تسـاؤلات - عبدو محمد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الدائرة

لم أكن نائماً، وما كنت مستيقظاً أيضاً، كنت جالساً خلف طاولة صغيرة بين خلق كثير. لم يكن الوقت ليلاً ولا نهاراً، الضوء كان شفيفاً كأنه آتٍ من خلف محيط زيتي شفاف أو عبر سحاب رقيق، السحاب كان يتكاثف ويتلبد فتزداد العتمة، ويتمدد ويترقق فيزداد الضوء، حدث هذا كثيراً وأنا في جلستي تلك بين ذاك الخلق.‏

الخلق في (بازار) كبير، بحر من الخلق يروح ويجيء من أمامي ومن حولي، كل قطرة من البحر متنافرة عمن حولها، وكل فرد من هذا الخلق جزيرة وحدها، وجوه الخلق بلا معالم واضحة وتكاد تكون ممسوحة أو ممسوخة، كثيرون منهم مقنّعين أقنعتهم وجوه حيوانات متنوعة، أقنعة الثعالب هي الطاغية.‏

أنظر لما حولي، ولمن حولي ببلاهة شديدة، همسٌ يتعالى في أذني، هذه وجوه وليست أقنعة!‏

وحيد أنا بين هذا الخلق وحدة قاسية مريرة، ليس بينها وجه صديق أو رفيق أو حبيب، ضعيف أنا كعود يابس على سطح بحر عاصف لذا يبكي قلبي.‏

وكبحّة من ناي حزين، سمعت أذناي صوت أمي، نداء سماوياً حانياً، فطرب قلبي، تذكرت أن أمي ماتت منذ زمن بعيد، جريت خلفه وجريت حتى تعالى لهاثي فسقطت.‏

عدت إلى طاولتي الصغيرة، كانت قد تغيرت، لم تعد مربعة بل دائرية، درت حولها ودرت حتى خرت، فجلست لا أدري من أية جهة.‏

بضاعتي أمامي ومن حولي كاسدة، كاسدة. لا يسألني أحد من هذا الخلق عنها، أصبحت مداساً لأرجلهم، وممسحة لأحذيتهم الوسخة.‏

أصرخ محتجاً فلا يسمعني أحد فأتذكر أني بعت صوتي بحفنتين من شعير يوم انتخبت جلجامش أول مرة.‏

دهر مرَّ، وأنا متيبس خلف طاولتي أو بجانبها، أصابع الجوع النحاسية قطعت معدتي فالتويت، التويت كثيراً أو طويلاً، دموعي سالت وسالت، شكلت نهراً اغتسل فيه خلق البازار وتراشقوا غير عابئين بنشيجي، فغضبت وتوقفت.‏

ثاروا وشتموني بما لا أعرف من كلمات، احتجاجهم تعالى، وصراخهم كان مصماً، خائن منهزم أنا! هكذا وصفوني.‏

جاء رجال بأجنحة كبيرة، وأحذية طويلة لماعة، أحذية كبيرة وعميقة، خفت أن يسقطوني فيها فتبتلعني أو تنهشني الحيات، حيات الآبار المهجورة العميقة في حكايات جدتي التي لم أعد أذكر إلا حكاياتها.‏

حملني ذوو الأجنحة والأحذية إلى سفح جبل عالٍ، وضعوا أمامي صخرة كبيرة، قالوا: يأمرك "انليل" أن تدحرجها إلى القمة، ففعلت.‏

ولكن صخرتي ما تدحرجت للأسفل، ظلت هناك، فدحرجت غيرها صعوداً من جديد وصخرة خلف صخرة وحجراً إثر حجر رحت أدحرج للقمة، أدميت يدي، وتورمت رجلي وأنا أدحرج وأدحرج، والصخور ارتفعت في الأعلى قصراً لـ"انليل".‏

تهاويت إعياء وقهراً، وتدحرجت للأسفل هارباً، فأمسك بي رجال الأجنحة والأحذية قائلين: الويل لك، أغضبت "انليل" وهذه جريمة لا تغتفر!‏

قلت: ولم يريدني "انليل"، لم اختارني أنا لما أراد، لماذا لم يطلب من أهل البازار ذلك؟‏

قالوا: وهذا الذي تقوله جريمة أخرى!‏

ومن جديد تناهى إليّ صوت أمي بحّة خافتة من ناي حزين، والرجال يرفعونني إلى السماء، عالياً عالياً، حتى ظننت أني سأقابل "انليل"، ففرحت.‏

قلت: أشكوه همي وحزني وأشكو الجميع، فـ"انليل" يسمع آهات المعذبين وأنات المظلومين، هكذا قال لي الكاهن الأكبر لمعبد "أور" مرة.‏

فهم المجنحون نواياي فأسقطوني كي لا أفعل، فتهاويت، زمناً ظللت أتهاوى سقوطاً، شلّني رعب الارتطام وأضناني، وما كنت أدري أنه سيكون رفيقاً رقيقاً حنوناً، كنت نسيت أني أسقط إلى حضن أمي.‏

قال لي ثخين طويل عريض، وهو يعصر أصابعي الناعمة بين أصابعه الغليظة ضاحكاً من دموعي: أرأيت كم هو الفرق كبير بين آكل لحم وآكل عشب؟‏

قلت: دود الفاكهة يحبها ناضجة ممتلئة. فعصر أصابعي أكثر لاعناً، أرعبته النهاية، وما عدت قادراً على تحريك أصابعي منذئذ.‏

كشر سمسار عجوز في وجهي، كان يجبر نفسه على الابتسام، فرأيت ثعلباً عجوزاً شابت لحيته في المساومات وعقد الصفقات وقبض العمولات.‏

قال: اتبعني حاملاً بعض بضاعتك. فمضيت خلفه، دخلنا قصراً من قصور الحكايات، قصراً جديداً في حكاية ما سمعتها شهرزاد، مسكينة شهرزاد، وبائسة قصور حكاياتها.‏

ابتسم رجل صغير فوق أريكة في صدر الإيوان، لامعاً كان كدمية مزينة، ابتسامته غطت وجهه فلمحت طرفاً من قواطعه وأنيابه الحادة.‏

قال الثعلب العجوز أو العجوز الثعلب: مولاي يريد الشراء، فهل تبيع؟ وخير أن تبيع.‏

أخذ الصغير الرجل أو الرجل الصغير الأوراق مني، قلبها باشتهاء فخفت، كان قد صار فأراً، ودفع الفأر أو الصغير أو اللعبة، وأنا قبضت، كانت الأصابع النحاسية لا تزال تقطع معدتي بقسوة.‏

أسرعت خارجاً يتبعني صوت السمسار: انس الأوراق تماماً. وقهقها معاً، الرجل اللعبة والعجوز الثعلب.‏

اشتريت طعاماً كنت أشتهيه منذ نسيت طعم حليب أمي، وحين أكلته صدمتني رائحته، وثقل على معدتي فبكيت ليلي كله.‏

وحيداً رأيتني في غرفة كئيبة، عارياً إلا من أسمال لا تكاد تغطي عورتي أو سوءتي.‏

ما كان أحد يسمع بكائي أو أنيني، في جزيرة معزولة، في قلب محيط قبله ست محيطات كنت.‏

حين اشتد بكائي وطالت مرارة وحدتي حننت إلى من أحب فجاءتني ملاكاً من ملكوت الرحمة، خفيفة كفراشة، ناعمة كصفحة جورية، شممت رائحتها قبل رؤيتها فسكن ألمي وزال، فتوقفت دموعي.‏

ابتسامتها حولت المكان الكئيب إلى جنة فيها ما تشتهي نفس الجائع دهراً، فأكلت ثمراً وطربت سماعاً وانتشيت شماً، فدار من حولي المكان، أو درت حوله، وحلقت دوراناً، وحين شعرت بالزوغان والدوخان وخفت السقوط، ارتميت في حضنها فتلقفتني وضمتني بحنان، ومسحت وجهي المتعب ورأسي المثقل براحتها الناعمة الساحرة، فزال خوفي وألمي وحزني، فنمت.‏

نمت ساعة، أو يوماً، أو شهراً، أو دهراً؟ لست أدري، وحين استيقظت أو فتحت عيني أو نظرت، وجدتني في مكاني نفسه في جلستي بجانب أو خلف طاولتي المدورة تلك، يحيط بي ذاك الضوء الشفيف، في ذلك البازار بخلقه النازع أو الرافع أقنعته، فأسندت رأسي المثقل إلى يدي من جديد، وأطرقت أنظر إلى أوراقي، بضاعتي المبعثرة على الأرض أمامي ومن حولي، وريح تعبث بها، وخلق يدوسونها غير عابئين بها أو بي، فأغمضت عيني وانطويت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244