تسـاؤلات - عبدو محمد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

السفن

على قمة جبل الحياة أجلس.‏

أسند ظهري إلى سنديانة عجوز، أتفيأ ظلها نهاراً، وآوي إلى كوخ عتيق ليلاً.‏

نهاراتي أقضيها في المراقبة والنظر، ويملأ ليالي عواء الريح والذئاب وفرقعات السياط على ظهور المعذبين وأنين المتعبين.‏

***‏

على قمة جبل الحياة أجلس‏

أنظر السفح دوني وعيناي المدى.‏

خلق كثير تأتي بهم سفن من خلف البحر الكبير، من خلف المدى.‏

خلق لا حصر له ولا عد، ينزل من سفن لا عد لها ولا حصر، من أين يأتون؟ لست أدري!‏

ينزلون، ونحو القمة يزحفون، في سباق محموم يزحفون، يلهثون وزحفهم يتابعون.‏

خلق همه الوصول إلى القمة بأسرع ما يكون‏

خلق لا يعرف الراحة، في ظل وارف، أو على صدر حنون.‏

خلق لا يعرف عبق الوردة ولا بسمة الحبيب ولا طعم اللقمة.‏

خلق أحنى الزحف ظهره، لا ينظر إلا إلى قدميه المتسارعتين،‏

المتسارعتين تسلقاً، ومُناه أن تصبحا جناحين لسرعة الوصول.‏

على قمة جبل الحياة أجلس أرقب الصاعدين،‏

منهم من يطير حين النزول، ومنهم بعد الصعود قليلاً أو كثيراً‏

ومنهم متابعون،‏

يتابعون الصعود حثيثاً،‏

ونادراً ما أرى زوجاً يتفيأ ظلاً ظليلاً ساعة أو بعض يوم.‏

ونادراً ما أرى واقفاً عند مرج زهر شدّه عبقه.‏

ونادراً ما أرى مبتسماً في عينين حبيبتين، بسمة‏

تنعش الفؤاد والنفس، فترفرف النفس بأجنحة من ضياء، ويمتلئ الفؤاد نوراً فيغني طرباً، ويسري النور في الشرايين، ليشع الوجه ضياء، واللسان عذوبة.‏

وأطرب حين أرى ذلك، ونادراً ما أراه، فتخف آلام سنديانتي ونفسي، وتصبح الريح نسيماً، ويخفت عواء الذئاب، وتتوقف فرقعات سياط الظالمين وأنين المعذبين.‏

عندئذ أتمنى أمنيات جميلة سرعان ما تصير هباء يذروه الريح،‏

لماذا؟ لست أدري.‏

***‏

على قمة جبل الحياة أجلس‏

أرقب الواصلين، أراهم لاهثين هدّهم السباق وتعب السباق،‏

وسرعان ما ينحدرون إلى السفح الثاني.‏

نادر من يتوقف على القمة قليلاً، ليلقي نظرة على السفح الذي صعد أو الذي سينزل.‏

ونادر من يقيم على القمة قليلاً يأوي إلى كوخه.‏

وقليلاً ما أرى من حضّر حطباً لزمهرير الشتاء، وصوتاً حنوناً ليؤنس وحدة لياليه، وينسيه عواء الريح والذئاب وأنّات المعذبين.‏

صوتاً يريه كيف ينير بواكير أنوار الصباح أعماق الروح.‏

وكم هو جميل خلق الخالق ومبهج للنفس. صوتاً حنوناً يفهمه أن ما على السفح أكثر من قضمة علف تملأ البطن، ولا تشبع النفس.‏

صوتاً يقول له أن النفس الخاوية هباء.‏

***‏

على قمة جبل الحياة أجلس‏

أرقب الصاعدين والواصلين المنحدرين، متكبكبين أو مسرعين أو بهدوء نازلين.‏

أراهم يصعدون السفن التي تنتظرهم على شاطئ البحر أسفل الجبل‏

سفن بعدد حصى الشاطئ، تمضي بهم إلى خلف البحر الكبير.‏

تمضي بهم وتعود لتمضي بآخرين.‏

سفن لا تتعب من الذهاب والإياب، ولا تشبع من الراكبين.‏

***‏

على قمة جبل الحياة أجلس‏

مسنداً ظهري إلى سنديانتي العجوز، أتنسم نسمات طرية، وآوي إلى كوخ عتيق.‏

متى سأنحدر؟ لست أدري!‏

كيف سأنزل؟ لست أدري!‏

إلى أين ستأخذني السفن؟ لست أدري!‏

كل ما أتمناه أن يكون سفراً ميموناً، والمكان جميلاً، ويا ليته يكون.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244