|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:07 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
جدّتي والذئب قالت جدتي يوماً: سهلت الحياة يا ولدي وطابت، ولكن مشوار العمر ما عاد طويلاً بما يكفي للتمتع بها. قالت جدتي هذا ثم تنهدت وصمتت، وراحت تنظر إلى الأفق الغربي، والشمس المحمرة النازلة. وجدتي عاشت ثمانين حولاً أو تزيد قليلاً. وجدتي قالت ذلك منذ خمسين سنة أو تزيد، حين رأت في قريتنا الدراجة والسيارة، الحصان الخشبي، والعربة التي تجري من دون حصان، كما كانت تسميهما. وجدتي قالت ذلك حين تناولت دواء أزال وجع رأسها، دواء يفيد في حالات وجع الرأس، والأضراس، وآلام الظهر، والصدر، كما كان يقول بائعه. وجدتي كانت أميرة حين قالت ذلك، كانت كنّاتها وبناتها يقمن بكل عمل، وينفذن كل أمر يصدر عنها، ولكن جدتي ما نسيت كم كانت تتعب في العجن، والخبز، والغسل، والحصاد، وخياطة الثياب في أوقات الفراغ. وجدتي كانت صلبة متينة منذ أن كانت صغيرة، كانت أختاً للرجال، ولازمها لقب المرأة الناعمة كالحرير، الصلبة كالفولاذ، منذ اليوم الذي قتلت فيه الذئب. في ذلك اليوم، عجنت جدتي، خبزت، غسلت، نشرت، ثم حملت إناء الحليب، وذهبت لحلب نعاجها عند الجدول الذي تأتي للشرب منه ظهراً، وتقيل. فجأة، وجدتي تحلب نعجة من نعاجها، تطاير كل شيء، تبعثرت النعاج مذعورة ونبح الكلب نباحاً غريباً مخيفاً، والراعي الذي وقف مستطلعاً، ألقى عصاه الثخينة، وفرّ لا يلوي على شيء. نظرت جدتي، فرأت، ويا لهول ما رأت، ذئباً رمادياً ضخماً، تقطر الدماء من فمه، وأنيابه الحادة كالخناجر تنذر بموت كل من يقترب منه. لم يمهل الكلب الذئب ليأكل مما قتل، بل عاجله بقفزة هائلة، انقض عليه يريد تمزيقه، وبلمح البصر، نشبت معركة هائلة بين الضاريين، انطلقت زمجرات مخيفة اختلط فيها النباح والعواء، انغرزت أنياب ومخالب في الأجساد، تطاير الدم رذاذاً يصبغ الأجساد والعيون والأرض، كل واحد من المشتبكين، كان يريد إرسال صاحبه إلى هاوية الموت، بأسرع وأقسى ما يستطيع. وجدتي لمحت وسط ذاك العراك المرعب شيئاً، لمحت في عينيّ الكلب الداميتين نظرة عجيبة، نظرة لا يعرفها إلا من شاهدها، كانت مزيجاً من الشجاعة والتحدي وطلب العون، فالذئب كان ضخماً شرساً، والهروب من أمامه غير وارد. فهمت جدتي النظرة جيداً، بحثت بعينيها عما حولها، التقطت عصا الراعي الثخينة، خطت نحو المتعاركين المرعبين، غير آبهة بالزمجرات، والأنياب الحادة، والدماء المتطايرة، وبلمح البصر، وعند أول سانحة، هوت على رأس الذئب بعصاها، ضربته ضربة أودعت فيها كل قواها، وهي القوية المتينة، ضربة أنهت المعركة المميتة، إذ تراخى الذئب ثم هوى، وهمد لا حراك به، وهو ينظر إلى جدتي بعينين أودعهما نظرة فيها الحزن والعتب، والتأسف، والتظلم، نظرة قالت: لماذا فعلت ذلك؟ كنت جائعاً أبحث عن طعامي ليس إلا. فهمت جدتي نظرته تماماً، وانتبهت إلى الكلب الذي يتمسح بساقيها وثوبها، فاحتضنته وبكت، ناسية دمه الذي غطى ثوبها. وجاء جدي ووالدي وأعمامي ورجال من القرية ونساء، تركوا أعمالهم وجاؤوا، يحملون فؤوساً، ومناجل، وعصياً، وما وصلت أيديهم إليه حين استنفرهم الراعي الهارب، جاؤوا متوجسين خائفين، فرحوا حين رأوا ما رأوا، زغردت النسوة فرحات، هنأن جدتي على سلامتها وشجاعتها، والقطيع الذي نجا، استغربن الدموع في عينيها، سألنها؟ مسحت دموعها وأجابت: ما كنت أريد قتله، هو داهم نعاجي وكلبي، وبهدوء، حفرت حفرة عميقة وأمام دهشة الجميع، دفنت الذئب القتيل. وهكذا كسبت جدتي لقب المرأة الناعمة كالحرير، الصلبة كالفولاذ ولازمها كما لازمها كلبها ذاك، اندملت جراحه، ابتعد يوم الذئب في ثنايا الأيام المتعاقبة، وظل يلازمها كظلها، يقوم إذا قامت، ويقعي قربها إذا جلست، ويوم ماتت جدتي، شيّعها إلى مثواها الأخير، صامتاً حزيناً، عاد الجميع بعد مراسم الدفن، وظل هو هناك، ملازماً قبرها لا يبرحه، ظل مقعياً هناك يبكي كما المفجوع، وينبح بين الحين والآخر نباحاً غريباً، فيه خليط من بكاء صغير، وعويل مفجوع، عويله كان حزيناً يقطع نياط القلوب. والدي ووالدتي عطفا عليه وعلينا، ظللنا نبكي جدتنا، ونأسف عليه، فحمل طعاماً وماء، وذهبنا إليه جميعاً، والدي قدّم له الطعام، والدتي قدمت الماء، ونحن الأولاد جلسنا في طرف القبر الآخر، ننظر إليه حزانى، ونبكي جدتنا، دموعنا أسكتته، ولكنها عجزت عن تحريكه، ظل هناك، يذرف الدمع بصمت، لا يأكل ولا يشرب حتى مات، فدفنه أبي في أرض أخرى، لا تبعد كثيراً عن المقابر. ذكريات كثيرة، لا تزال ماثلة في أعماق ذاكرتي، عن جدتي الطيبة، طيب الله ثراها، أولاها، بكاؤها حين رأت نظرة الذئب الذي قتلته، ودفنته، أنا لم أر ذلك، أهل القرية رووا ذلك، وثانيها نباح الكلب الحزين، أو نواحه عند قبرها، أنا رأيت ذلك بأم عيني، وبكيتها مثله بدمع سخي. وأذكر جدتي في أحاديث شتى، وصور كثيرة، وصورتها حين قالت جملتها التي بدأت بها حديثي (سهلت الحياة يا ولدي وطابت...) لا تزال ماثلة أمامي، أراها رؤية العين، رغم السنين الكثيرة التي تفصلني عنها، الأيام هذه تذكّرني بها كثيراً، وبرؤاها. لم تعد النساء تعرف العجن، والخبز، والغسل، والحلب، وجمع الحطب، وخياطة الثياب، وجلب الماء، وكل شيء صار يأتينا جاهزاً طازجاً، حتى خضار الصيف، تأتينا في عز الشتاء، والعربات التي تجري بلا أحصنة، تكاثرت واتسعت، بل وراحت تطير أيضاً، تنقل الناس من مكان لآخر، بكل يسر وسهولة، بل ووجدت عربات وآلات تعمل بدل الناس، كل عمل صعب أو سهل. صدقت يا جدتي في كل ما قلتيه عن سهولة الحياة، أما قولك إنها طابت، فلا! هي لم تطب يا جدتي الحبيبة، لم تطب قط. حبة الخضار لم تعد زكية كما كانت، ولا رغيف الخبز أو طعم البيضة. نسمة الهواء ثقلت على الصدر يا جدتي، ولم تعد منعشة. العربات التي تجري بلا أحصنة، مثار إعجابك، راحت تنفث في وجوه الناس سموماً وغازات لا طاقة لهم على تحملها، بل صارت تمزقهم وتطحنهم طحناً لا مثيل له. لم يعد أحد يبك أحداً يا جدتي، أنت بكيت ذئباً قتلتيه، قتلتيه لأنه هاجم نعاجك، ونحن لا يبك أحدنا أحداً وإن كان أخاه، أو أباه، نادراً ما يوجد واحد يفعل ذلك، والنادر بحكم المعدوم. ذئبك كان معروفاً يا جدتي، وذئابنا كثرت، لم نعد نعرف متى وكيف ستهاجمنا. ذئبك كان جائعاً، قتل ليأكل، وذئابنا تقتل وهي بشِمة، تقتل للقتل، لا تشبع من القتل، تقتل شعوباً بأكملها، وتتركهم في العراء مشوهين ممزقين، أو تشردهم رضعاً وعجزة، تحت الشمس والريح والبرد، دون أن يرف لها جفن، بل هي تضحك حين تفعل ذلك وتفخر، تفخر بدل أن تبكي. آه يا جدتي لو شاهدوك، أو عرفوا معنى بكائك، حين بكيت الذئب الرمادي الذي قتلته، ثم دفنته، أو عرفوا الكلب الذي لازمك بعد ما ناصرته، والذي بكاك، وامتنع عن الطعام حتى مات قرب قبرك، آهٍ يا جدتي لو تمسك ناس هذه الأيام بالقليل من وفائه. آه يا جدتي الطيبة، لو عرف ناس هذه الأيام كيف يعيشون، كم كانت ستطيب الحياة وتحلو كما توقعت، ولكن الآه لا تفيد يا جدتي، لا تفيد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |