تسـاؤلات - عبدو محمد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أجير الفرّان

حين سافرت كان الثعبان الموشوم على زنديه، شامخ الرأس، فاغر الفم، بارز الأسنان، ممتلئ الجسم، يكاد يتفجر قوة وحيوية.‏

وحين عدت رأيته متهدل الجلد، مطأطئ الرأس، ذابلاً والفم الفاغر ذو الأسنان صار أدرد.‏

وحين سافرت كان أجيراً في فرن الحي، يعجن ويخبز، ويحمل الخبز إلى البيوت ليوصلها ناقصة أرغفة، وبلا حياء، ويسلق المارات بلسانه ويثقب النوافذ بنظراته.‏

وحين عدت كان صاحب فرن حديث قام على أنقاض الفرن القديم، يجلس على الرصيف أمامه، يصدر تعليماته إلى صِبْيته القلائل الذين يحفون بآلاته الحديثة التي تعجن وتخبز وتلقي بالخبز إلى الميزان أرغفة ساخنة.‏

حين سافرت، كان الخبز أطعم ورائحته أشهى نشمها من بعيد. ولما عدت ما كان الأمر كذلك. ثلاثون عاماً مرت منذ رحلت، ثلاثون عاماً تهت فيها حاملاً عصا ترحالي، باحثاً عما يقيم أودي وأود عيالي، وما يقيهم شر أجير الفران الذي تطاول بالبنيان.‏

ثلاثون عاماً قضيتها أرحل عبر دروب مستقيمة أبحث عنها فتفاجئني بالأشواك، تلسعني، تدمي ساقي، وبالأحجار والصخور توجع أصابع رجلي، فتدميهما، فالدروب المستقيمة لم تعبد بعد، كل الدروب وجدتها تدور حول المنعطفات، وتهبط الوديان، وتصعد السفوح، مستسهلة ذلك، مستصعبة مد الجسور وحفر الأنفاق، ناسية أن المستقيم أقصر مسافة بين بلدتين أو فكرتين، ولهذا كنت أدور وأدور، أخترق المسافات حاملاً عصاي، متحملاً الصخور والأشواك وسخرية أجير الفران، وهمّ العيال الذين يجب أن يسيروا على دروب مستقيمة.‏

ثلاثون عاماً رحلتها عن الحي وشباب الحي، والفتاة التي كنت أحب وأحب وأحب.‏

حين رحلت قالت لي: مخطئ أنت، فرحيلك يدمي قلبي.‏

وحين عدت قالت لي ودمع العين يغلبها، فيخنقها، فكلامها لا يبين إلا لي.‏

قالت معاتبة: لمن تركتنا ورحلت؟ لأجير الفران الذي صار سيداً، بعدما تزوج ابنة صاحب الفرن الوحيدة وورثته؟ ويوماً إثر يوم راح يتعالى ويتسيد حتى صار ذا مال، والمال يستر العيوب في عيون الكثيرين.‏

وأضافت والإضافات موجعة، حين تأتي عتباً ولوماً من صديق أو حبيب: تركتنا ورحلت، ما كنا نعرف الغبار والنتن والبنيان المتطاول بلا انتظام، بحثت عن بلاد نظيفة جميلة لم تصنع نظافتها وجمالها، استسهلت جمع المال، بل رحلت له، وتركتنا لأجير الفران ومن شابه، فلا خبزه خبز، ولا بنيانه المتطاول بنيان. وقالت أيضاً: ثلاثون عاماً يا حبة العين بعيد أنت عن العين، قريب من القلب، فلا رحلت إذ رحلت، ولا عدت إذ عدت، فالحاضر لا يحضر وإن عوتب لغيابه.‏

ثلاثون عاماً يا زهرة شباب الحي، تعود شاباً وإن شابت اللحية، وتبعثرت اللمة وانحنى قليلاً الظهر المستقيم، وتباطأت المشية الرشيقة.‏

ثلاثون عاماً أرقب عودتك بقلبي الذي ظل مترعاً بحبك، فأنا ما عرفت غيرك. ثلاثون عاماً وخلفك حفنة من صبيان لا هُمْ أبناء الحي ولا أبناؤك، أجسامهم عادت معك، وقلوبهم ظلت هناك فهم يلتفتون إليها.‏

قلت والكمد يدمي كبدي فأغالبه، وهي تعرف ما بي وإن غلبته، قلت والدمع سيل في حلقي، وهي تشعر بي وإن ابتلعتُه، قلت وقد كلّت رجلاي من حمل أثقالي، وهي تحس بثقل حملي وإن استخففتْ، قلت: هوناً يا حبة العين وراحة الفؤاد فالكأس مترعة.‏

ثلاثون عاماً يا حبة العين وراحة النفس، تائه أنا في صحراء الحياة، أتعبتني الدروب المستقيمة، أدْمتْ ساقي أشواكها، وقرّحت رجلي صخورها.‏

ثلاثون عاماً أتعبني فيها المرجفون والمتسلقون وظانو السوء بالناس، ثلاثون عاماً هارب أنا فيها منهم ومن أجير الفران الذي كان يتهددنا بزنديه القويين، وبأسنان الثعبان الفاغر الفم المتربص فوقهما.‏

لم يكن يفعل ذلك نهاراً جهاراً، ولكنه كان محط أنظار الصبية والفتيات الصغيرات، وكنت أشعر بالأسى والغيرة ولا أستطيع شيئاً، ودروب الحي العتيق المعوجة الملتوية تتعبني قبل ذلك.‏

قاطعتني حبة العين وراحة النفس مبتسمة قائلة: أنت لا تعرفه عاجزاً مصاباً في ظهره، فغرت فمي دهشةً، إذ سمعته يسلق الفتيات بلسانه قبل قليل، لم تُعرْ دهشتي اهتماماً وأضافت: طلبتْ منه ولية نعمته أن يحملها إلى السرير حملاً، كما فعل بطل شريط سينمائي رأياه معاً، فحملها وهي البدينة الثقيلة، فأرهقه الحمل وهدّ عموده الفقري، فهو يربطه بحزام حديدي يخفي أمره، كل ما يفعله ادعاءٌ أجوف لا غير، فهو ذابل مثل الثعبان الذي على زنديه، أرأيته؟ هو يحاول إخفاءه. قلت: رأيت ذلك وعرفته.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244