوّى وفرقع وفرّق ومزّق، طيور جعلت أمي تزغرد حين سمعت ما سمعت. حين زغردت أمي، زغردت شقيقاتي الثلاث، أصواتهن الضعيفة تسلقت سور الدار التقت مع زغردات صغيرات الجيران، صارت دوياً، هدر رصاصاً في آذان العدو وتصميماً على الانتقام في نفوس فتيان الأهل. وحمل فتيان الجيران وإخوتي نعشي عالياً فوق سواعدهم الفتية، زغردت أمي أيضاً وشقيقاتي، قالت لهن أمي، نمن قريرات العيون يا صغيراتي، فشقيقكن حمى الحدود وشقيقكن أفرح الجدود، وشقيقكن كاد المغول خلف الحدود. حين قالت أمي ما قالت، دب الرعب في قلب المغول فتراجعوا خائفين، خائفين مما قالت أمي ومن سور سواعد الفتية حاملي النعوش، ومن عبور نهر الدموع، قالوا: لن نستطيع المرور، فالسور منيع، والحرس شديد، والنهر عميق وهادر، هم يعرفون عمق نهر الأحزان الذي أجروه. وها قد مضت سنون تجاوزت ربع القرن من عمر الزمان، منذ أن كان ما كان، ربع قرن ويزيد وأنا أرقب من عل ما كان وما هو كائن، دمع أمي وزغرداتها طوتها تقلبات صفحات الأيام، والشقيقات الصغيرات كبرن، صرن أمهات يرعين زين شباب مثلما رعت أمي، يخفن عليهم مثلما كانت علي تخاف أمي، وأنا لا أزال كما كنت في صورتي المعلقة في صدر بيوتهن وأعماق قلوبهن، وأنا من عل أرقبهن والفتية على الحدود، أرى وأسمع وجيب قلوبهن ووجوه الفتية رؤية العين، وأسأل نفسي ويسألني الأبناء، وماذا بعد. كنت صغيراً حين جاء عسكر إلى بيت جيراننا، أنزلوا صندوقاً ملفوفاً بقماش ذي ثلاثة ألوان، قبلوا يد جارنا وعانقوه، قالوا له ابنك كان بطلاً، به نفتخر ونفاخر، فزغردت أمه كما زغردت أمي فيما بعد، وحمل الصندوق فتية الجيران عالياً على سواعدهم، مثلما حملت فيما بعد. ومن جديد نقول، وماذا بعد؟ المغول الذين أبكوا جارتنا، أبكوا أمي فيما بعد، ولا يزالون كما كانوا، والمغول الذين حرموا شقيقاتي من شقيقهن زين الشباب، لا يزالون يعربدون، بل يهددونهن بوضع أبنائهن في صناديق تحمل على السواعد مثل من قبلهم- يضيفون غامزين- وقد لا تحمل. والمغول الذين حفروا عميقاً جراحات في جسد أمي وأرضي، يمهدون الآن الدروب ليمروا فوقها بسلام، يغيرون أقنعتهم وأقوالهم دون أن يغيروا ما يريدون، يقولون للأبناء كلاماً معسولاً ويضمرون غير ما يقولون، أنا أسمعهم وأرى ما في قلوبهم، وأتسال خائفاً، وماذا بعد؟. يقول الرواة إن المهلهل لما أكثر القتل في قوم جساس، أرسلوا إليه طالبين الصلح والسلام فذهب المهلهل إلى قبره أخيه كليب وسأله: ها قد جاء قاتلوك يطلبون الصلح، وقد قتلت منهم من قتلت، فهل أصالح وأسالم؟ وظل كليب صامتاً، فعاد المهلهل صامتاً، وأغار على قوم جساس من جديد. وحين كثر القتل في قوم جساس، خافوا الفناء والانتهاء، فعادوا وكرروا طلبهم مرة واثنتين وثلاثاً وأكثر، وفي كل مرة كان المهلهل يذهب إلى قبر أخيه كليب سائلاً: هل أصالح، ويعود رافضاً الصلح. وتناجى قوم جساس، ثم وضعوا في قبر كليب شيخاً منهم، ولقنوه كلاماً، فلما جاء المهلهل سائلاً كليباً: هل أصالح قاتليك يا أخي؟ أجابه الشيخ الدفين: صالح يا أخي، صالح فقد أدركت ثأري. بهت المهلهل وقال: هذا أخي حياً ينطق وأتركه مدفوناً، ثم حفر القبر، فوجد شيخ قوم جساس، فرفعه ودك به الأرض قائلاً: هذا جزء المخادعين، وهكذا أدرك ثأر أخي. وكان قوم جساس غافلين، لا يعرفون أن المهلهل يعرف أن الموتى لا ينطقون، وهكذا تبعثر قوم جساس شذر مذر. وماذا بعد. يقول الأبناء حيارى: يا قدوتنا الذي في الأعالي، يا من ترانا ولا نراك، من حاربته اختبأ بعيداً، اختبأ عميقاً في جوف الأرض، نرميه ولا نصيبه، ويرمينا ويصيبنا، يرسل علينا كسفاً من نار وحديد ودخان مهدداً، ويرسل إلينا كلاماً جميلاً له ألف معنى ومعنى، يتسلل إلينا من شقوق الجدران وعبر الأسقف، يعرض علينا ما يريد، يغرينا ويهددنا في الوقت نفسه، يقول أخطأ من قبلكم فلا تخطئوا، عرضنا عليهم الكثير فرفضوه، وها نحن نعرض عليكم بعض ما عرضناه فلا تضيعوا الفرصة، والويل لكم إن ضيعتموها. وينظر الأبناء إلي، في عيونهم عتب، وفي أفواههم كلام، وفي أنفسهم تساؤل، يرددون في أعماقهم قائلين: يا كبيرنا وقدوتنا الذي كنت، يا من لا تزال صورتك في صدر الدار وقلوبنا، تعبنا من الأثقال فوق كواهلنا، ضجرنا من دوي التهديدات تصم أسماعنا، وهدنا القهر واليأس، لا ليلنا ليل، ولا نهارنا نهار، إن نسيناك ضعنا، وإن تبعناك ضعنا، فانصحنا بالله عليك وقل لنا: هل نصالح أم لا نصالح. وأنظر في الوجوه اليائسة بأسى، وأفتح القلوب المتعبة بحزن، وأخاطب الأسماع المنهكة، أعرف أن الأمور قد اختلطت فما عادت تبين، فالحق صار منّةً، والصحيح أصبح خطأ، والواضح غام وغاب. وأرى الباطل قد أبرز قرنيه ورجليه وراح ينطح ويدوس، وقد هان من في قلبه ضعف، وذاق واستمرأ من في نفسه جوع، وارتمى من فيه صغار. ولكن ومع الذي سبق، فأنا أعرف أيضاً أن الرؤية لا تزال ممكنة، وها أنا أرى شيخ بني جساس قادماً من خلف السحب، ومن شقوق الجدران، وأصيح محذراً: أيها الأبناء، ها هو شيخ بني جساس يطل عليكم بصورة بهية، هو يغير صورته ولا يغير باطنه، عنده لكل زمان صورة، ولكل مكان صورة، فانتبهوا ولا تقعوا في الشرك المنصوب، فالخيار ليس بين صالح أو لا تصالح. ابحثوا عن خيار آخر، لزمن آخر. أصيح، أصيح، فهل من يسمعني؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |