تسـاؤلات - عبدو محمد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الذئبة الصبية

كذئبة وقعت في شرك، لبدت الصبية الحسناء متربصة.‏

عيناها تجوسان المكان ومَن في المكان، المحتفلين بعقد القران، الفرحين المهللين.‏

قلق طاغٍ اشتملها وخوفٌ مما ستأتي به الأيام، أمل يتسلل إلى قلبها الفزع أن لا يكون صاحب الشرك ذئباً.‏

كذئبة أطبق قيد الشرك على معصميها، فولاذه القاسي آلم نخاع العظم واقترب من القلب.‏

أبت البكاء أو الصراخ، كابرت، حبست دمع العين وآهة اللسان، فثقل الحمل وضغط القيد أكثر.‏

تركت الشرك ومن حول الشرك، رحلت بعيداً إلى الحقول والبراري الشاسعة، إلى الحواري العتيقة الأليفة، فارتخى القيد قليلاً، وانزاح ثقل الكابوس قليلاً، واشتمت نسمة من عبق الديار الأليفة والأهل الطيبين، فامتلأت رئتاها على مداها، وما اكتملت فرحتها.‏

قبلة من قناع مصبوغ أعادتها إلى المكان، فلامت نفسها على مجيئها إليه برضاها.‏

قالوا لها عنه ما قالوا مزينين محسنين، حتى أمها: كفاك تعباً، كفاك سباقات لا تنتهي، كفاك مطاردات للكلاب، وملاك القطعان. تمتلكين قطعاناً إن وافقت. جمالك يسبي العقول، وعقلك يزن الجبال، ولا خوف عليك حيثما كنت.‏

كذئبة صبية وقعت في شرك. لبدت الصبية الحسناء متربصة، ترى ولا ترى رجلاً يلوك كلاماً، يكرره، ينغمه، فلا هو بالغناء ولا بالنحيب.‏

تروزه بطرفها، تتمنى أن يكون ذئباً لا دباً أو ابن آوى أو غير ذلك، وتروز من حولها بنظرات ثاقبة.‏

أقنعتهم مفزعة، لا هون عنها بالموائد العامرة، الخراف المحشية همّهم، جوعى منذ آلاف السنين.‏

تذكرت ذئبة أسرها الرعاة مرة. ذئبة جريحة خائفة، جرحتها كلابهم، ما كانوا أمسكوا بها لولا ذلك، كانت مرضعة، طاوية أثداءها الحمراء المدلاة الضاوية.‏

قالت: ذئبة جريحة قلقة خائفة، أضناها البحث عن طعام تحلبه لجرائها الجوعى، وأوقعها بين أيدي الرعاة الغلاظ، جاؤوا بها إلى صاحب القطيع فرحين، مؤملين رغيفاً زائداً. وصاحب القطيع كان مولماً يومئذ، محتفلاً بختان ولده التاسع عشر، ذبح تسعة عشر خروفاً لذلك، واللحم كان يملأ المكان، اللحم الفائض عن الآكلين.‏

نظر صاحب القطيع إلى الذئبة الجائعة المرضعة من شاهق، وقال: اقتلوها. وتعالوا.‏

ولأن الرعاة كانوا غلاظاً قساة بلداء، فقد نفذوا أمره وعادوا متلمظين منتظرين ليأكلوا من لحم الخراف الفائض. فبكت بدمع مدرار، وحبست الدمع في أعماقها كي لا يبين.‏

سألت أمها مساء، والدمع يملأ عينيها: أمي لماذا قتلوها ويتّموا جراءها؟‏

في عينيها ياأمي كان ثمة كلام كثير، هم أغبياء لم يفهموه.‏

-لا أستطيع نسيان نظراتها يا أمي.‏

أجابت الأم:‏

-دعك منها، ما هي إلا ذئبة وقتلها حلال.‏

-ولِمَ يا أمي؟‏

-لأنها تفترس الخراف.‏

- وماذا فعل صاحب الخراف يا أمي؟ هي جائعة تبحث عن لقمة تسكت صرير المعدة وتدر حليباً لصغارها، أما هو فماذا تسمين عمله يا أمي؟‏

لم تجب الأم، أرخت نظراتها، وتابعت عملها، ومنذئذ لم تستطع الذئبة الصبية نسيان نظرات الذئبة المرضعة، الجائعة، الجريحة، الأسيرة، ولا مصيرها.‏

تنفست بصعوبة ورددت لنفسها: أقوالك لا معنى لها يا جدي، قلت لي مرة (إن لم تكوني ذئبة أكلتك الذئاب) وها أنا أرى كل يوم الذئاب تقتل وتؤكل بألف طريقة ولون. كل ما أتمناه يا جدي أن يأكلني ذئب، خوفي شديد من أن يأكلني دب أو ابن آوى أو ثعلب أو حتى جرذ.‏

دفع مرفقها بمرفقه، شعر برحيلها عن المكان فأراد إعادتها.‏

فرحت لما فعل وحزنت.‏

فرحت لحساسيته، وحزنت لفظاظته، مرفقه كان غلظاً قاسياً.‏

عادت إلى المكان والمحتفلين، نظراتها جاستهم من جديد، نزعت أقنعتهم أو اخترقتها، فنظرات الذئاب تخترق الأقنعة.‏

شعرت بمرارة في أعماقها حين نزعت الأقنعة عن الوجوه أو معظم الوجوه، وجوه من حولها، فرحلت من جديد.‏

يوماً كانت تعمل في بستان دب، تقطف التفاح. شجر التفاح كان كثيراً، والتفاح كان يتدلى بعدد نجوم السماء. يتدلى شهياً مغرياً، والتفاح مغرٍ منذ أن كان.‏

امتدت يدها، قطفت واحدة، قضمت قضمة واحدة، فاخترقتها نظرات الدب. تذكرت نظرات الذئبة الجائعة المرضعة، الجائعة، الأسيرة. تمنت لو أنها شربت سماً، وتمنت لو أن يدها شلت، وتمنت، وتمنت.. وكي تفقأ عينيه، ألقت التفاحة، وقالت: أجري اليوم بدل القضمة.‏

انطفأت نظراته، وظلت نظرات الذئبة الأسيرة مشتعلة.‏

كذئبة صبية وقعت في شرك. انتفضت حين شعرت بيد تلامسها من خلفها. التفتت والبرق في عينيها. كانت يد الأم الجديدة تمسح شلال الشعر المنسدل حزمة من ضياء. وجهها كله ابتسام، تري الحاضرين فرحتها.‏

حين أطل وجه أخيها الذئب الأحمر، اطمأنت، وخمدت مخاوفها أو كادت، فها هو شقيق الروح وتوأم النفس الذئب الجبلي الرائع، قوته ضمانتها فيما ستأتي به الأيام.‏

كذئبة صبية وقعت في شرك، لبدت متربصة، كل ما تتمناه أن لا يكون شرك دب أو ابن آوى أو ثعلب أو جرذ.. أو غير ذلك.‏

ممن تراهم مَن حولها في المكان، أو معظم من في المكان.‏

هي تراهم من خلف بسماتهم البلهاء أقنعتهم لا تسترهم. معداتهم النهمة، وجيوبهم المنتفخة التي يرفرفون بها تفضحهم، فنظرات الذئاب لا تخطئ. طول معاشرة القساوة أكسبتهم خبرة ومعرفة كبيرتين.‏

كذئبة صبية وقعت في شرك، فلبدت متربصة.‏

لبدت الصبية الحسناء في كرسيها في الحفل متربصة، فقد وقعت في شرك.‏

وكان ما كان‏

وكان ما كان‏

والخوف، كل الخوف، مما سيكون.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244