تسـاؤلات - عبدو محمد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تداخل

كنا حفنةً من رجال جمعتنا عيادة صديق مشترك أضناه المرض وألزمه الفراش. جلسنا حوله متحلقين محاولين التخفيف من آلامه أو مشاركته بها.‏

علب الأدوية وجدناها متزاحمة على سطح طاولة صغيرة بجانب سريره، وموجات من ألم تغزو وجهه فيغالبها كازّاً بأسنانه كي لا تطل برأسها، ولكنها تأبى فتتسلل من بين أسنانه أنيناً خافتاً لا يكاد يسمع.‏

فصديقنا في معركة لا يريد أن يخسرها.‏

أرض المعركة صفحة وجهه الشاحب، وانسدال جفونه القسري تنبئان بالنتيجة.‏

قال الصديق بتمهل واضح مغالباً وجعه: -زرت أكثر من طبيب وغير مرة، جميعهم أعطاني دواء أو أكثر مسهّلاً لي الشفاء، كل منهم وصف علة في جهاز الهضم، لم يجمعوا على رأي واحد، تناولت أدويتهم واتّبعت تعاليمهم، ولا يزال الألم يعصر باطني بقوة لا طاقة لي على تحملها.‏

قال أولنا مقاطعاً: -دع عنك وصفات الأطباء وأدويتهم، هم لا يدققون كثيراً فيما يقولون، تنوع الأدوية التي يصفونها دليل على ذلك، ما أنصحك به هو قضاء إجازة في مكان مريح، بعيداً عن الناس والعمل، صديق لي عانى مما عانيت وارتاح تماماً بعد إجازة مريحة.‏

وأضاف ثانينا فوصف منقوع القريصة)- وهي عشبة برية- وقال مثل أولنا إن صديقاً له عانى ما يعاني الصديق فتناول هذا المنقوع وشفي تماماً بعد فترة.‏

وأدلى ثالثنا بدلوه فوصف للصديق الموجوع الجافية)(1) . قال: -سيكارة)-منها تشفي كل علة مستعصية.‏

وأدلى بدلوه ثالثنا ورابعنا وخامسنا إلى تاسعنا وكان آخر المتكلمين، كل أدلى بدلوه واصفاً دواء شعبياً أفلح في شفاء صديق أو قريب، كل واحد منهم قال كلاماً يدل على أسبقية وأفضلية معرفته ووصفته من معرفة الأطباء ووصفاتهم، وصديقنا كان يستمع بعينين ذابلتين تدلان على تشاغله عما يسمع كمن كانت أذناه قصبة مجوفة يصفر فيها الريح وحديث الأصدقاء المتعارفين ووصفاتهم.‏

حديث الرجال حولي صار همهمة غمغمة، لم أعد أفهم مما يقال شيئاً، قوة ما بدأت بإبعادي بعيداً بعيداً، قوة لم تكن بي طاقة على مقاومتها، زاغت نظراتي وأنا أبتعد منسحباً من المكان، ومن حيث لا أدري وجدت نفسي بين حدائق معلقة تشرف على ساحة كبيرة محاطة بمدينة أكبر، نزلت إلى الساحة، درت بين ناسها الكثر، لم أعرف أحداً منهم، سحنهم ليست غريبة كثيابهم، مشيت في الساحة على غير هدى، مشيت غريباً بين أغراب.‏

في طرف الساحة رأيت خلقاً متحلقين، انجذبت نحوهم، انسللت بينهم يدفعني فضولي فرأيت طريحاً فوق فراش أو ما يشبه الفراش، أهل الطريح كانوا يصفون آلامه، قالوا إنها أعجزت الحكماء، لتحيل جسداً كان مثالاً للقوة والنشاط إلى جسد ناحل ذابل.‏

قال أحد المتحلقين: -أنا أدلكم على دواء له، قريب لي عانى مما يعاني وتناول منقوع عشبة برية فشفي، العشبة أعرفها وأعرف موطنها فاطمئنوا.‏

وقال آخر: -وأنا أيضاً أعرف دواء لحالة مماثلة، وصفته عجوز تسكن قبالة باب المدينة الشرقي، لديها أعشاب ووصفات لأمراض كثيرة، اذهبوا إليها وستشفي مريضكم.‏

وأدلى ثالث ورابع بما يعرف وبما شفى، واقفاً بينهم كنت أسمع ولا أسمع، أنظر إليهم وإلى ما حولي باستغراب. راغباً في فهم ما أسمع ومعرفة ما أرى، يد جذبتني من بين أولئك الخلق، يد لطيفة لشيخ ألطف جذبني بعيداً سائلاً: -من أين جئت أيها الغريب؟‏

لم أجب الشيخ بل سألته: -بل قل لي أين أنا أيها الرجل الطيب؟ وما أرى وأسمع. ابتسم الشيخ وتجاهل القسم الأول من سؤالي وقال: -هؤلاء الناس يصفون دواء شفى مريضاً يعرفونه كان يعاني مثل ما يعاني الطريح في الساحة، هذه هي عادتنا حين يعجز المرض مريضاً ويقعده.‏

سار الشيخ متأبطاً ذراعي قال مكملاً حديثه: -نحن نبحث عن أدوية تخفف آلام مرضانا أو تزيلها، آلام الجسد هي ما تهمنا لا فناؤها، ميتنا يبعث مع بداية فصل الربيع حين يطل تموز برأسه من العالم السفلي.‏

وأضاف الشيخ: -قد لا نعثر على ذلك الدواء، ولكن خلقاً في قادمات الأيام سيعثرون عليه، ومن علامات ذاك الخلق أنه يعمل ولا يتكلم، وإذا تكلم فإنه يتكلم بما يعرف فقط، فالبدائيون فقط أيها الغريب يتصورون أنهم مركز الكون ونقطة ارتكازه. واعلم أيها الغريب أن من إشارات اكتشاف ذلك العلاج أيضاً أن يرى المرء ويسمع ما يحدث في جوف الإنسان والأرض والبحر وهو جالس في مكانه لا يبرحه، وأن تقترب الكواكب فيراها وتقترب المسافات فيرى ما يحدث في الطرف الآخر من الأرض رؤية العين، وأن تتكلم الصناديق المقفلة مجيبة عما تسأل. فهل فعلتم ذلك أيها الغريب؟‏

نظرت إلى الشيخ مندهشاً مستغرباً، فأضاف الشيخ: -إذا حدث ذلك في قوم وكانوا لا يزالون يتكلمون ولا يعملون فليقرؤوا على أرواحهم وأمجادهم وكبريائهم الفاتحة.‏

دهشت أكثر وسألت باستغراب أكثر: -أيها الرجل الطيب، تتحدث عن بعث تموز وتطلب مني قراءة الفاتحة، فما أدراك ما الفاتحة ما دمت في عصر تموز؟‏

ابتسم الشيخ الطيب، وقال: -وهل تعرف أين أنت أيها الغريب؟‏

قلت: -يبدو أني في بابل، فها هي الحدائق المعلقة التي قرأت عنها شاهدة على ذلك. ومريض الساحة دليل آخر.‏

قال مشيراً إلى امرأة متهدلة الشعر تسير الهوينى بغنج ودلال: -وتلك عشتاروت، ألم تقرأ عن عشتاروت أيضاً؟‏

قلت: -بلى، أليست هي التي كانت تغوي الرجال، ثم تمسخهم بعد أن تقضي منهم وطراً؟‏

قال: -وهل تكفي رؤية الحدائق المعلقة وعشتاروت ومريض الساحة أدلة على أنك في بابل؟‏

قلت: -فأين أنا إذاً؟‏

ابتسم الشيخ، اتسعت ابتسامته كثيراً وفجأة لم أعد أراه، كان طيفاً ومضى، ومن حيث لا أدري سمعت همهمة وغمغمة، نظرت إلى ما حولي مستطلعاً مستفسراً فوجدت حلقة الرجال حول صديقنا المشترك مستمرة في لغطها واصفة أدوية وعلاجات لأمراض ومرضى سمعوا عنها أو عرفوا من تناولها فشفي.‏

(1) - الجافية: دواء شعبي ذو رائحة كريهة، وأرى أن التسمية أتت من كلمة الجيفة) وهذا الدواء يؤخذ على شكل لفافة تبغ تدخن وكان يعطى للميؤوس من شفائهم، فإما الشفاء وإما الموت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244