|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:07 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المتعالي شمخ بأنفه، رفع جبهته، تعالى، ارتفع يبتغي استعلاء النجوم، ليظهر للقاعد الصامت المتربص أمامه كم هو كبير. التقت نظراته بنظرات الصامت المتربص فارتطمت جبهته بسقف الغرفة، كتم "الآخ" في صدره فانتفخ، وانتفخت أوداجه وبرزت عروقه، فانفجر صارخاً معنفاً: أنت؟ وأنت؟ وأنت، وأنا! وأنا! وأنا!.. قال عليّ الكافيّ لأحمد بن بيللا الرئيس بعدما سمع تعنيفه: "لولا أني أرى تاج السلطة على رأسك لهشّمت وجهك". وبن بيللا يعرف جيداً من هو الكافي، رفيقان كانا في دروب الجبل أيام الثورة، واعتقل بن بيللا وظل الكافي يقاتل الغزاة البغاة، تحمل الجوع والجروح، صمد أمام الريح والبرد والرصاص، فكان النصر، وصار بن بيللا رئيساً فاغتر وتعالى وقال للكافي ما قال، ثم أبعده سفيراً ولم يستطع غير ذلك، فالكافي معروف بأياديه البيضاء في كل بقاع الوطن، حيث سار وجاع وجرح وقاتل وتحدث. صرخ المتعالي بالمتربص الصامت الساهم مع بن بيللا والكافي، أعاده الصراخ إلى المجلس، حدق في عيني الصارخ طويلاً فهمد وارتخت جفونه وارتدت نظراته وخفت صوته، فهو يعرف جيداً نظرات من يرى، أليس التاريخ يعيد نفسه بأشكال وأشكال، في كل زمان وكل مكان؟ ودارت دورة الأيام، وجاء من قال لبن بيللا: "سي أحمد. أنت لم تعد رئيساً" وكان ذلك. وكذلك جاء من قال للمتعالي: أنت لم تعد مسؤولاً، وكان ذلك. ولكن بن بيللا ظل كما كان، أما المتعالي فما ظل كما كان، ذهب انتفاخه وتورمه سريعاً وبين عشية وضحاها عاد صغيراً، صغيراً لا يكاد يرى، وهمد كقط أليف فلم تعد تسمع له صوتاً، إلا همساً أو دون الهمس، وانزوى منبوذاً في صومعته التي ابتناها، انزوى وسكن كحكيم خبر الدهر فلم يعد للغرور مكان عنده، فالغرور حماقة ما بعدها حماقة، هكذا صار يقول! وتواضع فسبق العلماء، أو هكذا صار يظن من يراه أو يجالسه، وما جالسه أحد فهو لم يترك له جليساً. وفجأة التقيا وجهاً لوجه، المتعالي الصارخ المعنف والمتربص الصامت، وما نسي الثاني مجلس التعالي والصراخ ذاك، وفجأة عاد الماضي حياً بكل تفاصيله، أيام الجوع وأيام البطر، وأيام الحرمان وأيام الظفر، أيام الحرب وأيام النصر، أيام الطهر وأيام اهتبال الغنائم، أيام الرؤوس تعلوها تيجان السلطة وأيام الرؤوس العارية. وفجأة ومن جديد التقت نظراتهما، نظرات المتعالي المعزول، ونظرات المتربص الشامت، في الشارع، بين الناس. رأسان عاريان يحملان ماضياً ثقيلاً، التقيا وجهاً لوجه. نظر المتربص في عيني الذي كان متعالياً، حدق في بؤبؤيهما طويلاً، ثقبهما، دخل إلى تلافيف دماغه، جال في ثنايا نفسه، وجده ضحلاً، ضئيلاً، جباناً، صغيراً، قال له بعد أناة: ظننت نفسك كبيراً حين اعتليت كرسي السلطة وما كنت كبيراً في يوم ما، وظننتنا ضعافاً وما كنا ضعافاً في يوم ما. لو كنت رجلاً، لو كنت نداً، لهشمت وجهك الآن، فاغرب من هنا فأنا لا أكفل لك غيري. طأطأ المتعالي المعزول رأسه، مضى جباناً، صغيراً، ضئيلاً، لا يكاد يبين كما كان دائماً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |